دروس حرب الـ12 يومًا والحسابات الجديدة

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

في ظل نظام دولي يمر بمرحلة إعادة تشكّل، وإقليم اختلت توازناته، يعود الملف الأمريكي- الإيراني إلى صدارة المشهد، بين تقاطع مباحثات غير مباشرة تحمل في جوانبها إشارات تعثرها، وتصعيد عسكري كبير، يدخل الطرفان مرحلة اختبار جديدة، تقع في حدود إدارة المخاطر ومنطق “الردع”، فالولايات المتحدة وظفت كل أدوات الردع المركب والمتعدد، من تفوق عسكري وتكنولوجي، وعقوبات اقتصادية لحماية مصالحها، وتعظيم نفوذها التفاوضي، لإذعان المفاوض الإيراني وترهيبه للموافقة على شروط مقبولة أمريكيًا وصهيونيًا. أما النموذج الإيراني للردع فيكمن في توزيع القوة عبر حلفاء إقليميين، وحروب بالصواريخ ومسيّرات منخفضة التكلفة، وقدرة تكيف اقتصادها مع تشديد العقوبات، فاعتمدت على الصين كأكبر مشترٍ لنفطها، لكن ضمن علاقة تميل لمصلحة بكين، وعمقت شراكتها مع روسيا.

حرب الـ12 يومًا والثغرات الإيرانية

إيرانيًا، كشف تقرير صادر عن أكاديمية الاستخبارات التركية (MIA)، في 1 من آب 2025، بعنوان: “حرب الأيام الـ12: الدروس المستخلصة لتركيا” بعد تحليل موسع للحرب بين إيران وإسرائيل على مدار الـ12 يومًا، أن إسرائيل استخدمت في الحرب عمليات متعددة الأبعاد، دمجت فيها الحرب الإلكترونية، والهجمات السيبرانية، وعمليات المعلومات بشكل متكامل ومكثف، ومن تلك الدروس، بأن السيطرة الإسرائيلية على الطيف الكهرومغناطيسي شلت الدفاعات الإيرانية ذات البنية المركزية الضعيفة المرونة، وكان لذلك أثر نفسي في الحرب، كما أن تدمير البنية التحتية للرادارات وشبكات القيادة خلال أول 72 ساعة من الهجوم، أفقد إيران القدرة على رد فعال، واعتبر التقرير أن استخدام البعدين السيبراني والكهرومغناطيسي كانا عاملًا حاسمًا في نتائج الصراع.

بالمقابل، عالجت إيران بعض الثغرات وبضمنها الشبكات الدفاعية، عبر عدة خطوات، منها مثلًا:

أنشأ “المجلس الأعلى للأمن القومي”، وهو أعلى سلطة في رسم السياسة الأمنية في البلاد وتعمل بإشراف مباشر من المرشد الأعلى، مجلس الدفاع الوطني الأعلى في 4 من آب 2025، برئاسة رئيس الجمهورية، ورؤساء السلطات الثلاث، وقادة القوات المسلحة بهدف تنسيق الاستراتيجية الدفاعية للبلاد وتعزيز قدرات القوات المسلحة بشكل مركّز بعد حرب الـ12 يومًا، ويرجح أن إنشاءه جاء لمعالجة التكامل بين الأجهزة الأمنية وبضمنها الدفاعية والاستخباراتية، وخاصة بعد العملية المباغتة، التي قامت بها إسرائيل وشلت قدرة منشآت رادارات الدفاع الجوي وبطاريات الصواريخ، وسيطرت على مجالها الجوي من غرب البلاد إلى طهران، لكن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، رجح تفضيل إيران إيجاد حلول وتعديلات للثغرات المكشوفة بدل تغييرات كبيرة على استراتيجيتها الشاملة. كما أعادت إيران بناء وتعزيز قدرتها العسكرية، وخاصة قدراتها الدفاعية الجوية، حيث استبدلت أنظمة الدفاع الجوية المتضررة استعدادًا للأعمال العدائية ضدها.

وعلى صعيد تعيين علي لاريجاني أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي بعد الحرب، والذي كان قد شغل هذا المنصب من 2005 حتى 2007، وكان كبير المفاوضين في البرنامج النووي الإيراني، وعُرف بقدرته على التكيف في المراحل الحرجة، وولائه الثابت للمرشد، ويفترض به اليوم إعادة صياغة المفاهيم الاستراتيجية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، و”رصد أولويات قضايا الأمن القومي ومخاطره، ولا سيما التهديدات المستجدة والتقنية“. ولكن ربما يتمكن لاريجاني من إدارة الأزمة الحالية، ولكن الاختلالات البنيوية في النظام الإيراني ستظل قائمة.

رغم الإيحاء بوجود إرادة لمعالجة الخلل البنيوي في منظومة الاستخبارات الإيرانية بعد الاختراقات الإسرائيلية، فإن هناك عوامل هيكلية تبدد إمكانيات مكافحة الاختراق وشبكاته، كالتنافس بين جهازي وزارة الاستخبارات (MOIS) واستخبارات “الحرس الثوري” (IO-IRGC) من حيث تكرار المهام، والتضارب في الصلاحيات، وبيئة تكرس الولاء لا التخصص، ناهيك بتوظيف الدور الاستخباراتي للقمع الداخلي، وإعطاء الأولوية لضبط المجتمع.

إلى جانب ذلك، فإن التصدي للحرب السيبرانية الإسرائيلية، وتطوير منظومة دفاع كهرومغناطيسية أو سيبرانية كجزء من استراتيجية وطنية قادرة على ردع الهجمات على الطيف الكهرومغناطيسي، سيقتصر على قطع الإنترنت لتقييد الوصول وتعزيز السيطرة على الفضاء الإلكتروني، كما فعلت خلال الانتفاضة الأخيرة.

الضغوط الأمريكية الداخلية

يواجه ترامب وإدارته تقاطع ضغوط داخلية جعلت خيار “عسكرة الدبلوماسية” مع إيران خيارًا مناسبًا لهم بدل تحمل تبعات صراع مفتوح، فهي استعراض للقوة، وتوفر ضغطًا على الطرف الآخر، ولا تتطلب استنزاف التعبئة العسكرية، ويمكن تسويقها داخليًا كحزم ضغط، دون حرب مفتوحة، وهي سياسة قابلة للتراجع أو لتنفيذ هجمات عسكرية تحت ذريعة ما، كاستخدام “الوقت” وانتهاء مهلة الـ60 يومًا التي حددها ترامب بنفسه بعد أشهر من مفاوضات غير مباشرة بينهما، فشنت إسرائيل ضربات جوية على إيران في 13 من حزيران 2025، تبعها هجوم أمريكي مباغت في 22 من الشهر نفسه، استهدف منشآت نووية في فردو ونطنز وأصفهان، وصفته طهران بـ”الخيانة الدبلوماسية”.

تشكل الانقسامات والتحديات الداخلية قيودًا على خيارات ترامب في السياسة الداخلية والخارجية، وبضمنها مآلات استخدام “سلاح الخوف” كما وصفه ترامب بالتوازي مع المفاوضات أو حجم الخيار العسكري الذي قد يستخدم ضد إيران، وأولها انقسامات بين الجمهوريين حول سياسات اقتصادية وسياسية كبرى، كعدد من أعضاء مجلس النواب عارضوا قرار ترامب في المجلس ورئيسه في شباط الماضي، وصوتوا مع الديمقراطيين على قرار إلغاء تعريفات جمركية فرضها ترامب، واعتبروها ضررًا اقتصاديًا، وحماية لصلاحيات الكونجرس رغم تحذيرات البيت الأبيض. وتعكس هذه الواقعة، وغيرها، انقسامات داخل الحزب الجمهوري حول الدور الاقتصادي لمنصب الرئاسة وصلاحياته، وانقسامات في إطار السياسة الداخلية، كقيادة جلسات استماع حول ممارسات إدارة الهجرة والجمارك (ICE) رغم تحفظات البيت الأبيض. وقد برزت تلك الانقسامات منذ العام الماضي، حيث واجه ترامب مقاومة متزايدة وغير معتاده من أعضاء في حزبه الجمهوري بالكونجرس.

ومن جهة أخرى، فالانتخابات النصفية المقبلة للكونجرس في 3 من تشرين الثاني تتطلب حسابات دقيقة لحرب عسكرية مفتوحة ضد إيران قد يكون لها تبعات على نتائج الانتخابات، وآثار على الدعم الشعبي للجمهوريين، ولا سيما أنها حسابات تتسق مع مساعٍ تشريعية بذلت في الكونجرس منتصف العام الماضي تتعلق بمنع ترامب من استخدام القوة العسكرية ضد إيران دون تفويض من الكونجرس، وهي أصوات تخشى من جر الولايات المتحدة إلى صراع طويل.

يضاف إلى التحديات  أثر “ملفات أبستين” التي كشفت عمق ووصول شبكته للجريمة الدولية المنظمة، التي استخدم الاتجار بالبشر، والعنف الجنسي ضد القُصر، والقتل، والابتزاز السياسي، كأدوات لبناء علاقات عابرة للحدود والقطاعات ومنظومة استخباراتية تخترق مؤسسات صنع القرار وشخصيات مفتاحية حول العالم، وهي لا تزال محمية وبعيدة عن المساءلة والمحاسبة، وضحاياها محرومون من العدالة وجبر الضرر، والإجراءات القانونية محدودة وفردانية وأدائية، لا تقترب من تفكيك هيكلة المظالم والعوامل والمسارات التي أسهمت بنشوئها وتوسعها وتأمين حصانتها.

إلى جانب ذلك، يشهد ترامب تراجعًا في شعبيته، فمثلًا، نشر استطلاع أجراه معهد “غالوب” في كانون الأول 2025 تراجع شعبيته إلى 36%، وأظهر أيضًا أن 59% لا يؤيدونه، وهذا العام، امتنع المعهد عن نشر شعبية الرؤساء بعد 90 عامًا من العمل المتواصل في هذا المجال، ويرجح أن سبب ذلك هو تراجع شعبيته لمستوى أدنى من ذلك، إضافة إلى تهديد ترامب لمعاهد استطلاع الرأي بأنها تنشر أرقامًا مزيفة ضده. علاوة على ذلك، فثمة خشية من المخاطر السياسية والتحالفات الانتخابية جراء الاحتجاجات الشعبية ضد سياسات الهجرة والترحيل القسري التي يقوم بها ترامب وإدارته.

في ضوء المعطيات الراهنة، والمحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، والتحشيد العسكري الكبير، لا يتجه سير المعطيات إلى وقوع حرب شاملة قد تتجاوز قدرة الأطراف على احتواء مخاطرها وتداعياتها، ولا إلى تسوية مستقرة ودائمة، بل إدارة مرحلة تبقى فيها الضربات الأمريكية المحدودة المحتملة ضد إيران ضمن صندوق أدوات ترهيب الخصم، وإجباره على تقديم تنازلات، وتدرك إيران أن السلوك الحذر وإدارة الصراع، مع تموضع ردعي في المنطقة دون اختبار أدواتها، أفضل من تداعيات قد تهز أركان النظام نفسه.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة