أمير حقوق | ركان الخضر | وسيم العدوي
منذ أحداث تموز 2025، لم تعد السويداء مجرد ساحة توتر أمني عابر، بل تحولت إلى نموذج معقد يعكس تحولات أعمق في بنية الدولة السورية وعلاقتها بالأطراف، فالأحداث التي بدأت باشتباكات محلية سرعان ما كشفت عن أزمة أوسع تتجاوز بعدها الميداني، لتطرح أسئلة جوهرية حول الشرعية والتمثيل وحدود السلطة ودور الفاعلين المحليين والإقليميين.
في هذا السياق، لم تعد الأزمة محصورة في بعدها السياسي، بل امتدت لتلامس مستويات قانونية ومعيشية، حيث تداخلت النقاشات حول شكل الإدارة ومستقبل العلاقة مع الدولة، مع تدهور واضح في الواقع الخدمي والاقتصادي للسكان.
عنب بلدي تحاول في هذا الملف تفكيك المشهد في السويداء عبر ثلاثة مسارات متوازية.
المسار الأول سياسي، يسلط الضوء على تحولات السلطة والتمثيل وصراع الشرعيات، والثاني قانوني، يناقش إشكالية تقرير المصير في مواجهة مبدأ وحدة الدولة، أما الثالث فيتناول التداعيات الخدمية والمعيشية التي تمس حياة السكان اليومية بشكل مباشر.
خارطة سياسية معقدة.. صراع الشرعيات وسط مسارات متعثرة
شهدت مدينة السويداء خلال العام الماضي تحولات متسارعة نقلتها من حالة الاستقرار النسبي إلى فضاء مفتوح على أزمات مركبة سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا، فالأحداث التي تفجرت في تموز 2025، شكلت نقطة مفصلية أعادت رسم ملامح العلاقة بين المجتمع المحلي والدولة، وكشفت عن تصدعات عميقة في بنية السلطة والتمثيل داخل المدينة.
تقاطعت مع هذه التحولات عوامل داخلية تتعلق ببنية المجتمع المحلي ومرجعياته الدينية والاجتماعية، وعوامل خارجية مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية، ما جعل السويداء ساحة لتجاذبات متعددة تتجاوز حدودها الجغرافية.
أحداث السويداء
بدأت أحداث السويداء، في 12 من تموز 2025، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية، وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، تطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات متبادلة.
تدخلت الحكومة السورية، في 14 من تموز، لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.
في 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، ما أعقبه انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، الأمر الذي أدى إلى إرسال أرتال عسكرية على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم.
نقطة انهيار بمستوى الثقة
التحولات التي أعقبت أحداث تموز، بوصفها لحظة فاصلة غيّرت طبيعة التوازنات داخل المدينة، لم تعد تداعياتها محصورة في بعدها الأمني، بل امتدت لتشمل طبيعة العلاقة بين المجتمع المحلي والدولة، وحدود الشرعية السياسية، ومفاهيم الانتماء والتمثيل.
الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، يرى أن ما قبل أحداث تموز كان يمكن توصيفه بحالة “احتقان مضبوط”، حيث ساد رفض للسياسات المركزية مقابل تمسك واضح بالبقاء ضمن إطار الدولة، مع وجود مساحة نظرية لتسوية سياسية تقوم على توسيع اللامركزية وتقديم ضمانات أمنية وإدارية.
لكن أحداث تموز شكّلت نقطة انهيار في مستوى الثقة، إذ انتقلت نظرة المجتمع المحلي بالسويداء للدولة من كونها جهة ضامنة إلى جهة يُنظر إليها باعتبارها عاجزة أو متواطئة، ما أدى إلى إعادة صياغة موقع الدولة في الوعي المحلي، ودفع بعض الفئات نحو التفكير بصيغ إدارة أكثر استقلالية أو بدائل تتجاوز النموذج القائم، بحسب ما قاله العبد الله لعنب بلدي.
أحداث تموز شكّلت نقطة انهيار في مستوى الثقة، إذ انتقلت نظرة المجتمع المحلي للدولة من جهة ضامنة إلى متواطئة.
سمير العبد الله
باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”
في المقابل، قال المتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث” في السويداء، كنان مسعود، إن مرحلة ما قبل الأحداث كانت تشهد تمسكًا واضحًا بمفهوم الدولة السورية الواحدة، ورفضًا لأي مشاريع انفصالية، مع حضور قوي لشعارات تؤكد وحدة البلاد ورفض إسرائيل.
أما بعد أحداث تموز، فأكد مسعود لعنب بلدي، أن المشهد شهد تحولًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا، تمثل في إعادة تقييم مفاهيم الوطن والعدو والصديق، إلى جانب تصاعد خطاب تحريضي ذي طابع طائفي، ما أسهم في تعميق الصدمة داخل المجتمع وتوسيع الفجوة مع مكونات سورية أخرى، وخلق حالة من القلق وعدم اليقين حول المستقبل.
تحركات داخلية لامتصاص غضب الشارع
شهدت مدينة السويداء محاولات لإعادة تشكيل البنية الإدارية، كما خرج أهالٍ من المدينة في وقفة احتجاجية بساحة “الكرامة”، في 5 من نيسان الحالي، طالب خلالها المشاركون بتنحي “اللجنة القانونية العليا”، قبل حلها، وذلك على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وبعدها، أعلن الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، حل “اللجنة القانونية العليا” وتشكيل “مجلس الإدارة في جبل باشان”.
وهنا، يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن السويداء تعيش حاليًا حالة لامركزية بحكم الأمر الواقع، لكنها تفتقر إلى الاستقرار والمؤسساتية، فالدولة لا تزال حاضرة بشكل جزئي، بينما برزت قيادات محلية، وفي مقدمتها حكمت الهجري، كمرجعيات لإدارة المشهد، دون أن تمتلك أدوات حكم متكاملة، وهذا ما أوجد حالة من التداخل بين الفاعلين المحليين، من فصائل ومبادرات مدنية، ضمن بيئة تفتقر إلى بنية حوكمة واضحة.
وضمن هذا السياق، يمكن فهم قرار الهجري بحل “اللجنة القضائية” وتشكيل “مجلس لإدارة الأزمة”، كخطوة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي وإعادة تنظيم الداخل، أكثر من اعتبارها تحولًا جذريًا في بنية السلطة المحلية، فالقرار جاء تحت ضغط الشارع، لكنه يعكس أيضًا محاولة للحفاظ على التوازنات القائمة وتثبيت موقع القيادة في مرحلة شديدة الحساسية.
المتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث” في السويداء، كنان مسعود، اعتبر أن تغييرات الهجري الأخيرة لا تعدو كونها تغييرًا شكليًا، هدفها تحميل جهات محددة مسؤولية ما حدث من تجاوزات، بما فيها الاعتداءات على مؤسسات رسمية كمديرية التربية، وما نتج عنها من تهديد لمستقبل الطلاب، خاصة طلاب الشهادة الثانوية لعام 2025.
وأكد أن هذه الخطوات لم تترافق مع منح صلاحيات حقيقية، بل أعادت إنتاج الأسماء ذاتها.
الصمت الحكومي.. تجنب للتصعيد؟
يثير غياب المواقف الرسمية الواضحة من الحكومة السورية تجاه ما يجري في السويداء تساؤلات حول طبيعة هذا الصمت ودلالاته السياسية.
يعتبر الباحث سمير العبد الله أن الصمت يعكس مزيجًا من الحذر والرغبة في تجنب التصعيد، إلى جانب حسابات إقليمية، لكنه في الوقت نفسه يفاقم أزمة الثقة ويترك فراغًا سياسيًا.
أما المتحدث باسم “التيار الثالث”، كنان مسعود، فيرى أن الصمت مرتبط باعتبارات سياسية، من بينها تجنب تصعيد التدخلات الخارجية، وتهيئة الظروف لتفاهمات قد تفضي إلى حل يرضي مختلف الأطراف.
“التيار الثالث”.. موضع نقاش
برز ما يُعرف بـ”التيار الثالث”، كمحاولة لتقديم مقاربة وسطية، إلا أن حضوره وتأثيره في المشهد لا يزالان موضع نقاش.
“التيار الثالث” هو مبادرة أعلنت خارطة طريق تهدف إلى حماية المجتمع ومنع الانزلاق إلى الفوضى، من خلال إنشاء “هيئة الإنقاذ المدني في السويداء”، وهي هيئة مدنية.
المتحدث باسم “التيار”، كنان مسعود، أكد أن “التيار الثالث” قدم مشروعًا عمليًا لتحويل حالة الاستعصاء إلى مطالب واضحة ومحددة زمنيًا، تشمل قضايا التعليم والطلاب، لا سيما أولئك الذين لم يتمكنوا من تقديم امتحاناتهم في الجامعات السورية.
وأشار إلى أن “التيار” يحظى بقاعدة شعبية واسعة، لكنه يفتقر إلى القوة المسلحة، في ظل احتكار القرار من قبل جهات مسلحة، الأمر الذي يحد من قدرته على التحرك، خاصة مع وجود مؤشرات على تضييق أمني بحق ناشطيه.
الباحث سمير العبد الله، قال إن ما يُعرف بـ”التيار الثالث”، حاول طرح مقاربة وسطية تجمع بين البقاء ضمن الدولة ورفض الخضوع الكامل، لكنه بقي محدود التأثير بسبب ضعف تنظيمه وغياب أدواته التنفيذية، وفي بيئة يغلب عليها الاستقطاب، تبدو هذه الطروحات أقرب إلى مشاريع فكرية منها إلى بدائل سياسية قابلة للتطبيق.
خارطة طريق لم تبصر النور
أعلنت وزارة الخارجية والمغتربين في سوريا، في 16 من أيلول 2025، عن التوصل إلى خارطة طريق سورية- أردنية- أمريكية لحل الأزمة في محافظة السويداء.
نصت خارطة الطريق على جملة من الإجراءات العاجلة، من أبرزها:
- دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة للتحقيق في الأحداث التي شهدتها السويداء.
- محاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وفق القانون السوري.
- استمرار إدخال المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحافظة.
- نشر قوات شرطية مؤهلة على طريق السويداء- دمشق لتأمين حركة المواطنين والتجارة.
ورغم هذه المبادرة لحل الأزمة، فإنها لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن، ما يطرح تساؤلات حول أسباب تعثرها.
الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، يعتقد أن خارطة الطريق التي طُرحت بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لم تنجح بدورها في إحداث اختراق، لأنها ركّزت على الجوانب الأمنية والخدمية، وتجاهلت جوهر الأزمة المتمثل في فقدان الثقة، كما أن غياب شريك محلي موحّد أضعف فرص تطبيقها على أرض الواقع.
أما المتحدث باسم “التيار الثالث”، فأكد أن خارطة الطريق التي أُعلنت بمشاركة سوريا والأردن والولايات المتحدة لا تزال تشكل أساسًا لأي حل، رغم تباطؤ تنفيذها نتيجة الظروف السياسية.
حضور خارجي لمصالح محددة
في موازاة التعقيدات الداخلية التي تشهدها السويداء، يتزايد حضور العامل الخارجي بوصفه عنصرًا مؤثرًا في مسار الأحداث وتوازنات المشهد في الجنوب السوري.
وهنا، يفسر الباحث الدكتور سمير العبد االله، تزايد تأثير العامل الخارجي في الجنوب السوري، حيث تتقاطع مصالح الأردن والولايات المتحدة في استقرار الحدود، بينما تبرز إسرائيل كلاعب مباشر تحت عنوان “حماية الدروز”، ضمن حسابات تتجاوز البعد الإنساني إلى اعتبارات أمنية واستراتيجية.
ويرى أنه في ظل هذا المشهد، تبدو السويداء أمام خيارين، إما الاستمرار في حالة التعليق السياسي الحالية، بكل ما تحمله من استنزاف داخلي، وإما الانتقال إلى مسار تسوية واقعية، غير أن أي تسوية لن تكون ممكنة دون معالجة الجذور العميقة للأزمة، وفي مقدمتها استعادة الثقة، وتقديم ضمانات حقيقية، وبناء نموذج إدارة محلية يضمن مشاركة فعلية للسكان.
الحل، برأي العبد الله، لا يكمن في فرض الوقائع من أي طرف، بل في التوصل إلى تسوية تدريجية واقعية، تقوم على التفاوض بين مختلف الأطراف، بهدف الوصول إلى صيغة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، وتمنع الانزلاق نحو الفوضى، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية.
أما المتحدث باسم “التيار الثالث”، فيعتبر أن أحداث الجنوب وفرت ذريعة لتدخلات خارجية، خصوصًا من جانب إسرائيل، التي تسعى، بحسب قوله، إلى استغلال الوضع لتحقيق أهداف تتعلق بإنشاء كيانات منفصلة أو مناطق نفوذ داخل سوريا.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يلتقي نظيره الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك – 16 أيلول 2025 (الخارجية السورية)
التحديات القانونية..
حق تقرير المصير مقابل سلامة أراضي سوريا
في ظل التعقيد السياسي وصراع الشرعيات، بدأت بعض الطروحات داخل السويداء تتجه نحو إثارة أسئلة أكثر جذرية، لا تتعلق فقط بشكل الإدارة، بل بطبيعة العلاقة مع الدولة نفسها، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش قانوني حول مفاهيم مثل الحكم الذاتي وتقرير المصير.
في سياق الحديث عن مطالب بعض أهالي السويداء بالاستقلال أو الحكم الذاتي، أوضح الحقوقي السوري فضل عبد الغني، أن “تقرير المصير” يعد من أكثر مبادئ القانون الدولي تعقيدًا وإثارة للجدل، نظرًا إلى تقاطعه مع مبدأي سيادة الدولة وسلامة أراضيها، وهما ركيزتان أساسيتان في النظام الدولي.
وأشار عبد الغني إلى أن هذا التعارض يضع المجتمع الدولي أمام معادلة صعبة بين الاعتراف بحق الشعوب في اختيار مصيرها السياسي، والحفاظ في الوقت نفسه على استقرار الحدود ومنع تفكك الدول.
وقال الحقوقي، إن فكرة تقرير المصير انتقلت تاريخيًا من طرح سياسي قدمه وودرو ويلسون، إلى مبدأ قانوني في ميثاق الأمم المتحدة، لكنها بقيت محكومة بتوازن دقيق بين تطلعات الشعوب للاستقلال ومتطلبات الاستقرار الدولي، ما جعلها تخضع لمعادلة تتداخل فيها السياسة مع القانون، ويُعترف بها نظريًا كحق أساسي، لكنها عمليًا مقيدة بأولوية سلامة الإقليم عند التعارض مع مطالب الانفصال.
كما أشار إلى أن المادة 1 (2) من ميثاق الأمم المتحدة، التي نصت على حق الشعوب في تقرير مصيرها، جاءت بصياغة غير حاسمة، عكست توازنات القوى بين الدول الاستعمارية والدول الناشئة آنذاك.
ومع العهدين الدوليين لعام 1966، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أصبح تقرير المصير حقًا عالميًا أكثر وضوحًا، يمنح الشعوب حق تحديد وضعها السياسي وتنميتها، إلا أن تطبيقه العملي بقي خاضعًا لاعتبارات سياسية وقانونية معقدة.
المادة 1 (2) من ميثاق الأمم المتحدة:
المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير المصير. تنص المادة 1 (2) على أن من بين الأهداف الأساسية للأمم المتحدة، وبالتالي لمجلس الأمن العمل على تنمية علاقات دولية ودية تقوم على احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
أفكار بين الحكم الذاتي والانفصال
أشار الحقوقي عبد الغني إلى أن حق تقرير المصير له أشكال متعددة، لكن ضمن قيود صارمة.
وتُطرح في بعض الأوساط داخل السويداء أفكار تتراوح بين “الحكم الذاتي” و”الانفصال الكامل”، وهو ما يقود أيضًا إلى التفريق بين نوعين من تقرير المصير: الداخلي والخارجي.
وطوّر القانون الدولي عدة أشكال لتقرير المصير، أبرزها:
- تقرير المصير الخارجي: المؤدي إلى الاستقلال، وهو الأكثر حساسية والأشد تقييدًا.
- تقرير المصير الداخلي: الذي يتحقق عبر الحكم الذاتي والديمقراطية داخل الدولة، وهو الشكل الأكثر قبولًا دوليًا.
وأكد الحقوقي السوري أنه في حالة محافظة السويداء، تضع جميع أشكال تقرير المصير سقوفًا صارمة تفرضها سيادة الدولة وسلامة أراضيها.
وتفرض المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة حظر استخدام القوة ضد وحدة الدول، ما يشكل عائقًا قانونيًا أمام الحركات الانفصالية.
وقد عزز إعلان العلاقات الودية لعام 1970 هذا الاتجاه، إذ يؤكد عبد الغني أن تقرير المصير لا يجوز أن يُستخدم لتفكيك الدول إلا في حالات استثنائية، مثل الاستعمار أو الاحتلال أو الأنظمة العنصرية.
قرارات محكومة بالسياسة لا بالقانون
تُظهر التجارب الدولية أن مطالب تقرير المصير لا تُعامل جميعها بالطريقة نفسها، وهو ما ينطبق على حالة السويداء، فالمجتمع الدولي لا يعتمد فقط على القانون، بل يتأثر أيضًا بدرجة كبيرة بالسياسة والمصالح.
قال الحقوقي عبد الغني، “لا توجد معايير واضحة أو موحدة لتقييم مطالب تقرير المصير، ما يجعل تطبيقه انتقائيًا وخاضعًا لحسابات سياسية، فبينما يحظى تقرير المصير الداخلي بقبول واسع، يواجه تقرير المصير الخارجي قيودًا صارمة”.
وفي حالات الاستعمار، كان الحق في الاستقلال شبه مطلق، كما في إعلان 1960، لكن خارج هذا السياق يصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
ما إعلان عام 1960؟
هو قرار تاريخي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويُعرف أيضًا بالقرار رقم “1514”، ويعد من أهم الوثائق التي أرست مبدأ إنهاء الاستعمار في القانون الدولي.
نص الإعلان على أن لكل الشعوب الحق في تقرير مصيرها، وأن الاستعمار يشكّل إنكارًا لهذا الحق وانتهاكًا لحقوق الإنسان الأساسية، كما دعا لنقل السلطة إلى الشعوب المستعمَرة دون شروط أو تأخير، بما يضمن لها الحرية والاستقلال الكامل.
احترام دولي للدساتير التي تحظر الانفصال
قال الحقوقي عبد الغني، إن الدستور السوري، مثل كثير من الدساتير، لا يجيز الانفصال، وهو ما يعزز الموقف الدولي الرافض لانفصال السويداء عن سوريا، وتزداد هذه الصعوبة مع غياب تعريف واضح لمفهوم “الشعب”، ما يفتح الباب للتشكيك في أي مطالبة بالاستقلال.
كما تلعب المخاوف الاقتصادية والأمنية دورًا في رفض مطالب بعض أهالي السويداء، خشية انتقال العدوى الانفصالية إلى مناطق أخرى.
وأضاف عبد الغني أن الرفض الدولي لمطالب تقرير المصير غالبًا ما يكون نتيجة تداخل القانون مع السياسة، فمبدأ سلامة الإقليم يخلق افتراضًا قويًا ضد الاعتراف بالانفصال، ويُحصر هذا الحق في حالات نادرة.
وتؤثر الحسابات الجيوسياسية بدرجة كبيرة في قرارات الاعتراف، إذ تحدد مصالح الدول الكبرى مآلات القضايا أكثر مما تفعل القواعد القانونية، كما أن كثيرًا من الدساتير الوطنة تحظر الانفصال، وهو ما يحظى باحترام القانون الدولي، وفقًا للحقوقي عبد الغني.
أصدرت المحكمة العليا في كندا عام 1998، في قضية انفصال إقليم كيبيك، رأيًا استشاريًا تناول سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كان يحق للإقليم الانفصال من جانب واحد عن كندا بموجب القانون الدولي أو الدستور الكندي.
وخلصت المحكمة إلى أن الانفصال الأحادي لا يستند إلى حق قانوني مباشر، لكنه قد يفرض التزامًا على الحكومة الفيدرالية بالدخول في مفاوضات في حال وجود دعم شعبي واضح ومشروعية ديمقراطية واضحة، كما أكدت أن أي تغيير في الوضع الدستوري يجب أن يتم ضمن إطار تفاوضي يحترم سيادة القانون والدستور
المبعوث براك يسعى لحل الأزمة في السويداء
المحامي الأمريكي- السوري سمير صابونجي، المقرب من أوساط في “الكونجرس” الأمريكي، قال لعنب بلدي، إن هناك أعضاء في “الكونجرس” يرون أن الدبلوماسية كفيلة بحل الأزمة في السويداء، كاشفًا عن وجود معلومات متداولة في أروقة “الكونجرس” بأن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا يسعى لحل المشكلة في السويداء، وهناك إيمان بأنه سيتم التوصل إلى حل قريبًا.
العديد من أعضاء “الكونجرس” الأمريكي يعلمون مدى صعوبة موضوع السويداء، وما يفاقم المشكلة هو أن إسرائيل تلعب دورًا غير بنّاء في هذه المحافظة وفي سوريا عمومًا.
سمير صابونجي
محامٍ أمريكي- سوري
الأساس القانوني لحق تقرير المصير
يرى المحامي سمير صابونجي أن القانون الدولي لا يمنح حق تقرير المصير للمناطق داخل الدول المستقلة، بل يرتبط أساسًا بسياقات التحرر من الاستعمار والاحتلال، كما حدث في حالات تاريخية، مثل استقلال الجزائر وعدد من الدول الإفريقية.
وقال إن القانون الدولي يميل إلى ترجيح مبدأ وحدة أراضي الدول ذات السيادة، ما يعني عدم وجود أساس قانوني لانفصال مناطق داخلها، إلا في حالات استثنائية ترتبط بوجود انتهاكات جسيمة ومستمرة.
وفي الحالة السورية، أشار صابونجي إلى أن ما جرى في تموز 2025، لم يُصنَّف كحالة انتهاكات مستمرة، خاصة مع تشكيل لجان تحقيق محلية ودولية، وهو ما يجعل المطالب بالانفصال، وفق هذا التفسير، غير مدعومة بسند قانوني دولي.
حذر دولي من دعم الحركات الانفصالية
أشار المحامي سمير صابونجي، إلى أن الدول تميل عادة إلى الحذر في دعم الحركات الانفصالية، خشية أن يشكل ذلك سابقة يمكن أن تنعكس على استقرارها الداخلي.
وقال إن بعض الحالات، مثل كوسوفو، ارتبطت بظروف استثنائية تتعلق باستقلال صربيا، ووجود أصوات بأغلبية عظمى في كوسوفو تنادي بالاستقلال، وسياق من المجازر الواسعة.
وأكد صابونجي أن مبدأ “وحدة الأراضي” (Territorial Integrity) يعد إحدى الركائز الأساسية في القانون الدولي، ويقضي باحترام الحدود المعترف بها للدول ومنع تعديلها بالقوة أو عبر قرارات أحادية، وهو مبدأ مكرّس في ميثاق الأمم المتحدة لضمان استقرار النظام الدولي.
وفي الحالة السورية، يرى أن هذا المبدأ يُرجح لمصلحة وحدة الدولة بوصفها دولة ذات سيادة وعضوًا في المجتمع الدولي، ما يجعل أي توجه انفصالي ضعيف الأساس القانوني دوليًا، ما لم يرتبط بانتهاكات جسيمة ومستمرة.
الاعتراف الدولي كعامل حاسم
الاعتراف الدولي يشكل عنصرًا حاسمًا في أي مشروع انفصالي، لكنه غالبًا ما يكون محدودًا في حالات المناطق داخل الدول المستقلة، إذ نادرًا ما تحظى هذه الحالات بدعم دولي واسع، وفق المحامي صابونجي.
وفيما يتعلق بالسويداء، أشار إلى أنه حتى في حال إعلان أي كيان مستقل، فإن غياب الاعتراف الدولي يجعل هذا المسار غير قابل للتثبيت عمليًا، في ظل اعتماد النظام الدولي على مواقف الدول الأخرى.
وختم بأن الاتجاه العام في المجتمع الدولي يميل إلى دعم الاستقرار الداخلي للدول، والبحث عن حلول سياسية تضمن المساواة والحقوق داخل الدولة الواحدة، بدل دعم مشاريع الانفصال التي لا تحظى بغطاء دولي واسع.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، يلتقي نظيره الأردني أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك ـ 16 أيلول 2025 (الخارجية السورية/ إكس)
أزمة معيشية واضطراب في الخدمات والتعليم
تشهد محافظة السويداء تراجعًا متسارعًا في الأوضاع المعيشية والخدمية، انعكس بشكل مباشر على حياة السكان اليومية، في ظل ارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، وتأخر صرف الرواتب، إضافة إلى تداعيات الاضطراب الأمني والسياسي الذي شهدته المحافظة خلال الفترة الأخيرة.
وبين وفرة نسبية في الأسواق من جهة، وعجز متزايد لدى المواطنين عن تأمين احتياجاتهم من جهة أخرى، تتعمق الأزمة المعيشية لتصبح أحد أبرز ارتدادات المشهد العام في المنطقة.
ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية
رغم توفر المواد الغذائية الأساسية في أسواق السويداء، يؤكد عدد من الأهالي لعنب بلدي أن المشكلة الأساسية تكمن في الارتفاع الكبير بالأسعار مقارنة بمستويات الدخل، مشيرين إلى أن السلع باتت موجودة بشكل عام، إلا أن القدرة على شرائها أصبحت محدودة جدًا لدى شريحة واسعة من السكان، في ظل ضعف الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة.
وقال أحد الأهالي، إن “السلع موجودة، لكن المواطن يعجز أحيانًا عن شرائها بسبب الغلاء وضعف الراتب”، فيما قال آخر، إن أسعار الخضار واللحوم ارتفعت بشكل كبير، ما جعل تأمين الاحتياجات اليومية عبئًا متزايدًا.
ولا تقتصر الأزمة على المواد الغذائية، إذ يشير سكان إلى نقص في معدّات كهربائية ومواد بناء، ما أدى إلى تعطل بعض المهن الحرة وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي.
وتشمل المواد غير المتوفرة بطاريات الإنارة وألواح الطاقة وبعض المستلزمات المنزلية، وسط شكاوى من صعوبات في إدخال البضائع عبر الطرق والحواجز.
كما تحدث بعض الأهالي عن عراقيل مرتبطة بمرور السلع، في حين يبرر تجار الارتفاع الكبير في الأسعار بارتفاع سعر صرف الدولار وصعوبة النقل وارتفاع تكاليف الاستيراد، بينما يرى آخرون أن القيود المفروضة على الحركة التجارية تسهم في تعميق الأزمة داخل المحافظة.
رواتب متأخرة وضغوط معيشية متزايدة
إلى جانب الغلاء، يواجه الموظفون في السويداء أزمة متفاقمة تتعلق بتأخر صرف الرواتب، ما زاد من الضغط المعيشي على آلاف الأسر.
وقال أحد العاملين في قطاع الخدمات، وهو موظف في مجلس المدينة، إنه لم يتقاضَ راتبه منذ نحو ثلاثة أشهر، ما اضطره للاعتماد على الاستدانة ومساعدة الأقارب لتأمين احتياجاته الأساسية.
وفي حالة أخرى، قالت موظفة متقاعدة، إنها لم تتسلم راتبها منذ شهر تموز 2025، موضحة أن آلية الصرف تغيرت وأصبحت تتم من دمشق بدلًا من داخل المحافظة، ما اضطرها للبحث عن حلول بديلة مثل التوكيل أو التحويلات المالية، في ظل عدم قدرتها على السفر لأسباب صحية وأمنية.
وللتعامل مع هذه الظروف، يلجأ بعض الأهالي إلى توكيل أقارب في دمشق لتسلّم الرواتب، أو استخدام خدمات تحويل الأموال، بينما يواجه آخرون صعوبات تتعلق بطول الإجراءات أو الازدحام في مراكز الصرف.
ورغم ذلك، يشير بعض السكان إلى أنهم تمكنوا من تسلّم رواتبهم من مراكز داخل المحافظة، مع وجود تنظيم نسبي في بعض المواقع، مقابل معاناة مرتبطة بطول الانتظار.

متظاهرون في ساحة الكرامة بمدينة السويداء خلال وقفة تدعم الهجري وتطالب بتقرير المصير – 11 نيسان 2026 (عنب بلدي)
رواتب لا تغطي الحد الأدنى
حتى في الحالات التي يتم فيها صرف الرواتب، يرى موظفون أنها لم تعد كافية لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات. وقالت إحدى الممرضات في مستشفى “السويداء الوطني”، إن الراتب ينتهي خلال الأيام الأولى من تسلّمه، بسبب ارتفاع الأسعار وتراكم الديون، مشيرة إلى أن أي زيادة في الرواتب يقابلها ارتفاع موازٍ في الأسعار، ما يفقدها قيمتها الفعلية.
وأضافت أن هناك اضطرابًا في مواعيد الصرف، خاصة في القطاع الصحي، حيث تُصرف الرواتب أحيانًا بشكل غير منتظم أو بعد عدة أشهر، ما يزيد من صعوبة إدارة النفقات اليومية.
ونفذ عدد من المدرسين من فئة الوكلاء إضرابًا احتجاجيًا على تأخر مستحقاتهم المالية، مطالبين بآلية واضحة ومنتظمة لصرف الرواتب، تضمن الاستقرار المعيشي للكوادر التعليمية.
تباين في تفسير الأزمة المعيشية
تتباين آراء الأهالي حول أسباب الأزمة المعيشية في السويداء، فبينما يرى بعضهم أن الظروف الأمنية والسياسية تلعب الدور الأساسي، يعتقد آخرون أن المشكلة ترتبط بآليات إدخال البضائع وصرف الرواتب، إضافة إلى القيود على الحركة التجارية. في حين يعزو طرف ثالث الأزمة إلى التدهور الاقتصادي العام وارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة السورية.
ورغم اختلاف التفسيرات، يتفق معظم السكان على مجموعة من المطالب الأساسية، أبرزها انتظام صرف الرواتب في مواعيدها، وتسهيل الوصول إليها، وضمان توفر السلع الأساسية دون عوائق وبأسعار مناسبة للقدرة الشرائية.
أزمة تعليمية متواصلة
لم يقتصر تأثير الأزمة على الوضع المعيشي، بل امتد إلى قطاع التعليم الذي شهد اضطرابًا واسعًا عقب أحداث تموز 2025، حيث توقفت العملية التعليمية في عدد من المدارس بعد تحويلها إلى مراكز استضافة.
وكان طلاب المرحلة الثانوية من أكثر المتضررين، إذ تأخرت امتحاناتهم مقارنة ببقية المحافظات، قبل أن تُجرى امتحانات تعويضية لاحقًا بشكل منفصل. إلا أن إعلان النتائج لم ينهِ حالة القلق، إذ لا يزال العديد من الطلاب يترقبون الاعتراف الرسمي بالشهادات.
ويعبر طلاب عن مخاوفهم من مستقبلهم الدراسي في ظل غياب وضوح القرارات. قالت إحدى الطالبات، إن التوترات في مديرية التربية “زادت من حالة الارتباك”، فيما يتساءل طلاب آخرون عن مصير دفعاتهم، ويخشون خسارة سنوات دراسية في حال عدم الاعتراف الرسمي بالشهادات.
الحكومة تنفي وجود عوائق
من جهته، عزا مدير العلاقات العامة في محافظة السويداء، قتيبة عزام، ارتفاع أسعار المواد الأساسية إلى ما وصفه بـ”استغلال حالة الفوضى وغياب القانون” في بعض المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.
وأكد عزام أن الحكومة السورية لا تمنع دخول المواد الغذائية أو الأساسية إلى المحافظة، مشيرًا إلى أن إدخال السلع يتم بشكل طبيعي مع تسهيلات رسمية، نافيًا وجود أي حظر على المواد الكهربائية أو غيرها.
كما أوضح أن عمليات التفتيش على الحواجز تهدف إلى منع تهريب السلاح والمخدرات، إضافة إلى التدقيق في أوراق المركبات، في ظل ما وصفه بانتشار سرقات في بعض المناطق.
وفيما يتعلق بالرواتب، أشار عزام إلى أن بعض التعقيدات تعود إلى فقدان جزء من الكتلة المالية الخاصة بالموظفين نتيجة سيطرة جهات مسلحة على مؤسسات مالية، ما أثر على آلية الصرف داخل المحافظة.
وأضاف أن الرواتب تُصرف من مراكز محددة ضمن مواعيد منتظمة، مع استمرار إدخال المواد الغذائية والطحين والمحروقات إلى السويداء، مؤكدًا أن “الدولة تقوم بواجبها تجاه المواطنين”.
الحكومة السورية لا تمنع دخول المواد الغذائية أو الأساسية إلى المحافظة، الدولة تقوم بواجبها تجاه المواطنين.
قتيبة عزام
مدير العلاقات العامة في محافظة السويداء
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :

