“وهل يكب الناس على أنوفهم؟”.. حتى في أوروبا
علي عيد
كثيرون يتذكرون قصة منال ابتسام (Mennel Ibtissem)، الفتاة الفرنسية من أصول سورية، التي وقفت على مسرح “The Voice” بنسخته الفرنسية “la plus belle voix” عام 2018.
غنت منال “Hallelujah”، وأبهرت اللجنة بعذوبة صوتها، لكنها دفعت الثمن الذي لم تتوقعه، أو اعتقدت أن الوقت قد فات عليه.
منال، لم تكن تعي ما كتبته على حساباتها في “فيسبوك” و”تويتر” (“X” حاليًا)، وفُسّر على أنه تشكيك في هجمات باريس ونيس، جاء من ينبش في سجلّها على وسائل التواصل الاجتماعي.
اضطرت الفتاة للانسحاب من البرنامج، على الرغم من أن كتاباتها لا تتضمن دعوة صريحة للعنف، أو تحريضًا مباشرًا على الكراهية، ثم إدانتها للإرهاب بشكل كامل، وتوضيحها أنها لم تكن تقصد الإساءة، وأن منشوراتها أُسيء فهمها.
كان يمكن أن تتصاعد القصة أكثر، وأن تدخل أروقة المحاكم، لكن مسار المحاسبة من قبل الجمهور كان له ذات الأثر، حتى ولو كانت بريئة.
تشير معطيات إلى خضوع قناة “TF1” التي تعرض البرنامج لضغط المعايير الأخلاقية والمجتمع، وأنها هي التي طلبت من منال الانسحاب.
تلك القصة تفتح الذهن على الانخراط المفرط للسوريين خارج وداخل البلاد على وسائل التواصل، وعدم الالتفات إلى أن كثيرًا مما يكتبونه في تدويناتهم يشكل وثيقة يمكن أن تؤثر على حياتهم، اجتماعيًا ومهنيًا إن لم يكن قانونيًا.
حادثة منال ليست مجرد مشاركة في برنامج، لفتاة بصوت مختلف، وحضور لافت، ورمز سريع الصعود لفرنسا متعددة الثقافات، بل مثال على أن كل ذلك وأكثر يمكن أن ينهار بسرعة، على مبدأ “وهل يكب الناس على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم”.
في أوروبا، لا يُنظَّم الخطاب فقط بالقانون، بل أيضًا بمنظومة ضغط اجتماعي وإعلامي قادرة على الإقصاء دون حكم قضائي، وهذا مرشح أن يمتد إلى سوريا وبلدان عربية أخرى بعد حين، عندما يعي الشارع والإعلام معنى عدم ترك الساحة للمغردين على هواهم.
هناك نحو مليوني سوري في أوروبا، بحسب أرقام متقاطعة غير نهائية، وهم يتفاعلون في الشأن العام السوري على مواقع التواصل أكثر من تفاعلهم في الشأن الأوروبي، ما يعني أنهم جزء فاعل ومؤثر ضمن الأحداث في بلدهم الأم، سلبًا أو إيجابًا.
دار نقاش مع زملاء المهنة حول خطاب السوريين من خارج الحدود، وما ذكره وزير الإعلام د. حمزة المصطفى في حفل إشهار مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا، منتصف شباط 2026، بأن جزءًا كبيرًا من “خطاب الكراهية” في سوريا قادم من سوريين يعيشون في “سياقات ديمقراطية”.
قد يبدو ما قاله الوزير المصطفى محاولة لتقييد حرية الرأي، أو أنه لا يراعي فوارق تقدير مساحة الحرية بين الدول الأوروبية وسوريا أو دول مشابهة، لكن في جوهره يتضمن إشارة صحيحة إلى وجود “خطاب كراهية” من خارج الحدود، بعضه قائم على عدم التمييز بين مساحة حرية التعبير وأثر استخدام كثير من المصطلحات في ظروف النزاع.
حتى لو كانت أوروبا لا تدين الوصم أو التهكم قانونيًا، إلا أن الأثر لمنشورات يكتبها مقيمون على أراضيها قد يكون له فهم مختلف ضمن مجتمعاتهم الأصلية، ما يعني أهمية قياس “خطة عمل الرباط” وعناصرها الستة (السياق، موقع المتحدث، القصد، المحتوى، مدى الانتشار، احتمال وقوع الضرر).
من جهة أخرى، هناك مساحة كبيرة لنقد الشخصيات العامة والرموز في دول أوروبية، منها فرنسا على وجه الخصوص، إذ يتذكر الجميع رسوم “شارلي إيبدو” التي تضمنت إساءات دينية، وانتهت الأمور إلى مأساة الهجوم على مقر الصحيفة الساخرة، وهذه قصة توضح مستوى التعقيد في تفسير “خطاب الكراهية” بين دولة وأخرى.
الأثر الأخلاقي وضغط الرأي العام يشكلان الحافز الأكبر لدى كثير من وسائل الإعلام، لأنها تعمل على الحفاظ على السمعة والجمهور في آن واحد.
القوانين في دول غربية، كما في فرنسا، لا تنظر إلى المناصرة أو التعبير عن الرأي بوصفهما نشاطًا يجب أن يخضع للتقييد، وليس كل خطاب صادم يُجرّم، ولا كل خطاب غير قانوني يُلاحق فعليًا، لكن منظمات المجتمع المدني ترصد كل تجاوز.
حرية التعبير مطلب طبيعي ومضمون في الدساتير والشرائع والمواثيق الدولية، وسوريا ضمن هذه المنظومة، وتستحق مساحة الحرية المناسبة، وإن حصل التباس أو تجاوز لا يعالجه القانون فهناك ما يجري حسمه خارج المحكمة، مثل حالة منال.
مع ما سبق، بعض السوريين في أوروبا يمجدون الأسد وحقبته، أو يؤيدون تنظيم “الدولة”، ولا يتذكرون ملاحقة أشخاص قانونيًا بسبب منشورات على وسائل التواصل تمجد أو تؤيد “داعش” أو “النازية” أو جرائم يوغسلافيا.
“تمجيد الأسدية” يمكن أن يصبح جريمة، حتى خارج سوريا، إن صدرت أحكام قضائية إضافية تصنّف بشار الأسد ومجموعته كـ”مجرمي حرب”، وقد يجري النبش في كل ما كُتب سابقًا.
“رب كلمة قالت لصاحبها دعني”.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




