
استثمار إماراتي لمعمل أسمنت طرطوس لدعم تعافي قطاع الأسمنت والاقتصاد المحلي - 24 آذار 2026 (سانا)

استثمار إماراتي لمعمل أسمنت طرطوس لدعم تعافي قطاع الأسمنت والاقتصاد المحلي - 24 آذار 2026 (سانا)
طرطوس – شعبان شاميه
وقعت الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران) عقدًا استثماريًا مع شركة “QZ” الإماراتية، لمدة 15 عامًا، بهدف إعادة تأهيل وتشغيل مطاحن معمل أسمنت طرطوس، في خطوة تهدف إلى “تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة القطاع”.
المدير العام للشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران) في سوريا، محمود فضيلة، قال لعنب بلدي، إن توقيع هذا العقد يأتي نتيجة لاهتمام الشركة بالاستفادة القصوى من الأصول المعطلة والمتهالكة، مما يعني تعافيًا سريعًا للقطاع بإدخال تكنولوجيا حديثة في صناعة الأسمنت.
كما يسهم ذلك في تشغيل الأيدي العاملة الوطنية، بأجور تتناسب مع هذه الصناعات الاستراتيجية، وتدريب العاملين على أحدث التقنيات والسلامة المهنية، والاهتمام البيئي الذي كان معدومًا خلال حكم النظام السابق، بحسب فضيلة.
كشف المدير العام للشركة، أن هذا العقد يحقق 300 فرصة عمل مباشرة، وأكثر من 2000 فرصة غير مباشرة، مما يدعم سوق العمل ويسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
وبموجب العقد، سيتم إنتاج الأسمنت محليًا بأيدٍ وخبرات وطنية، بحسب فضيلة، من خلال استيراد “الكلنكر” وطحنه وفق المواصفات القياسية السورية، مما يعزز القدرة التنافسية للمنتج الوطني ويسهم في استقرار الأسعار وتوفير المادة في الأسواق، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأشار فضيلة إلى أن شركة “QZ” تمتلك خبرات في الاستثمارات الصناعية والإنشاءات في دولة الإمارات، وبشركات دولية مختصة بصناعة الأسمنت، مؤكدًا أنها ستعتمد على الخبرات الوطنية في تشغيل معمل أسمنت طرطوس بإدارة عالمية.
بحسب فضيلة، تشمل التقنيات والمزايا الجديدة التي يتيحها العقد:
وتكمن أهمية توقيع هذا العقد الاستثماري لإعادة تأهيل مطاحن معمل أسمنت طرطوس، وفق فضيلة، في عدة نقاط استراتيجية:
وتزايدت خلال السنوات الماضية شكاوى سكان القرى المحيطة بمعمل أسمنت طرطوس، إذ يخيّم الغبار الناتج عن المعمل على المنطقة، ملحقًا أضرارًا بشرية وبيئية، ورغم تفاقم الأزمة، لم تتحرك الحكومات المتعاقبة للنظام السابق لإيجاد حل جذري.
قال أهالٍ من سكان قريتي حصين البحر والسودا القريبتين من المعمل، في وقت سابق، إن كثيرًا منهم باتوا يعانون من الربو والحساسية، فضلًا عن ارتفاع عدد المصابين بأمراض السرطان.
وأشاروا إلى أن هذه المعاناة تعود إلى سنوات طويلة، ولن تُحل إلا باتخاذ إجراءات جذرية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة.
ويعتبر أهالي المنطقة أن معمل الأسمنت يشكّل “كارثة بيئية وإنسانية حقيقية”، مؤكدين أن الجهات المحلية والمركزية تعلم جيدًا أن نسبة التلوث تجاوزت الحدود المسموح بها إلى حد كبير.
الخبير في تقييم الأثر البيئي والأستاذ في المعهد العالي لبحوث البيئة بجامعة “اللاذقية” الدكتور حسين جنيدي، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن لمعمل الأسمنت في طرطوس تاريخًا “حافلًا” في تلويث البيئة المحيطة وتلويث بيئة العمل.
وبالتالي هناك كثير من الجوانب التي يجب العمل عليها للحيلولة دون تكريس حالة التلوث القائمة، أضاف جنيدي، وهي الحالة التي انعكست على جميع العناصر البيئية ضمن المعمل وفي المناطق المحيطة به، على حد قوله.
وأكد الخبير أهمية أن تقوم شركة “عمران” بإجراء مراجعة بيئية جادة للمعمل بجميع وحداته الإنتاجية، إضافة إلى تقييم الوضع البيئي الحالي قبل الشروع بالتأهيل والاستثمار، بهدف حصر المسؤوليات فيما بعد.
ويرى جنيدي أن إجراء مثل هذه الدراسة يقع في مصلحة أي جهة مستثمرة جديدة لتبيّن الوضع البيئي القائم قبل عمليات إعادة التأهيل، كما ستكون لمصلحة العمال والتجمعات السكانية المحيطة.
وتتضمن الدراسة، وفق جنيدي، تقييم الأضرار الناجمة عن التشغيل السابق والبحث في إمكانية إعادة تأهيل المناطق المتضررة، إضافة إلى دفع التعويضات بما يتناسب مع حجم الأضرار الحاصلة.
وأضاف الخبير أن الضرورات العقدية تقضي بتسليم موقع العمل بجميع معطياته وإشكالياته، وذلك للتقليل من أي إشكاليات أو دعاوى لاحقة.
وأشار جنيدي إلى أن العقد الموقع يشمل التزامًا صريحًا بالمعايير البيئية والسلامة العامة في أثناء عملية إعادة التأهيل والتشغيل، من خلال إدخال تقنيات حديثة في مرحلة الطحن، ما يعني ضمنيًا إمكانية تركيب “فلاتر” وأنظمة تحدّ من الغبار مقارنة بالتقنيات القديمة المعمول بها.
التحدي الأكبر أمام المستثمر الجديد، بحسب الخبير في تقييم الأثر البيئي، يكمن في معالجة الآثار المتراكمة الناتجة عن العمل السابق، باعتبار أن معمل أسمنت طرطوس من المعامل القديمة نسبيًا، وله تاريخ طويل في تلويث المنطقة.
وتشمل الآثار، انبعاثات الغبار الناجمة عن غياب أو سوء عمل “الفلاتر”، مما أدى إلى تراكم طبقات من الغبار ضمن ساحات المعمل وعلى المنازل والمزروعات في المناطق المحيطة، مبينًا أن عدم الالتزام بالمعايير كان السبب وراء التلوث الحاصل.
شدد الخبير على ضرورة التقيد بالاشتراطات التي تحقق الالتزام البيئي الحقيقي وليس مجرد الالتزام الورقي، معتبرًا أن هناك جانبين أساسيين يجب التركيز عليهما، يتمثلان بضبط الانبعاثات والغبار (المرتبط بصحة السكان)، وجانب ثانٍ بيئي مرتبط بحماية الغطاء النباتي والتربة وغير ذلك.
وقال الخبير، إن ضبط الانبعاثات والغبار (التحكم في المصدر) يمثل التحدي الأكبر في معمل أسمنت طرطوس، ولتحقيق الالتزام البيئي الحقيقي، يجب أن تشمل خطة التأهيل ما يلي:
وفيما يتعلق بحماية الغطاء النباتي والتربة (الآثار الخارجية)، وصف الخبير البيئي هذا الأمر بأنه “موضوع ذو شجون”، لارتباطه بتشغيل المعمل لعقود طويلة دون معايير بيئية، مما أدى إلى تأثيرات سلبية على المساحات الخضراء والتربة المحيطة، داعيًا لاتخاذ إجراءات تعويضية ووقائية حقيقية.
وأوضح جنيدي أن ما سبق من تأثيرات سلبية يظهر من خلال دراسة تقييم الأثر البيئي المحدثة الموصى بها والناجمة عن عملية إعادة التأهيل، إذ ستتطرق لقياس العديد من المؤشرات بما فيها قياس التلوث الحالي للتربة والمياه الجوفية والجوانب الحيوية للنباتات في المناطق المتأثرة.
كما سيكون من الممارسات الجيدة، وفق الخبير، البحث في معالجة التربة الملوثة نتيجة لتراكم الغبار الأسمنتي، الذي أدى إلى تغيير في “الأس الهيدروجيني” للتربة وكيميائيتها، كما أسهم في تصلبها، وبالتالي إخراجها من الاستثمار الزراعي.
ولفت الخبير إلى أهمية وجود برنامج تشجير تعويضي باستخدام أشجار ونباتات مقاومة للغبار والظروف القلوية، لإنشاء حزام أخضر عازل حول المصنع.
وأوصى جنيدي بأهمية أن تولي خطة الإدارة البيئية التي ستتمخض عن المراجعة البيئية اهتمامًا بموضوع إدارة الموارد المائية، من خلال التحقق من أن مياه غسل “الفلاتر” والتبريد لن يتم تصريفها بشكل عشوائي إلى الأراضي الزراعية أو الوديان المجاورة، بل إعادة تدويرها ضمن نظام مغلق أو معالجتها قبل التصريف.
من الحكمة والعدل، بحسب جنيدي، أن يتم العمل على تعويض المتضررين من تشغيل المعمل، بالاستناد إلى القوانين السورية والحالات المشابهة، مبينًا أنه يمكن الاستناد إلى قانون البيئة رقم “50” لعام 2024، والمادة “51” من المرسوم التشريعي رقم “14” لعام 2020، الذي ينص على مسؤولية الملوث عن دفع التعويضات وإعادة التأهيل البيئي.
كما أن القانون المدني السوري، في المادة “163” وما بعدها، يجيز المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والأدبي متى ثبت سبب الضرر والعلاقة السببية.
وتم استيراد مادة “الكلنكر” الأساسية لصناعة الأسمنت من مصر والسعودية، وفق ما أعلنه مدير مشروع الاستثمار في شركة “QZ”، أحمد سلمى، ويجري حاليًا تجهيز المطاحن وخطوط التعبئة تمهيدًا لبدء عمليات الإنتاج في طرطوس، مؤكدًا أن المشروع يولي اهتمامًا كبيرًا للجانب البيئي، بحسب قوله، إذ سيتم اعتماد حلول حديثة للحد من التأثيرات وتحسين الواقع البيئي في المنطقة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى