دمشق.. ما أسباب التحول بنمط التسوق في حي حاميش؟

camera iconمبنى "نيو مول قاسيون" في حي حاميش بدمشق - 14 نيسان 2019 (أخبار الصناعة السورية)

tag icon ع ع ع

شهدت أحياء مدينة دمشق خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة في أنماط التسوق والحركة التجارية، مع انتشار المراكز التجارية الحديثة التي أصبحت نقطة جذب للمستهلكين، ويبرز حي حاميش مثالًا على هذه التحولات منذ افتتاح “نيو قاسيون مول”، حيث تغيّر إيقاع الحياة اليومية في المنطقة وازدادت الحركة الشرائية بشكل ملحوظ.

هذا الواقع يفتح باب التساؤل حول أسباب تفضيل المستهلكين لـ”المولات”، وتأثيرها على المحال الصغيرة والأسواق التقليدية، إضافة إلى انعكاساتها على أسعار العقارات والنشاط الاقتصادي في الأحياء المحيطة.

كما يفتح النقاش حول تأثير المول على دكاكين الحي التقليدية، وقدرتها على الاستمرار وسط المنافسة.

الحركة أمام المول كثيفة على مدار اليوم، والزائرون يتنقلون بين المتاجر وأقسام المواد الغذائية والمناطق الترفيهية، بينما تصطف السيارات على جانبي الشوارع المحيطة، ويصاحب ذلك ضجيج متواصل يعبر عن حيوية المكان، ليلاحظ المارة وسكان المنطقة تغير الإيقاع اليومي للحي.

تأثير “المول” على البيئة المحيطة

أفاد أحد أصحاب المكاتب العقارية في المنطقة، والمقيم في الحي منذ أكثر من ثلاثة عقود، أن وجود “المول” كان له أثر إيجابي عام على حي حاميش، سواء من حيث الحركة التجارية أو ارتفاع الطلب على العقارات.

وقال إن المنطقة كانت في السابق مخدمة بالأكشاك، إلا أن صدور قرار محافظة دمشق بإلغاء الأكشاك، أدى إلى نقص في المحال الصغيرة التي تلبي الاحتياجات اليومية السريعة، وهي احتياجات لا تستدعي الدخول إلى “المول”.

وأضاف صاحب المكتب العقاري أن “المول” أصبح معلمًا معروفًا على المستويين السياحي والتجاري، لما يقدمه من خدمات متنوعة، وقد أسهم بشكل واضح في رفع أسعار العقارات، فالإيجار الذي كان قبل افتتاحه بحدود 300 دولار شهريًا وصل بعد ذلك إلى نحو 500 دولار.

ورغم أن طبيعة المنطقة تسهم جزئيًا في هذا الارتفاع، فإن قرب العقار من “المول” يرفع سعره حتى لو كان الفارق مجرد شارع واحد، نتيجة رغبة الناس المتزايدة بالسكن بالقرب منه.

وفي المقابل، لاحظ صاحب المكتب العقاري ضعف رغبة المستثمرين بافتتاح محال تجارية جديدة بالقرب من “المول”، خوفًا من المنافسة المباشرة، على عكس مناطق قريبة مثل ركن الدين، حيث يلاحَظ انتشار واسع للمحال التجارية، فيما يغيب هذا النشاط التجاري في حاميش نتيجة سيطرة “المول” على الحركة التجارية.

وفيما يخص الازدحام، يرى بعض السكان أن الحركة المرورية الكثيفة تمثل وجهًا من أوجه الحيوية التي أضافها “المول”، خاصة مع تحسن تنظيم السير.

كما قالت إحدى القاطنات في الحي، إن أسعار العقارات شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، سواء في الإيجارات أو البيع، نتيجة زيادة الكثافة السكانية وتحول المنطقة إلى نقطة جذب تجارية.

دوافع التسوق من “المول”

قالت ربة منزل من سكان الحي، إنها تفضل التسوق من “المول” بسبب العروض التي تعتبرها أوفر من الأسواق التقليدية، إضافة إلى إمكانية شراء معظم الاحتياجات من مكان واحد.

كما تفضل الدخول لـ”المول” أحيانًا بغرض التدفئة في الشتاء أو التكييف في الصيف، بدلًا من الوقوف في الشمس أو البرد لشراء احتياجاتها.

لكنها أشارت إلى وجود فرق في الأسعار لبعض السلع داخل “المول”، ولا سيما الخضراوات والفواكه واللحوم، الأمر الذي يدفعها أحيانًا إلى شراء هذه المنتجات من خارج “المول”.

رأي أصحاب المحال المجاورة

أحد أصحاب المحال التجارية في حاميش، قال إنه افتتح متجره بعد التحرير، ولم يشعر بتأثير سلبي مباشر نتيجة وجود “المول”، ويرى أن المنافسة لا تعتمد فقط على السعر، بل على حسن التعامل مع الزبائن وكسب ثقتهم.

وأشار إلى أن الفروقات السعرية تختلف بحسب نوع السلعة، فبعض المنتجات أرخص في “المول” نتيجة العروض، فيما تبقى سلع أخرى أقل سعرًا في المحال الصغيرة.

ويعود ذلك إلى الكميات الكبيرة التي يستوردها “المول”، ما يتيح له أحيانًا تقديم أسعار أقل مقارنة بالدكاكين القريبة.

إدارة المخزون والفروق السعرية

قال أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” عبد الرحمن محمد، لعنب بلدي، إن “المولات” تعتمد على مبدأ الشراء بكميات ضخمة لخفض التكلفة، ما يتيح التعاقد المباشر مع المصانع أو استيراد شحنات كبيرة، ويقلل التكلفة الإجمالية.

هذا الفارق السعري، بحسب محمد، يخلق ضغطًا تنافسيًا على دكاكين الحي الصغيرة، التي تشتري بكميات محدودة وبأسعار أعلى من الأسواق المركزية، ما يقلل قدرتها على المنافسة في السلع الأساسية ذات الطلب المرتفع، لتتحول إلى متاجر تكميلية أو طارئة، وهو ما يهدد إيراداتها الثابتة واستمراريتها.

وأضاف محمد أن “المولات” تتمتع باستقرار نسبي في الأسعار بسبب تخزين السلع، بينما المحال الصغيرة تعتمد على إعادة الشراء بوتيرة متقاربة (يومية أو أسبوعية)، ما يجعلها تتأثر مباشرة بأي تغير في سعر الصرف.

ويمكن وصف الدكان الصغير بأنه يعكس السعر الفوري للسوق، بينما تمثل “المولات” آلية تخزين تمتص الصدمات السعرية مؤقتًا بفضل حجم مخزونها وسيولتها، حسب محمد.

الفجوة الرقمية

في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده قطاع التجزئة، تحولت “المولات” التجارية إلى منصات تكنولوجية متكاملة تضع تجربة المستخدم في المقام الأول، مع توفير بنية تحتية متطورة لتقدم منظومة دفع إلكتروني شاملة.

وأفاد الأستاذ الجامعي، بأن “المولات” تمتلك بنية تنظيمية وإدارية مركزية تتيح لها توقيع اتفاقيات موحدة مع المصارف وشركات الدفع الإلكتروني، ما يخفض تكاليف التعاقد وييسر نشر أجهزة الدفع (POS) داخل جميع منافذها.

في المقابل، أوضح محمد أن المحال الصغيرة تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، أو قد ترفض الدفع الإلكتروني لتجنب الضرائب أو لعدم امتلاك الحسابات البنكية اللازمة، ونتيجة لذلك، تبدو “المولات” أكثر استعدادًا لتكون القناة الرئيسة للاقتصاد النقدي الرقمي.

أكثر من مجرد تسوق

يفسر محمد سلوك المستهلكين بتحمل تكاليف النقل للوصول إلى “المول” من خلال مبدأ “اقتصاد السلة الواحدة”، حيث يجمع المستهلك عناصر الوقت وتكاليف النقل ضمن معادلة الشراء. ورغم ذلك، يحقق المستهلك وفرًا إجماليًا بفضل انخفاض أسعار معظم السلع وتوفرها في مكان واحد، بالإضافة إلى تقليل الوقت والجهد المبذول للتنقل بين المحال.

“المولات” لا تبيع فقط السلع، بل توفر تجربة حسية واجتماعية، الإضاءة، الموسيقا، التكييف، والعروض البصرية جميعها تهدف إلى خلق بيئة محفزة للشراء الاندفاعي، ليصبح التسوق وسيلة للترفيه، وليس مجرد تلبية الاحتياجات الأساسية، بحسب محمد.

رؤية تكاملية

أفاد الأستاذ الجامعي عبد الرحمن محمد، بأن صعود “المولات” وهبوط المحال الصغيرة يعكس مرحلة نضج رأسمالي تجاري، حيث تنتقل السوق من التنافسية الاحتكارية إلى احتكار القلة، ما يزيد الكفاءة السعرية على المدى القصير، لكنه قد يضعف المرونة الاقتصادية على المدى الطويل.

ولفت إلى أن التحدي للاقتصاد السوري ليس منع “المولات”، بل إدارة التحول عبر خلق رؤية تكاملية، مثل تحويل المحال الصغيرة إلى وكلاء خدمة لـ”المولات” أو مراكز خدمية تقدم ما لا يقدمه “المول”.

وكرأي أكاديمي اقتصادي، أوضح محمد أن “المولات” التجارية تعكس ازدواجية واضحة في الاقتصاد المعاصر، فهي من ناحية تمثل قمة التنظيم الإداري وكفاءة التوزيع، وتخلق فرص عمل مستقرة نسبيًا، وتحفز النشاط الاقتصادي عبر تحويل الاستهلاك إلى تجربة ثقافية واجتماعية.

ومن ناحية أخرى، تسهم في خلق اقتصاد هش قائم على الإغراء والرغبة المستحدثة، وتحتكر التدفقات النقدية على حساب التجارة التقليدية، مما يعرض شريحة واسعة من رأس المال المحلي الصغير لمخاطر وجودية.

وختم محمد بأن “المول” الناجح في المستقبل هو الذي يستطيع تحقيق التوازن بين الربحية التجارية وبين المسؤولية الاجتماعية والاقتصادية تجاه العاملين والتجار والمجتمع ككل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة