
منزل طيني منهار جراء الأمطار في قرية الحمدانية جنوب الحسكة – 30 آذار 2026 (مركز إعلام الحسكة)

منزل طيني منهار جراء الأمطار في قرية الحمدانية جنوب الحسكة – 30 آذار 2026 (مركز إعلام الحسكة)
شهدت محافظة الحسكة خلال الأسابيع الأخيرة موجة أمطار غزيرة، ترافقت مع سيول وفيضانات، خلّفت أضرارًا واسعة في الأحياء السكنية والقرى، ولا سيما تلك التي تنتشر فيها البيوت الطينية، التي تعد من أكثر أنماط السكن هشاشة أمام التغيرات المناخية.
وتوزعت الأضرار بين مدينة الحسكة وريفها، حيث سُجّلت حالات انهيار جزئي وكلي لمنازل، إلى جانب تضرر عشرات البيوت نتيجة تسرّب المياه، وسط مخاوف من تفاقم الأوضاع مع استمرار الهطولات.
في مدينة الحسكة، أفاد مراسل عنب بلدي بسقوط سقف مطبخ في أحد المنازل بحي المفتي، نتيجة الأمطار الغزيرة، دون تسجيل إصابات بشرية، فيما اقتصرت الخسائر على الأضرار المادية.
كما شهد حي النشوة الغربية انهيار منزل طيني بالقرب من مدرسة هارون الرشيد، وهو ما يعكس هشاشة هذا النوع من البناء أمام الأمطار المستمرة، خصوصًا مع غياب أعمال الصيانة الدورية.
وفي الريف، بدت الأضرار أكثر اتساعًا، إذ تضررت عدة قرى، من بينها رفرف غرب الحسكة، وصفيا شمالها، والحمدانية جنوبها، إلى جانب تل براك، حيث أدت السيول إلى تهدّم منازل طينية بشكل جزئي أو كامل.
كما طالت الأضرار قرية شيخ كني بريف عامودا، حيث تضرر عدد من المنازل، وسط تحذيرات من ازدياد الخسائر في حال استمرار الأمطار.
في ريف الشدادي، وخصوصًا قرية التوسعية، تضررت عشرات المنازل نتيجة السيول والأمطار الغزيرة، بحسب مراسل عنب بلدي، الذي أشار إلى أن المياه دخلت إلى البيوت، ما أدى إلى انهيار أجزاء منها وتلف الممتلكات.
وفي ناحية العريشة جنوب الحسكة، تسببت الفيضانات بتسرّب المياه إلى المنازل، ما ألحق أضرارًا مادية واسعة، في ظل ضعف الإمكانيات لدى الأهالي لإجراء أعمال الترميم.
قال محمد العلي، وهو أحد سكان ناحية العريشة، إن الأمطار الأخيرة كانت “الأقسى منذ سنوات”، مضيفًا لعنب بلدي،
“المياه دخلت إلى المنزل من كل الجهات، واضطررنا لإخلاء إحدى الغرف بعد أن بدأت الجدران تتشقق، ولم نتمكن من إنقاذ الأثاث”.
وأضاف أن منزله مبني من الطين، ولم يخضع لأي صيانة منذ العام الماضي بسبب الظروف المادية، مشيرًا إلى أن “أي مطر غزير اليوم أصبح يشكّل خطرًا حقيقيًا على حياتنا”.
من جهته، قال عبد الكريم الخلف، من قرية التوسعية بريف الشدادي، إن منزله تعرّض لانهيار جزئي بعد ساعات من هطول الأمطار، “سقط جزء من السقف في إحدى الغرف، وكانت العائلة بداخل المنزل، لكننا خرجنا في الوقت المناسب”.
وأضاف أن العديد من منازل القرية مبنية من الطين، وتعتمد على جهود الأهالي في ترميمها سنويًا، مضيفًا، “نحتاج إلى دعم حقيقي، لأن الأضرار تتكرر كل عام، ولا نملك القدرة على إعادة البناء بشكل كامل”.
يرى المهندس المدني أحمد الحسين أن البيوت الطينية، رغم كونها تقليدية ومنخفضة التكلفة، فإنها “شديدة التأثر بالعوامل الجوية، خصوصًا الأمطار الغزيرة والمستمرة”.
وأوضح لعنب بلدي أن الطين المستخدم في البناء يمتص المياه بسرعة، ما يؤدي إلى زيادة وزنه وفقدان تماسكه، وبالتالي حدوث تشققات وانهيارات، خاصة في الأسقف والجدران غير المدعّمة.
وأضاف أن غياب الأساسات القوية، أو استخدام مواد عازلة للمياه، يزيد من خطر الانهيار، مشيرًا إلى أن “السيول تُعدّ العامل الأخطر، لأنها تضعف قاعدة البناء وتؤدي إلى انهيارات مفاجئة”.
يعتمد سكان القرى في ريف الحسكة على ترميم بيوتهم الطينية بشكل دوري، غالبًا قبل فصل الشتاء، عبر إعادة طلاء الجدران (عملية تسمى السياع) بطبقة من الطين المخلوط بالقش، وإصلاح التشققات في الأسقف.
لكن هذه الإجراءات، بحسب المهندس الحسين، “تبقى حلولًا مؤقتة”، إذ لا تصمد أمام الأمطار الغزيرة أو الفيضانات، خاصة في ظل تغيّر أنماط الهطول وازدياد شدته خلال الفترة الأخيرة.
وأشار إلى أن تحسين متانة هذه البيوت يتطلب إدخال مواد حديثة، مثل الأسمنت في الأساسات، واستخدام طبقات عازلة للمياه، إضافة إلى رفع مستوى الأرضيات لتجنّب دخول السيول.
تأتي هذه الأضرار في سياق موجة أمطار شهدتها الحسكة خلال الأسبوعين الأخيرين، أدت إلى ارتفاع منسوب الأنهار، ولا سيما نهر الخابور، نتيجة تدفّق السيول من الوديان، خاصة تلك القادمة من منطقة جبل عبد العزيز.
وأدّى ذلك إلى زيادة تشكّل الفيضانات، وغمر أجزاء من الأحياء الواقعة على ضفاف النهر، ما هدد المزيد من المنازل، خصوصًا في المناطق المنخفضة.
ورغم أهمية هذه الأمطار في تحسين الموسم الزراعي وتغذية الموارد المائية، فإن آثارها السلبية كانت واضحة، من خلال انهيار المنازل، وتضرر البنية التحتية، وخسائر الأهالي، الذين يواجهون كل شتاء تحديًا متكررًا مع بيوتهم الطينية.
فرق الدفاع المدني السوري ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث قامت خلال الفترة القصيرة الماضية بتنفيذ عمليات استجابة ميدانية واسعة في محافظة الحسكة، لمواجهة تداعيات الفيضانات.
إلى ذلك، يرى المهندس الحسين أن الحل لا يقتصر على الترميم الفردي، بل يتطلب تدخلات أوسع، تشمل دعم الأهالي بمواد بناء أكثر متانة، وتحسين شبكات تصريف المياه، وتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.
كما تبرز الحاجة إلى خطط طويلة الأمد، تهدف إلى استبدال أو تدعيم البيوت الطينية، بما يضمن سلامة السكان، ويحدّ من الخسائر التي تتكرر مع كل موسم أمطار.
ومع استمرار المنخفضات الجوية، تبقى مخاوف سكان ريف الحسكة قائمة، في انتظار ما إذا كانت الأيام المقبلة ستحمل مزيدًا من الأمطار، أم فرصة لالتقاط الأنفاس وإصلاح ما يمكن إنقاذه.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى