أسعار الألبسة بدمشق ترتفع 30%.. إقبال اضطراري ومحدود

أحد محال الألبسة في مدينة دمشق ـ 17 آذار 2026 (عنب بلدي)

camera iconأحد محال الألبسة في مدينة دمشق ـ 17 آذار 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

مع اقتراب عيد الفطر، تتجه أنظار الأسر السورية إلى واحد من أبرز الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالمناسبة، وهو شراء ملابس العيد، غير أن هذا التقليد، الذي لطالما ارتبط بالفرح، بات في السنوات الأخيرة عبئًا إضافيًا على ميزانيات الأسر، في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار.

في أسواق دمشق، تبدو الحركة أقل من المعتاد، إذ يصف باعة وتجار حالة السوق بأنها “ضعيفة إلى متوسطة”، مقارنة بالأعوام السابقة، رغم العروض والتنزيلات التي تحاول تنشيط الطلب.

أسعار تسجلها أسواق دمشق

في جولة قامت بها عنب بلدي بدمشق، شملت أسواق “الصالحية” و”الحمراء” و”الشعلان” و”القصاع” و”الصناعة”، تراوح سعر الطقم الولادي الكامل (من عمر سنة حتى 12 سنة) بين 500 ألف ليرة سورية و1.2 مليون ليرة، أما سعر البنطال فتراوح بين 100 و250 ألفًا، والكنزة بين 100 و300 ألف، والجاكيت بين 300 و600 ألف.

أما الألبسة النسائية فتراوح سعر البنطال بين 150 و300 ألف ليرة سورية، والكنزة بين 150 و450 ألف ليرة سورية، أما سعر الطقم الكامل فتراوح بين 600 ألف و1.5 مليون ليرة سورية.

في حين سجلت الألبسة الشبابية لسعر البنطال 100 و250 ألف ليرة سورية، والكنزة 100 و350 ألف ليرة سورية، والجاكيت 225 و600 ألف ليرة سورية.

أسعار مرتفعة.. “لا رقيب”

هشام الجوادي، أب لأربعة أطفال، قال لعنب بلدي، إن راتبه الشهري لا يكفيه لشراء ألبسة لأطفاله، معتبرًا أن التجار والباعة يتحكمون بالأسعار، والحكومة في وضع “المتفرج الصامت”، بحسب تعبيره.

وأضاف أنه لجأ إلى الأسواق الشعبية و”بسطات” الألبسة، كون أسعارها أقل من أسعار المحال.

توافقه الرأي ياسمين الأسمر، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، وقالت لعنب بلدي، إنها زارت عدة أسواق ومحال لاقتناء قطع الثياب الأرخص، بعيدًا عن الجودة، بهدف تأمين ملابس أطفالها.

واستاءت من غلاء الألبسة بشكل وصفته بأنه “جنوني”، معتقدة أن باعة المحال باتوا يستغلون حاجة الأهالي، ويتحكمون بالأسعار “دون رقيب ولا حسيب”، بحسب تعبيرها.

باعة يوضحون الأسباب

قال عدد من أصحاب المحال في الأسواق، الذين التقتهم عنب بلدي، إن ارتفاع أسعار الألبسة يعود إلى جملة من العوامل، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، بالتوازي مع إغلاق بعض المعامل، إضافة لغلاء المواد الأولية، وارتفاع تكاليف الاستيراد من الخارج، سواء من حيث الشحن أو سعر الصرف.

وقال أحد الباعة في سوق الصالحية، إن أجور المحال التجارية ارتفعت بشكل كبير، إلى جانب فواتير الكهرباء وأجور العمال، ما ينعكس مباشرة على سعر القطعة، مضيفًا أن “التاجر بات مضطرًا لتسعير بضاعته وفق هذه التكاليف، رغم علمه بضعف قدرة الزبون.

ويجمع الباعة على أن الإقبال الحالي “انتقائي ومحدود”، حيث تتركز حركة الشراء على الضروريات، خاصة ملابس الأطفال، فيما يعزف كثير من البالغين عن شراء الجديد، أو يؤجلون ذلك.

الأسعار ارتفعت 30%

من جهته، كشف أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن أسعار الألبسة ارتفعت بنحو 25 إلى 30% مقارنة بالعام الماضي، لا سيما ملابس الأطفال، موضحًا أن “كسوة طفل واحد قد تكلف نحو مليون ليرة سورية، بينما قد تصل تكلفة كسوة الشاب إلى ما بين مليونين وثلاثة ملايين ليرة سورية.

وأضاف أن هذه الأرقام تجعل تأمين ملابس العيد لعائلة مكونة من طفلين أو أكثر أمرًا يفوق قدرة معظم الأسر، ما أدى إلى تراجع الإقبال بشكل كبير، واتجاه بعض المواطنين إلى شراء الملابس المستعملة، رغم ارتفاع أسعارها أيضًا.

كما أشار إلى تراجع جودة بعض المنتجات في الأسواق، سواء من حيث الأقمشة أو الأصبغة، ما يقلل من عمرها الافتراضي، ويزيد من عبء الإنفاق على الأسر.

أولويات المواطن تغيرت بشكل واضح، إذ بات التركيز على تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية، على حساب الألبسة، رغم أهميتها المعنوية في العيد، بحسب حبزة.

انعكاس لتضخم مزمن

بدوره، وصف الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي، الدكتور عبد الرحمن محمد، غلاء الألبسة هذا الموسم بأنه جزء من موجة تضخمية مزمنة تعيشها سوريا، وليس مجرد ارتفاع موسمي.

وأشار إلى أن زيادة الأسعار بنسبة تتراوح بين 25 و30% تحمل دلالتين أساسيتين:

الدلالة الأولى: نسبة “متحفظ بها” قياسًا بالتضخم العام، إذا قارنا هذه النسبة (25-30%) مع معدلات التضخم التراكمي السنوي في سوريا، والتي غالبًا ما تتجاوز 100% في فئات سلعية أساسية كالغذاء، نجد أن نسبة ارتفاع الألبسة قد تبدو أقل.

وهذا يشير إلى أن قطاع الألبسة يواجه ركودًا في الطلب يمنع التجار من رفع الأسعار أكثر، وإلا تحول موسم العيد إلى كساد كامل.

الدلالة الثانية: تأكيد على فقدان القوة الشرائية، ويعني هذا الارتفاع أن الأسرة التي كانت تشتري، على سبيل المثال أربع قطع من الملابس في عيد العام الماضي، لا تستطيع اليوم بنفس الميزانية شراء سوى ثلاث قطع، فالفرق (25-30%) هو نسبة التراجع في الكمية التي يمكن شراؤها، أي انخفاض مستوى المعيشة.

إقبال انتقائي

قال الخبير الاقتصادي، إن الإقبال موجود ولكن بشروط، ويمكن توصيف الوضع بأنه إقبال “اضطراري وانتقائي ومكبوت وخجول”، مفسرًا ذلك من خلال:

  •  الإقبال الاضطراري: هناك حد أدنى لا يمكن تجاوزه في المناسبات، خاصة للأطفال، فالأسر مضطرة لشراء ملابس العيد للأطفال للحفاظ على بهجة العيد في نفوسهم، حتى لو كان ذلك على حساب احتياجات أساسية أخرى أو عبر الاقتراض، فهي “ضرورة اجتماعية” تدفع الطلب في اللحظات الأخيرة.
  • الانتقائية الشديدة: المتسوق السوري اليوم أصبح أكثر وعيًا بالبحث عن الجودة والسعر، ويلحظ توجه الكثيرين نحو أسواق الجملة (كـ”سوق الحريقة” بدمشق) أو المحال التي تبيع بأسعار مخفضة، بدلًا من المحلات الفاخرة في المراكز التجارية، كما أن الاعتماد على الملابس “المستوردة” من تركيا أو الصين بأسعارها المختلفة أصبح مقياسًا للشراء.
  •  الركود مقارنة بالماضي: إذا تمت مقارنة الحركة الشرائية قبل العيد حاليًا، مع ما كانت عليه قبل عشر سنوات، سنرى تراجعًا حادًا في الكميات المشتراة، فالحركة تتركز في الأسبوع الأخير وتكون على فئات عمرية معينة (الأطفال بشكل أساسي)، بينما أصبح الكثير من الشباب والكبار يؤجلون شراء الملابس الجديدة لأنفسهم أو يستغنون عنها تمامًا.

تكاليف الشحن والرسوم تزيد الغلاء

لخص الخبير الاقتصادي أبرز أسباب الغلاء، وفق الآتي:

  1. ارتفاع سعر الصرف: هو السبب الأهم والأول، لأن غالبية الأقمشة والملابس الجاهزة مستوردة (إما بشكل مباشر أو عبر استيراد المواد الأولية)، أي ارتفاع في سعر الدولار مقابل الليرة، ينعكس تلقائيًا وبشكل مضاعف على رفوف المحال، خاصة مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
  2.  ارتفاع تكاليف الشحن والنقل: نتيجة الظروف الجيوسياسية في المنطقة وارتفاع أسعار المحروقات عالميًا، تضاعفت تكاليف نقل البضائع، وهذا يضاف إلى السعر النهائي.
  3. الضرائب والجمارك والرسوم: في ظل بحث الحكومة عن إيرادات، تبقى الرسوم الجمركية والضرائب على البضائع المستوردة مرتفعة، مما يثقل كاهل المستورد ويجعل السلعة تصل إلى المستهلك بسعر مرتفع.
  4.  ضعف المنافسة: تركز الاستيراد والتجارة في أيدي عدد محدود حتى الآن من التجار ورجال الأعمال، يحد من المنافسة الحقيقية التي قد تؤدي إلى انخفاض الأسعار.
  5. ضعف الرقابة: رغم جهود جمعية حماية المستهلك، فإن ظاهرة “البيع بالتسعيرة”، حيث تعرض قطعة بسعر، ولكن عند الدفع يطلب التاجر سعرًا أعلى، ما زالت موجودة في بعض الأسواق، مع غياب رقابة فعالة ورادعة.

مطالب بمراقبة الأسواق ودعم الإنتاج المحلي

اقترح الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي عبد الرحمن محمد، مجموعة حلول إسعافية لتحسين قطاع الألبسة وتخفيض أسعارها، وهي:

1. معالجة جذر سعر الصرف: أي حل جزئي لغلاء الألبسة يبدأ بمحاولة السيطرة على سوق القطع الأجنبي وضبط المضاربات غير المشروعة، لأن الاستقرار النقدي هو أساس استقرار الأسعار.

2. التركيز على دعم الإنتاج المحلي: عبر إعفاء مستلزمات الإنتاج (أقمشة، وخيوط، وأزرار…) من الضرائب والرسوم الجمركية، لتشجيع الصناعي السوري على إنتاج قطعة جيدة بسعر منافس للمستورد، مما يخلق بديلًا وطنيًا أرخص.

3. تشديد الرقابة على الأسواق: تفعيل دوريات حماية المستهلك بشكل موسع خلال المواسم، وفرض عقوبات مشددة على المخالفين، مع الإعلان عن نشرات أسعار استرشادية.

4. تخفيف الأعباء الضريبية على القطاع: إعادة النظر بالرسوم الجمركية على الملابس الجاهزة أو المواد الأولية بشكل يسمح بانخفاض السعر النهائي، خاصة للمواد الأساسية ذات الاستهلاك الواسع.

5. دعم المبادرات المجتمعية: تشجيع فكرة “سوق العيد الخيري” أو أسواق الملابس المستعملة ذات الجودة الجيدة (البالة)، وتنظيمها لتكون خيارًا متاحًا أمام محدودي الدخل.

الغلاء يلاحق السوريين.. خبيران يقيّمان الواقع الاقتصادي



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة