
اعتصام لعمال الحاويات أمام مرفأ اللاذقية احتجاجًا على خفض الأجور - 9 نيسان 2026 (عنب بلدي)

اعتصام لعمال الحاويات أمام مرفأ اللاذقية احتجاجًا على خفض الأجور - 9 نيسان 2026 (عنب بلدي)
اللاذقية – آلاء شعبو
لم يتخيل كريم أن مسيرته المهنية التي امتدت 15 عامًا ستنتهي بطلب استقالة يراه “إجباريًا” تحت التهديد بالحرمان من التعويض.
قال كريم، وهو مشرف في قسم الأمن والسلامة بمرفأ اللاذقية، لعنب بلدي، “أُجبرنا على الاستقالة، ومُنعنا من الخروج من باب المرفأ قبل التوقيع، مع تهديد صريح بحرماننا من تعويضاتنا إن لم نفعل”.
وأضاف أن فقدان العمل انعكس بشكل مباشر على حياته، إذ يبلغ من العمر 40 عامًا، ما صعّب عليه إيجاد فرصة عمل جديدة، واضطره للانتقال إلى دمشق بحثًا عن خيارات بديلة بعد انسداد الأفق في مدينته اللاذقية.
ومثل كريم، هناك المئات من العمال المفصولين، خصوصًا المتعاقدين مع الشركة الفرنسية المستثمرة في المرفأ، بموجب عقود سنوية، عقب سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، وانتقال تبعية مرفأ اللاذقية من وزارة النقل إلى الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية.
وفي 1 من أيار 2025، وقعت هيئة المنافذ اتفاقية مع شركة “CMA CGM” الفرنسية، لاستثمار وتأهيل مرفأ اللاذقية، لمدة 30 سنة، ستستثمر خلالها الشركة 230 مليون يورو.
بحسب شهادات العمال، فإن الدفعة الأولى من المفصولين شملت 100 موظف، تلتها دفعات أخرى ليصل إجمالي المفصولين من الشركة الفرنسية وحدها إلى حوالي 400 موظف، من بينهم خبرات قضت أكثر من عقد ونصف في الخدمة.
فراس عامل آخر صُدم بقرار الفصل، تحدث لعنب بلدي كيف استمر هو وزملاؤه بالعمل لفترات وصلت إلى 16 ساعة يوميًا، خلال الاضطرابات التي رافقت سقوط النظام لحماية المحطة من السرقات.
انتهى أمر فراس بقرار فصل دون توضيح الأسباب، مشيرًا إلى أن معاناته تضاعفت بعد فقدان عمله، في ظل صعوبة إيجاد فرصة عمل بديلة، خصوصًا مع وضعه الصحي، فهو يعاني من مرض السكري، إذ يعتمد اليوم على مساعدات عائلية لتغطية احتياجاته الأساسية هو وأسرته.
لم تتوقف معاناة عمال الشركة الفرنسية المستثمرة عند فقدان العمل، بل امتدت إلى آلية صرف التعويضات، إذ جرى حساب راتب شهر واحد عن كل سنة خدمة، على أن تُحوَّل المستحقات إلى حسابات بنكية، مع اعتماد سقف سحب أسبوعي لا يتجاوز 100 إلى 200 ألف ليرة.
وبحسب عمال متضررين، فإن هذه الآلية لم تُمكّنهم من الحصول على كامل قيمة التعويض دفعة واحدة، والتي تُقدّر في بعض الحالات بنحو 20 مليون ليرة، هو ما حرمهم من استخدام هذه المبالغ كرأس مال للانطلاق في أعمال بديلة أو تأمين مصدر دخل جديد بعد الفصل.
الباحث السياسي الدكتور علي عيسى، المتابع لقضية عمال المرفأ، أوضح لعنب بلدي أن وضع هؤلاء العمال يختلف إداريًا وقانونيًا عن عمال القطاع العام، إذ يحق للشركة الجديدة المستثمرة جلب عمال جدد وفسخ العقود السابقة، وهو ما استندت إليه الإدارة في تبرير إجراءاتها حيال عمال الشركة الفرنسية.
في الجانب الآخر، واجه موظفو القطاع العام في المرفأ ضغوطًا من نوع آخر، حيث قال الدكتور علي عيسى لعنب بلدي، إنه بعد منح هؤلاء الموظفين إجازات مأجورة، صدر تعميم من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بإعادتهم للعمل في شهر أيلول عام 2025، لكن إدارة المرفأ أصدرت تعميمًا يقضي بتوقيعهم على تعهد خطي بـ”عدم الاعتراض على أي قرار يصدر مستقبلًا”، بما في ذلك النقل خارج المحافظة.
تلقى عمال من المرفأ رسائل نصية عبر تطبيق “واتساب” من قبل إدارة المرفأ، تبلغهم بقرار نقلهم من محافظتهم إلى المعابر الحدودية في محافظات أخرى، وهو ما اعتُبر وسيلة دفع للاستقالة الطوعية نظرًا إلى صعوبة الالتزام بالدوام في مناطق بعيدة.
شهدت الأزمة انفراجًا جزئيًا، بحسب الدكتور عيسى، بصدور أول قائمة لتوزيع 160 عاملًا من موظفي المرفأ (قطاع عام) على بقية مؤسسات الدولة داخل المحافظة لضمان عدم الاستغناء عنهم، وبحسب قوله، فإن هؤلاء العمال هم الذين لاحقوا قضيتهم قانونيًا عبر إجراءات قضائية أدت إلى تسوية أوضاعهم.
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، وفي قراءة قانونية أولية للحالات المذكورة، قال إن “الشبكة” لم توثق حادثة العمال، ولكن بناء على الشهادات التي حصلت عليها، فإن ما حصل لا يندرج قانونًا ضمن خانة “الاستقالة الطوعية”، فتخيير العامل بين تقديم استقالته أو الحرمان من التعويض، يشكّل آلية لتحويل الفصل التعسفي إلى “استقالة مقنّعة”.
وأكد عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، أن “الإكراه” في إطار العلاقة العمالية يتحقق حين تصدر وسيلة الضغط عن جهة العمل نفسها، وحين تكون هي السبب الدافع إلى تقديم الاستقالة، ويترسخ هذا التكييف باجتماع عنصرين، أولهما اشتراط التوقيع على الاستقالة قبل صرف أي تعويض (ضغط مالي)، وثانيهما توقيع الاستقالات في مقر العمل، وتحت إشراف الإدارة، وفي جلسات جماعية (ضغط معنوي).
تظهر الوثائق والقوانين النافذة وجود تعارض واضح بين إجراءات الإدارة وبين حقوق العمال التي كفلها التشريع السوري:
في مقابل شهادات العمال والتحليلات القانونية، تواصلت عنب بلدي مع المكتب الإعلامي للهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، للوقوف على أسباب هذه الإجراءات، ونفى بدوره ممارسة أي ضغوط على العاملين لتقديم استقالاتهم.
وأكد المكتب الإعلامي للهيئة في رده أن “جميع الإجراءات التي تم اتخاذها قانونية”، مشددًا على أن الهيئة “لم تجبر أي شخص على تقديم الاستقالة”، دون الخوض في تفاصيل إضافية حول أسباب إنهاء خدمات مئات العمال.
ملاحظة: قامت عنب بلدي بتغيير أسماء الشهود من الموظفين لضرورات الحفاظ على سلامتهم.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى