صكوك الغفران.. الإصدار السوري!
غزوان قرنفل
منذ سقوط نظام الأسد، كثر الحديث في الخطاب الرسمي والعام معًا عن العدالة الانتقالية بوصفها أحد عناوين المرحلة الجديدة، غير أن ما يجري على الأرض لا يوحي بأن هناك مسارًا جديًا لتحقيق العدالة بقدر ما يشير إلى سياسة مقلقة تقوم على تمييع هذا الاستحقاق وتحويله إلى مجرد شعار فارغ، وبدلًا من أن تكون العدالة الانتقالية مدخلًا لمحاسبة مرتكبي الجرائم والانتصاف للضحايا، يجري التعامل معها وكأنها عبء يجب التخلص منه بأقل قدر ممكن من الإزعاج، حتى لو كان الثمن هو منح كثير من رموز الإجرام وداعميه ما يشبه صكوك الغفران.
العدالة الانتقالية في جوهرها ليست ترفًا سياسيًا ولا بندًا يمكن تجاوزه في جدول أعمال السلطة الجديدة، بل هي شرط أساسي لبناء دولة القانون واستعادة الثقة بين المجتمع والدولة، فالمجتمعات التي خرجت من حروب أو من أنظمة استبدادية لم تستطع الانتقال إلى الاستقرار إلا عندما واجهت ماضيها بصدق، وكشفت الحقيقة، وحاسبت المسؤولين عن الجرائم وأنصفت الضحايا، أما القفز فوق هذا الاستحقاق أو الالتفاف عليه ببعض الإجراءات الترقيعية فإنه لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظلم بصيغ جديدة.
في الحالة السورية، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا وخطورة، فالجرائم التي ارتكبت خلال سنوات الصراع ليست جرائم عادية يمكن طي صفحتها بسهولة، فنحن نتحدث عن مئات آلاف القتلى وعن مئات آلاف المعتقلين والمغيبين قسرًا، وعن مدن دُمرت، وعن انتهاكات موثقة على نطاق واسع، ورغم ذلك كله، يظهر في الخطاب والممارسة ميل واضح نحو إغلاق ملف المساءلة أو تفريغه من مضمونه، عبر إدخال الضحايا وذويهم في متاهات إجرائية وقانونية طويلة، من بينها الزعم أن تحريك الدعوى القضائية يتطلب ادعاءات شخصية من الضحايا أو ذويهم، وكأن الجرائم التي ارتكبت هي مجرد نزاعات فردية بين أشخاص، وليست جرائم جسيمة ارتكبت بحق المجتمع كله. في حين أن القوانين تقضي بأن النيابة العامة هي الجهة المنوط بها تحريك الادعاء العام في الجرائم الكبرى، وخاصة تلك التي تمس الأمن المجتمعي العام أو تنطوي على جرائم ضد الإنسانية، أي أن تحريك الدعوى لا ينبغي أن يكون مشروطًا بقدرة الضحايا على التقدم بشكاوى فردية أو تقديم الأدلة، والأكثر غرابة أن هذا الطرح يأتي في وقت تتوفر فيه كميات هائلة من الأدلة والوثائق حيث جمعت خلال السنوات الماضية ملايين الوثائق التي تدين أجهزة النظام ورموزه، سواء تلك التي عثر عليها في المقار الأمنية أو سرّبت منها، أو تلك التي وثقتها منظمات حقوقية سورية ودولية وتم إيداع نسخ عنها لدى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة بموجب مذكرات تعاون بينها وبين المنظمات الحقوقية السورية.
الملف السوري من حيث حجم التوثيق وحرفيته، يعد واحدًا من أكثر الملفات توثيقًا في تاريخ النزاعات المعاصرة، وإذا كانت العدالة لا تتحرك رغم كل هذا الكم من الأدلة، فإن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات بل في غياب إرادة المساءلة.
إن أخطر ما في سياسة تمييع العدالة الانتقالية هو الرسالة التي تبعثها إلى المجتمع أو لذوي الضحايا أو الناجين، أن من ارتكبوا الجرائم أو دعموا مرتكبيها يحصلون على مواقع جديدة أو يعاد دمجهم في الحياة العامة دون مساءلة، فإن ذلك يعني عمليًا منحهم نوعًا من العفو الضمني، أو ما يشبه صكوك الغفران السياسية، وهذه الرسالة لا تمثل فقط خذلانًا للضحايا، بل تمثل أيضًا تشجيعًا ضمنيًا على الإفلات من العقاب.
لا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبلًا مستقرًا على أساس إنكار الماضي أو تجاهل العدالة، فالجرح الذي لا يعالَج يبقى مفتوحًا، والظلم الذي لا يحاسَب مرتكبوه يتحول مع الزمن إلى مصدر دائم للتوتر والانقسام، لهذا فإن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي عملية شاملة تهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم، أما تحويلها إلى مسار بيروقراطي معقد، أو استخدامها كغطاء لسياسات التسوية مع الجناة، فإنه يعني ببساطة إفراغها من مضمونها، حينها تصبح العدالة مجرد شعار وتتحول المساءلة إلى استثناء نادر، إذ إن المجتمع يجد نفسه أمام واقع خطير، نظام جديد يعيد إنتاج واحدة من أسوأ سمات النظام القديم، وهي الإفلات من العقاب.
إن السوريين الذين دفعوا أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية لا يطالبون بالمستحيل، فالعدالة هي الضمانة للسلم الأهلي ولاستقرار المجتمع ولضمان عدم التكرار، والمصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على النسيان القسري، أو على عقد تسويات مقابل المال ومنح صكوك الغفران للجناة، بل على الاعتراف بالجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، والاعتراف بفشل المؤسسات ومعرفة كيفية إصلاحها، من دون ذلك، ستبقى العدالة الانتقالية في سوريا مجرد عنوان جميل بلا مضمون، وسيبقى الخوف قائمًا من أن يتحول الحلم بدولة القانون إلى فصل جديد من فصول الخيبة السورية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





