الأمطار تنعش اقتصاد النحل في الحسكة.. الموسم يختبر التعافي

camera iconأحد مربي النحل في ريف الحسكة الشمالي - 26 نيسان 2026 (هاوار)

tag icon ع ع ع

تشهد قرى ريف الحسكة الشمالي خلال الموسم الحالي بوادر تعافٍ تدريجي في قطاع تربية النحل، بعد سنوات من التراجع الحاد نتيجة موجات الجفاف المتتالية، التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالمراعي الطبيعية ومصادر تغذية النحل، وأجبرت كثيرًا من المربين على ترك مهنتهم أو تقليص نشاطهم إلى الحد الأدنى.

ومع تحسن معدلات الهطول المطري هذا العام، بدأت المراعي تستعيد جزءًا من حيويتها، وظهرت النباتات البرية المزهرة بكثافة نسبية مقارنة بالأعوام السابقة، ما انعكس بشكل مباشر على نشاط النحل وإنتاجه، وأعاد الأمل إلى المربين بإمكانية استئناف العمل تدريجيًا.

خسائر تعيق التعافي

عانى مربو النحل في مناطق مثل ريف عامودا وتل حميس وتل تمر من تدهور حاد خلال السنوات الماضية، نتيجة تراجع الغطاء النباتي وانخفاض مصادر المياه، ما أدى إلى ضعف التغذية الطبيعية للنحل وانخفاض أعداده بشكل ملحوظ.

قال عبد الكريم الحسن، وهو مربٍ للنحل من ريف الحسكة الشمالي القريب من المدينة، إن سنوات الجفاف “كانت كفيلة بتدمير كل ما بنيناه خلال عقود”، موضحًا أنه خسر معظم خلاياه التي تجاوز عددها سابقًا 250 خلية، ولم يتبق لديه سوى عدد محدود بالكاد يكفي للحفاظ على استمرار المهنة.

وأضاف لعنب بلدي، أن نقص الأزهار البرية دفعه في بعض المواسم إلى الاعتماد على التغذية الصناعية، وهو ما أثر سلبًا على جودة الإنتاج وكلفته، إلى جانب ارتفاع أسعار مستلزمات التربية وصعوبة تأمينها.

مؤشرات إيجابية هذا الموسم

رغم التحديات، يلاحظ المربون تحسنًا نسبيًا هذا العام، مع انتشار الأعشاب والنباتات الرحيقية في السهول الزراعية، ما وفر مصدرًا طبيعيًا لتغذية النحل، وأسهم في تنشيط الخلايا المتبقية.

من جانبه، قال محمود العلي، وهو مربٍ آخر من ريف الدرباسية، إن الموسم الحالي “أفضل بكثير من السنوات الثلاث الماضية”، مشيرًا إلى أن النحل بدأ يستعيد نشاطه تدريجيًا، مع زيادة ملحوظة في إنتاج العسل، وإن كانت لا تزال دون مستويات ما قبل الجفاف.

وأضاف أن بعض المربين عادوا إلى شراء خلايا جديدة، رغم الحذر من تقلبات الطقس، مؤكدًا أن “العودة لا تزال بطيئة، لكنها تبعث على التفاؤل”.

مخاطر مستمرة تهدد الاستقرار

على الرغم من التحسن الحالي، لا يزال مربو النحل يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها عدم استقرار الظروف المناخية، واحتمال عودة الجفاف في أي وقت، إضافة إلى انتشار بعض الآفات التي تهاجم خلايا النحل وتؤدي إلى خسائر إضافية.

كما يشير مربون إلى أن تراجع المساحات المزروعة بالمحاصيل الصيفية، مثل القطن والنباتات العلفية، يحدّ من تنوع مصادر الغذاء للنحل، خاصة في فترات الجفاف الصيفي، ما ينعكس على استمرارية الإنتاج.

ويرى عبد الكريم الحسن أن دعم هذا القطاع يتطلب “خططًا طويلة الأمد”، تشمل توسيع الرقعة الخضراء وزراعة نباتات رحيقية، إلى جانب توفير مستلزمات التربية بأسعار مناسبة.

أهمية اقتصادية متزايدة

تُعد تربية النحل مصدر دخل أساسيًا لعدد من الأسر في ريف الحسكة، خاصة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ يوفر العسل الطبيعي منتجًا مطلوبًا في الأسواق المحلية، ويحقق عائدًا اقتصاديًا مقبولًا مقارنة ببعض الأنشطة الزراعية الأخرى.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي الدكتور سامر الخليل، إن قطاع تربية النحل “يمتلك مقومات مهمة للنمو في مناطق الجزيرة السورية، نظرًا لتنوع الغطاء النباتي وملاءمة البيئة الطبيعية”، مشيرًا إلى أن تحسن المواسم المطرية ينعكس سريعًا على هذا القطاع.

وأضاف أن دعم المربين عبر تقديم قروض صغيرة، وتسهيل الحصول على المعدات، وتنظيم عمليات التسويق، يمكن أن يسهم في تعزيز الإنتاج وخلق فرص عمل إضافية، خاصة في المناطق الريفية.

دور بيئي لا يقل أهمية

لا تقتصر أهمية النحل على إنتاج العسل فقط، بل يلعب دورًا أساسيًا في تلقيح النباتات، ما يساهم في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين جودة المحاصيل، وبالتالي دعم الأمن الغذائي في المنطقة.

ويؤكد الخليل أن تراجع أعداد النحل خلال السنوات الماضية لم يؤثر فقط على المربين، بل انعكس أيضًا على الإنتاج الزراعي بشكل عام، نتيجة انخفاض معدلات التلقيح الطبيعي.

آمال مشروطة بالمناخ

في ظل هذه المعطيات، يعلّق مربو النحل في ريف الحسكة الشمالي آمالهم على استمرار تحسن الظروف المناخية خلال المواسم المقبلة، بما يسمح بإعادة بناء الخلايا وتعويض الخسائر السابقة.

لكن هذه الآمال تبقى مشروطة بعوامل عديدة، أبرزها استقرار الهطولات المطرية، وتوفر الدعم اللازم لهذا القطاع، إلى جانب اتخاذ إجراءات للحد من تأثير التغيرات المناخية والآفات الزراعية.

وبين التفاؤل الحذر والمخاوف المستمرة، يحاول مربو النحل استعادة مهنة تعد جزءًا من الهوية الزراعية للمنطقة، وموردًا اقتصاديًا لا يمكن الاستغناء عنه في ظل الظروف الراهنة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة