تعا تفرج

طرائف حربية وثقافية نخبوية

tag icon ع ع ع

خطيب بدلة

نقلتُ للإخوة، قراء عنب بلدي، في وقت سابق، بعض الأجواء التي كانت تصاحب أيام الحروب، مثل حرب حزيران 1967، وحرب تشرين 1973. تبدو هذه الأجواء، في المناطق البعيدة عن الجبهات، كمنطقتنا الشمالية، مضحكة. كان الناس يسمعون الأخبار والخطابات الرنانة من الراديو، فيغضبون، ويتحمسون، ويستنفرون.. يريدون أن يقدموا شيئًا لوطنهم وشعبهم، ولكنهم لا يملكون شيئًا مفيدًا، أو فعالًا، فيصابون بالإحباط.

ما زلت أذكر أن بضعة رجال، في أثناء حرب حزيران، جاؤوا إلى بلدتي، معرة مصرين، ومعهم جفوت صيد، ويتمنطقون بصفوف الفشك، ويبدون استعدادهم للذهاب إلى الجبهة.. ولم يكن في البلدة، يومئذ، شخصيات رسمية غير رئيس المخفر الذي استقبلهم، وهو في قمة الاستغراب من منظرهم الذي يوحي بأنهم صيادون تائهون في برية.. وعندما فهم سبب مجيئهم، هز رأسه متذمرًا، وطلب منهم أن يعودوا إلى قراهم، ولكنهم ألحوا، وطلبوا مقابلة مدير الناحية، فاحمرت عينه منهم، وهددهم بمصادرة جفوت الصيد غير المرخصة، فانصرفوا!

ليس من اللائق، بالنسبة إلي، أن أسخر من حماس أبناء القرى الذين اندفعوا للذود عن بلادهم في عز احتدام المعارك، ولكنني، وزملائي في حرفة الصحافة والأدب، والمثقفين، والفنانين، لم نكن، طوال تلك السنوات المضطربة، أحسن حالًا وأرقى تفكيرًا منهم، فقد مضت سنوات طويلة، بل عقود، ونحن غاضبون، منزعجون، حزينون لأن جيشنا هُزم، وجولاننا احتل، ولم نفكر قط، إلا بالانتقام، وإزالة آثار العدوان، وخوض معارك أخرى، عسى أن نحقق نصرًا، مهما يكن صغيرًا وتافهًا على ذلك العدو.

كان حريًا بنا أن نمسك القضية بيد قوية، ونضعها تحت المجهر، ونسلط عليها حزمًا واسعة من الأضواء، فنسأل عن الحرب، لماذا وقعت؟ وهذا العدو، من هو؟ ولماذا نعتبر هذه القضية قضيتنا الوحيدة؟ وإذا كانت بيننا وبين دولة مجاورة خلافات حدودية، لماذا نحاربها، ولا نفاوضها عليها؟ ولماذا نلوم العدو الذي هزم جيشنا وأخذ أرضنا، ولا نلوم نظام الحكم الذي دخل الحرب دون أن يكون مستعدًا لها؟ ونتساءل: متى أصبح الجولان أرضنا التي يجب أن نحررها؟ إذا كان الجواب أن الجولان أصبح جزءًا من الجمهورية السورية، بموجب اتفاق سايكس بيكو، لماذا نعادي فرنسا التي وضعت الجولان ضمن خارطتنا؟ ولماذا يهاجم إعلامُنا البعثي اتفاقية سايكس بيكو، ويعتبرها تآمرًا على الوحدة العربية؟ عندما وضعت تلك الاتفاقية التي نعتبرها مشؤومة، من قبل فرنسا وبريطانيا، ألم تشمل، لواء إسكندرون؟ فلماذا لا نحارب لاسترداد ذلك اللواء السليب؟

إنني، بهذه الأسئلة، لا أطالب بشيء، ولا أحرض على شيء، ولكنني أزعم أن النخب الثقافية، والأدبية، والفنية، في بلادنا، وأنا واحد منها، لم تقدم لوجدان الشعب السوري، وثقافته، ومعلوماته، شيئًا مفيدًا، بل العكس، ساهمت في تكريس خطاب التلفيق، والتعتيم، والتجهيل، الذي كانت تضخّه السلطات التي تسلطت على هذا الشعب، وقامرت بمصيره، وأدخلته في حروب خاسرة، وطلبت منه مزيدًا من الصبر، والتضحية، والتحمل، والإصرار على ارتكاب الحماقات نفسها، والحسابات الخاسرة نفسها، وإعادة إنتاج أجيال، كل جيل منها أسوأ من سابقه، وأكثر تخلفًا، وركودًا، واستنقاعًا.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة