استثمارات جزيرة أرواد.. خطة “طموحة” لكن “حماسية”

شواطئ جزيرة أرواد قبالة سواحل طرطوس - 27 تموز 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

camera iconشواطئ جزيرة أرواد قبالة سواحل طرطوس - 27 تموز 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

tag icon ع ع ع

طرطوس – شعبان شاميه

تشكل جزيرة أرواد في محافظة طرطوس وجهة استثمارية سياحية كبرى في سوريا، إذ بدأ الحديث مؤخرًا عن خطط ومشاريع عدة تهدف لتحويلها إلى منطقة سياحية “متكاملة” مع الحفاظ على هويتها التاريخية الفينيقية القديمة.

وتعتبر هذه الجزيرة وجهة سياحية فريدة للاستمتاع بجولة في أزقتها القديمة، وتجربة مميزة لتناول المأكولات البحرية وزيارة الأماكن الأثرية، إضافة للتعرف إلى التراث الفينيقي كصناعة السفن التي تشكل عاملًا مهمًا في الجذب السياحي، كما تنتشر صناعات يدوية أخرى كالتحف التي تعتمد على الصدف إلى حد كبير.

ومن المعالم الأثرية المهمة في جزيرة أرواد، القلعة الساحلية الموجودة بالبرج الأيوبي والحمّام العثماني، إضافة إلى السور الفينيقي والمراسي الحجرية.

خطة استثمارها سياحيًا التي توصف بـ”الحماسية” قد تصطدم بواقع خدمي وعمراني صعب تعانيه الجزيرة، لأنها تحتاج إلى ترميم شامل للمباني التاريخية وتطوير الخدمات الأساسية، مع امتلاكها ركائز ومقومات طبيعية وتاريخية وأثرية واجتماعية تؤهلها، في الوقت نفسه، لتكون مركزًا لاستثمار سياحي متكامل.

توصيات ومقترحات

المدرس في كلية السياحة بجامعة “طرطوس” والاختصاصي في التاريخ الاجتماعي والثقافي والعمراني الحديث الدكتور رفعت عثمان، تحدث، لعنب بلدي، عن ضرورة تكاتف الجهات العامة لوضع مخطط تنظيمي شامل لجزيرة أرواد وتأهيلها واستثمارها سياحيًا مع حماية طابعها التاريخي والأثري.

وأوصى الأكاديمي بإقامة ندوات وورشات عمل تأهيلية وتوعوية تستهدف أبناء المنطقة لإشراكهم في إجراءات تجميل وتحسين الجزيرة وحمايتها، إضافة إلى الترويج والتسويق السياحي باستخدام الوسائل الإعلامية والدعائية على مستوى الحكومة والمنظمات والمجتمع الأهلي.

ولفت عثمان إلى أهمية وضع خطط استثمارية واضحة من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية والقانونية لتشجيع المستثمرين على الاستثمار في مجال السياحة.

دعوات لتغيير واقع النظافة

كما شدد المدرس في كلية السياحة بجامعة “طرطوس” رفعت عثمان على ضرورة الاهتمام بواقع الجزيرة من حيث النظافة، لناحية عدم انبعاث الروائح الكريهة وترحيل النفايات إلى أماكن وصول القوارب الناقلة لها، بما لا يتزامن مع حركة نقل الركاب.

وطالب عثمان بالعمل على إنشاء مرفق لإدارة النفايات الصلبة باعتبار أن مكبات النفايات تشهد توسعًا أفقيًا غير منظم، إضافة إلى محطة للصرف الصحي حيث لم تُدرج أي محطة بخصوص ذلك أو محطة معالجة للمياه المالحة في مشاريع الجهات ذات العلاقة بشكل كامل.

وأشار الأكاديمي إلى أهمية العمل على تجميل الواجهات واستخدام نموذج من الألوان مقاوم للرطوبة لطلاء المباني، وإزالة التشوهات البصرية والمخالفات، كحال الجزر العالمية مثل جزيرة “سانتوري” اليونانية المشهورة بمساكنها البيضاء والقباب الزرقاء.

توسيع مساحة أرواد

اقترح عثمان توسيع مساحة جزيرة أرواد من خلال ردم البحر في الجهة الشمالية منها، حيث أعماق المياه قليلة، وتطوير مرفأ سياحي.

كما يمكن الاستفادة من مرافق الدولة كعقارات وملكيات وارتفاق، واستثمارها بهدف إنشاء منتجعات وقرى سياحية متكاملة، مع نشر الشرطة السياحية لضمان سلامة الآثار والسياح، والحفاظ على النظام البيئي البحري.

محل للحرف اليدوية في جزيرة أرواد قبالة سواحل طرطوس - 28 أيلول 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

محل للحرف اليدوية في جزيرة أرواد قبالة سواحل طرطوس – 28 أيلول 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

الجسر البحري بين الحاجة والرفض

لفت عثمان إلى اقتراح مستقبلي لمشروع جسر يربط جزيرة أرواد بالساحل، مبينًا أن هناك اختلافًا في الآراء حول ضرورة وجود هذا الجسر.

ويرى معارضو فكرة مشروع الجسر، بحسب عثمان، أنه يلغي خصوصية الجزيرة ويتسبب في قطع أرزاق أصحاب القوارب، بينما يجد المؤيدون فيه فرصة لتقديم خدمات ضرورية للعاملين والطلاب والأطباء والإسعاف في حالات العواصف والأمطار، تحديدًا لناحية وصول سيارات النظافة والإطفاء، وتشجيع أفراد جدد لزيارة أرواد من غير القادرين على ركوب البحر.

وفي جزيرة أرواد، حيث يفصل البحر السكان عن أقرب مركز حضري، تتحول الخدمات الأساسية إلى تحدٍّ يومي يواجهه الأهالي، إذ إن واقع الخدمات من الصحة إلى الكهرباء والتعليم يتأثر بطبيعة موقعها الجغرافي وما يفرضه من صعوبات في الوصول والتنقل وتأمين الكوادر والخدمات.

ويضطر السكان في كثير من الأحيان إلى التوجه نحو مدينة طرطوس لتلبية احتياجاتهم الصحية أو الخدمية، وتتحول هذه الرحلة البحرية في بعض الظروف الجوية إلى تحدٍّ إضافي، مما يفاقم من معاناة الأهالي.

الضوابط الهندسية وتقليل السكان

دعا عثمان إلى تفعيل الأمن والسلامة العامة الاستباقية، بالمراقبة من قبل ضابطة البناء.

وذكر أن وجود الدراسات الهندسية الإنشائية للمباني السكنية لمعالجة الخلل الإنشائي في نظام البيت العربي المكوّن من حجر وخشب ورمل مع إدخال “بيتون” مسلح، يؤدي إلى زيادة الحمولات وانحراف السلوك الإنشائي عند تعرضها للهزات الأرضية الارتدادية.

كما اقترح الأكاديمي معالجة أثر الزيادة السكانية وارتفاع متطلباتها الاجتماعية والخدمية، وذلك بالتعاون مع الأهالي، منعًا لتشييد الأبنية العشوائية، من خلال نقل جزء من السكان وإيجاد سكن بديل لهم على السواحل.

وأكد عثمان أهمية الحفاظ على المواقع الأثرية من خلال البدء بترميم القلعة وتدعيم السور الفينيقي، وتنفيذ منطقة حرفية مكملة لصناعة القوارب، وتحسين وتطوير السوق التجاري.

التوجه نحو الطاقة النظيفة

شدد عثمان على ضرورة استخدام الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية في المنشآت والأبنية، والتوجه نحو المحركات الكهربائية بدلًا من الديزل في قوارب نقل الركاب.

كما حث الأكاديمي على تأهيل وتوظيف المسارات السياحية كمركز للاستعلامات والدلالات السياحية.

وتصل الكهرباء والاتصالات إلى جزيرة أرواد عبر كوابل بحرية، وترتبط بمدينة طرطوس عبر خط ملاحي منتظم يتضمن قوارب خاصة لنقل الركاب، في حين لا توجد سيارات أو حافلات داخل الجزيرة مما يمنحها هدوءًا خاصًا.

وظهرت فيها مؤخرًا العديد من المباني العشوائية حول حرم القلعة والبرج الأيوبي والسور القديم، بحسب عثمان، مع تشييد طوابق “بيتونية” عشوائية إلى المباني القديمة، واستمرار أعمال البناء والهدم بصورة قانونية أو غير قانونية.

كما تشهد تجاوزات على الأزقة في الطوابق الأرضية عبر إحداث شرفات و”ترّاسات” غير منسجمة مع النسيج العمراني والأهمية التاريخية والسياحية للجزيرة.

وانتشرت إشغالات تحجب الواجهات الخارجية للجزيرة، إضافة إلى خطوط الكهرباء والهاتف المتشابكة، مما أدى إلى تشوّه بصري كبير.

ومن المشكلات التي تعاني منها الجزيرة أيضًا، وجود مكب النفايات و”مجمع” للصرف الصحي على بقايا أثرية، مع تصريف المجاري الخام إلى البحر مباشرة.

خطة “طموحة وواقعية”

استشاري التطوير في وزارة السياحة السورية، ساطع ياسين، قال لعنب بلدي، إن وزارة السياحة تعمل على تنفيذ خطة وصفها بـ”الطموحة والواقعية” لإعادة تأهيل وتطوير جزيرة أرواد، مع الحفاظ على هويتها الفريدة.

وأعدّت “السياحة”، بحسب الاستشاري، دراسة تنظيمية متكاملة تهدف إلى استثمار جميع عناصر الجذب في الجزيرة، تشمل تطوير المسارات السياحية بالكامل، وإعادة تأهيل البرج الأيوبي ليصبح مطعمًا ونقاط بيع لـ”التذكارات”، على أن يُحافظ على طابعه الأثري.

فندق يحاكي نماذج الجزر المتوسطية

كما يتضمن المشروع، وفقًا لياسين، إنشاء فندق سياحي بتصميم مستوحى من طابع جزر البحر الأبيض المتوسط، إذ تبرز الواجهات البيضاء والنوافذ الزرقاء والأقواس المستوحاة من النمط المعماري للجزر.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، بحسب الاستشاري، بل يشمل أيضًا إنشاء محال تجارية للحرف اليدوية ومطاعم ومرافق خدمية، بالإضافة إلى عناصر تزيينية تليق بالمكان، مثل الإنارة والمظلّات والنباتات والجلسات الخارجية على المسار السياحي بجوار البرج الأيوبي.

استثمارات محلية وأجنبية

كشف ياسين أن وزارة السياحة دخلت مرحلة متقدمة من التنسيق والمشاورات المكثفة مع عدد من المستثمرين المحليين والأجانب، إلى جانب عقد عدة اجتماعات مع مديرية السياحة في محافظة طرطوس.

وتهدف هذه الخطوة، بحسب الاستشاري، إلى دراسة رؤى المستثمرين ومطابقتها مع المعايير التي وضعتها الوزارة لتطوير جزيرة أرواد، بما يتوافق مع قيمتها السياحية العالية.

وتشدد “السياحة” على أن اختيار المستثمر المناسب يتطلّب “تأنيًا كبيرًا”، لضمان تكامل رؤيته مع خطتها التنموية والتراثية، وفق ما ذكره الاستشاري في وزارة السياحة لعنب بلدي.

تحديات

“مما لا شك فيه أن أي مشروع بهذا الحجم، خاصة في موقع بحساسية جزيرة أرواد، يواجه تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والتنظيم العمراني”، قال ياسين، إضافة إلى ضرورة تحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية التاريخية والاجتماعية للجزيرة، معتبرًا أن الأهم هو كيفية التعامل مع هذه التحديات، وليس مجرد توصيفها.

وأضاف أن وزارة السياحة تعمل وفق مقاربة متكاملة، تنطلق من التخطيط المنظم قبل التنفيذ، إذ جرى إعداد دراسة تنظيمية شاملة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الجزيرة، سواء من حيث الكثافة العمرانية أو البنية التحتية أو الطابع الثقافي والاجتماعي.

وأكد الاستشاري التركيز على تطوير البنية التحتية بشكل تدريجي ومتوازن، بالتوازي مع إطلاق المشاريع السياحية، قائلًا إن هذه الآلية تضمن عدم الضغط على الموارد القائمة، وتحافظ على استدامة التطوير.

وذكر ياسين أن “السياحة” تضع الحفاظ على هوية أرواد في صلب أي تدخل تطويري، بحيث لا تتحول الجزيرة إلى نموذج سياحي تقليدي، بل تبقى وجهة تعكس خصوصيتها التاريخية والثقافية، مع إدماج الحرف والمجتمع المحلي ضمن الدورة الاقتصادية للمشروع.

وختم الاستشاري حديثه لعنب بلدي بالقول، إن “السياحة” لا تنظر إلى هذه التحديات كعوائق، بل كعناصر يجب إدارتها ضمن رؤية واضحة، تضمن تطوير الجزيرة بشكل مدروس ومستدام، يعزز جاذبيتها السياحية ويحافظ على روحها في آن واحد.

وعانت جزيرة أرواد من إهمال كبير على مدى العقود الماضية، إذ فشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيق أي تنمية حقيقية فيها، كما أخفقت في إعداد مخططات تنظيمية تراعي مصالح المالكين من جهة، وتليق بواجهة بحرية مهمة على البحر المتوسط من جهة أخرى.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة