“الدفاع” تقيّم ضباطها.. خطوة نحو جيش احترافي

رئيس هيئة الأركان اللواء علي النعسان يجري جولة على قاعات الاختبارات النظرية لإعادة تقييم ضباط الجيش السوري - 12 آذار 2026 (وزارة الدفاع)

camera iconرئيس هيئة الأركان اللواء علي النعسان يجري جولة على قاعات الاختبارات النظرية لإعادة تقييم ضباط الجيش السوري - 12 آذار 2026 (وزارة الدفاع)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – موفق الخوجة

أعلنت وزارة الدفاع السورية بدء عملية تقييم شاملة للضباط في المؤسسة العسكرية، في خطوة تهدف إلى إعادة هيكلة الجيش وبناء قاعدة تنظيمية تعتمد على الكفاءة والخبرة المهنية.

وتأتي هذه الإجراءات ضمن مسار تسعى من خلاله الوزارة إلى الانتقال بالمؤسسة العسكرية من بنية فصائلية متعددة الخلفيات إلى جيش أكثر مأسسة وانضباطًا يعمل وفق معايير عسكرية موحدة.

ويجري تقييم “آلاف الضباط” بمواقع قيادية وبمختلف الاختصاصات، مع تركيز خاص على قادة المشاة، وذلك بإشراف القيادة العليا للجيش، في مقدمتهم رئيس هيئة الأركان، اللواء علي النعسان، ومن ثم لجان بعدة اختصاصات، وفق ما أعلنته الدفاع.

وشملت الاختبارات عدة مواضيع، أبرزها الطبوغرافيا والتكتيك وقراءة الخرائط، ضمن ما اعتبرته معايير مصممة لقياس المهارات القيادية والمعرفية لتعكس الكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية ميدانيًا.

وذكرت الوزارة أن توزيع المهام والمسؤوليات سيكون وفق الخبرة الفعلية، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى، في حين أن نتائج التقييم ستسهم في تصنيف القادة حسب الخبرة والاختصاص، ولبناء قاعدة بيانات.

وبعد استكمال التقييم، ستفتح هذه العملية المسار أمام الضباط غير الخريجين أكاديميًا لاستكمال مسارهم التدريبي ضمن برامج تعليمية منظمة تواكب متطلبات المرحلة، وترفع مستوى الجاهزية والعلمية والعملية للكوادر العسكرية.

وبحسب معلومات حصلت عليها عنب بلدي من أحد كوادر وزارة الدفاع، شمل التقييم قادة الأركان والكتائب والألوية ورؤساء الأقسام والمكاتب كمرحلة أولى، في حين ستشمل مراحل أخرى قادة السرايا وضباط العمليات ضمن الألوية.

وبحسب ما اطلعت عنب بلدي، فقد شمل التقييم أسئلة حول سلوك الضباط والعناصر، إضافة إلى أسئلة تكنولوجية وتكتيكية وأخرى نفسية وتحليلية.

ولم تكن الاختبارات سهلة، حيث حصل العديد من الضباط الميدانيين على تقييم سيئ، بالرغم من توليهم مناصب مهمة ضمن الجيش، وخبرة ميدانية اكتسبوها خلال سنوات الثورة.

تدرج الرتب ومستويات القيادة

وفق ما نشرته صحيفة “الثورة السورية” الرسمية، فإن الرتب العسكرية في الجيش السوري تتوزع على ثلاثة أصناف ضمن مستويين اثنين:

  • الضباط الأمراء: تتضمن أربع رتب (فريق، عماد، لواء، عميد) ويتم تعيينهم بمراسيم جمهورية خاصة، ويشكلون “الدائرة الضيقة” للقيادة العسكرية، وهم المسؤولون عن القيادة العليا والتخطيط الاستراتيجي ورسم السياسات الدفاعية للبلاد.

ويشغلون مناصب عليا، مثل وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الفرق والألوية، وهم حلقة الوصل بين القيادة السياسية (رئيس الجمهورية) والجيش.

  • الضباط القادة والأعوان: وهم الهيكل التنفيذي والميداني للجيش والمسؤولون عن إدارة الوحدات العسكرية وتنفيذ الخطط الموضوعة من الأمراء.

يتضمن هذا المستوى ست رتب، ثلاثة للضباط القادة (عقيد، مقدم، رائد)، ومثلها للضباط الأعوان (نقيب، ملازم، ملازم أول).

وتتم ترقيتهم بناء على سنوات الخدمة في الرتبة الواحدة والملاك الذي يشغله الضابط.

الخبرة الميدانية والأكاديمية

الخبير العسكري العميد عبد الله الأسعد، قال إن عملية إعادة الهيكلية للجيش، هي عبارة عن دمج للخبرات الميدانية التي اكتسبها المقاتلون في المعارك خلال 14 عامًا من الثورة، ومزجها مع الخبرة الأكاديمية، المعتمدة على أسس نظام القوات البرية والبحرية والجوية، وكل ما له علاقة بالاختصاصات، مثل توزيع المقاتلين على اختصاصاتهم وعلى الكليات، وهو ما اعتبره أمرًا مهمًا للمقاتلين.

وعندما ينقل العناصر أصحاب الشهادات، سواء ثانوية أو جامعية بعد تقييمهم، إلى الكليات الحربية، فإنهم يخضعون لدورة كليات يتم بها دراسة مختلف صنوف الأسلحة من التكتيك وأساليب التدريب وغير ذلك، وسيتخرجون كضباط برتبة ملازم، ثم سينخرطون بالجيش، الذي سيتكون من كليات ومعاهد وأكاديميات، وفق حديث الأسعد إلى عنب بلدي.

الدفاع ذكرت عبر معرفاتها، أن الضباط سيحصلون على رتبهم العسكرية وفق “آلية تنظيمية مناسبة”.

وقالت الوزارة، إن الهدف ليس الفرز فقط، بل تطوير الجيش على أساس احترافي وعقيدة عسكرية قائمة على الانضباط والقوانين، تمنح الرتب وفق الأصول، وتختار القادة بالكفاءة والخبرة والاختصاص والتحصيل العلمي.

واعتبرت الوزارة أن عملية تقييم الضباط تمثل ركيزة أساسية في بناء الجيش السوري، فالمؤسسة العسكرية تدخل إلى مرحلة أكثر انضباطًا واستقرارًا تستند إلى بيانات دقيقة وتصنيف “عادل” للكفاءات لتعزير قدرتها على أداء “واجبها الوطني” بكفاءة ومسؤولية.

ما آثار هذه الإجراءات؟

الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) معتز السيد، يرى أن الفكرة الأساسية في الخطة هي إعادة بناء مؤسسة عسكرية مركزية تخضع لوزارة الدفاع، لذلك جاء التركيز على إعادة الهيكلة، وتنظيم الرتب العسكرية وفق تقييم مهني وليس وفق الانتماء الفصائلي.

وقال الباحث لعنب بلدي، إن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي لصناعة جيش احترافي، موضحًا أن نجاحها مرتبط بقدرة الدولة على دمج الفصائل المختلفة التي كانت تشكل قوات المعارضة على اختلاف أيديولوجياتها ضمن مؤسسة واحدة بشكل فعلي، وفرض الانضباط العسكري وبناء عقيدة وطنية جديدة للجيش.

وإذا نجحت هذه الخطوات فقد تشكل أساسًا لجيش مهني، لكنها لا تزال في مرحلة التأسيس ولا يزال الطريق طويلًا، وفق ما أضافه الباحث السيد.

وذكر أن الاختبارات التي تُجرى حاليًا يمكن فهمها في إطار معالجة إحدى المشكلات التي ظهرت خلال سنوات الثورة، وهي تعدد الرتب داخل الفصائل المسلحة من دون وجود معايير عسكرية موحدة.

وبعد مرحلة التحرير، جرى تشكيل بنية عسكرية بشكل طارئ لسد الفراغ الأمني والعسكري، وفق ما لفت إليه السيد، لكن يرى أنه مع الوصول إلى درجة من الاستقرار النسبي أصبح من الضروري إعادة التقييم وإعادة الهيكلة.

لذلك، تعمل وزارة الدفاع حاليًا على مراجعة أوضاع الضباط والعناصر ومنح الرتب وفق معايير مهنية تعتمد على الكفاءة والخبرة العسكرية الفعلية، وليس فقط على الانتماء السابق للفصائل، وفق ما أشار إليه الباحث.

الهيكلية

أما من حيث الهيكلية، فأشار الباحث في “مسداد” معتز السيد، إلى أن هناك فرقًا واضحًا بين الجيش السابق والنموذج الذي يجري العمل عليه اليوم.

وشرح بأن الجيش في عهد النظام السابق كان مرتبطًا بشكل وثيق بالسلطة السياسية، وتمت هيكلته أساسًا لحماية النظام أكثر من كونه مؤسسة وطنية.

في المقابل، تهدف الهيكلية الجديدة نظريًا إلى بناء جيش وطني يخضع لمؤسسات الدولة وليس للفصائل أو الشخصيات، بحيث يتم الانتقال تدريجيًا من حالة التعدد الفصائلي أو الجيش المرتبط بالسلطة إلى مؤسسة عسكرية مهنية تمثل الدولة وتعمل ضمن إطار وطني موحد.

خطوات نحو تطوير الجيش

جرى حل الجيش السوري السابق ضمن قرارات “مؤتمر النصر” الذي أعلن عنه في 29 من كانون الثاني 2025.

وبعد سقوط النظام، استحدثت الإدارة السورية الجديدة وزارة الدفاع، بقيادة المهندس مرهف أبو قصرة، والذي منحته رتبة لواء، بقرار من “القيادة العامة” (الرئاسة السورية حاليًا)، إلى جانب قادة آخرين بارزين، برتب ما بين عقيد وعميد ولواء.

ومنذ ذلك الحين، عملت الوزارة على وضع هيكلية للجيش، بدأتها بحل الفصائل وضمها لـ25 فرقة موزعة على مختلف الجغرافيا السورية.

ومع بداية عام 2025، عقدت وزارة الدفاع اجتماعات مع أكثر من 130 وحدة عسكرية وفصيلًا، بالإضافة إلى لجان عليا لتنظيم بيانات الموارد البشرية، كما عملت على صياغة نظام داخلي حديث للوزارة يعيد ضبط العلاقة بين الإداري والعسكري.

واندمجت الفصائل الكبيرة بمعظم كوادرها ضمن فرقة، في حين أن الفصائل الصغيرة انضمت كألوية ضمن هذه الفرق، وفق ما علمته عنب بلدي سابقًا من كوادر في وزارة الدفاع.

على جانب آخر، أعلنت وزارة الدفاع عن عدة قرارات تتعلق بإعادة المنشقين إلى صفوف الجيش، ومنحت العديد من كبار الضباط، مناصب قيادية ضمن المؤسسة العسكرية.

الباحث، السيد، يرى أن الخطوة الأساسية هي استكمال عملية دمج الفصائل المسلحة داخل المؤسسة العسكرية بشكل فعلي، وليس فقط شكليًا.

وبالرغم من أن معظم التشكيلات أصبحت اليوم ضمن إطار وزارة الدفاع، لا يزال هناك قدر من الفصائلية في العمل، إضافة إلى حضور واضح للعامل المناطقي داخل بعض التشكيلات، وفق السيد.

لذلك، يعتقد السيد أن من المهم العمل تدريجيًا على تفكيك هذه البنية الفصائلية وبناء هوية عسكرية موحدة تقوم على الانتماء للمؤسسة العسكرية وليس للفصيل أو المنطقة.

إلى جانب ذلك، تحتاج وزارة الدفاع إلى تطوير نظام تدريب موحد، ووضع معايير واضحة للترقيات والتعيينات، والاستفادة من الخبرات العسكرية الموجودة.

الهدف النهائي هو بناء مؤسسة عسكرية مهنية يكون فيها السلاح وقرار استخدامه محصورًا بالدولة، بما يعزز الاستقرار داخل الدولة، وفق ما يراه السيد.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة