صافرة تبحث عن التطور.. قراءة في أزمة التحكيم السوري

camera iconحكم المباراة يجري قرعة بين قائدي خان شيخون و أهلي حلب - 17 نيسان 2026 ( نادي خان شيخون الرياضي )

tag icon ع ع ع

مع الجدل الكبير الذي رافق مواجهة نادي الاتحاد وخان شيخون في افتتاح مرحلة الإياب من الدوري السوري، عاد ملف التحكيم إلى الواجهة مجددًا، خاصة بعد إلغاء هدف المهاجم الكاميروني إيمانويل ماهوب في الدقائق الأخيرة بداعي وجود خطأ، وهو القرار الذي فجّر احتجاجات لاعبي الاتحاد، قبل أن يتصاعد التوتر إلى حد طرد لاعبين من الفريق إثر اعتراضهم على الحكم.

وعقب نهاية اللقاء، طالب نادي الاتحاد بفتح تحقيق رسمي في القرارات التحكيمية، معتبرًا أنها أثّرت بشكل مباشر على نتيجة المباراة، في خطوة تعكس حجم الاحتقان داخل الأندية تجاه أداء الحكام.

هذا الجدل أعاد طرح تساؤلات أوسع حول واقع التحكيم في سوريا، في ظل استمرار غياب تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) وباقي الوسائل التقنية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة المباريات في دول الجوار، ما يضع الحكام تحت ضغط أكبر ويزيد من هامش الخطأ.

ويرى متابعون أن هذا الواقع قد يكون أحد العوامل التي ساهمت في تراجع حضور الصافرة السورية على الساحة الإقليمية والدولية.

الحكم السوري بين ضغط الملاعب وظروف عمل محدودة

في ظل تصاعد الجدل حول القرارات التحكيمية في الدوري السوري، يتكرر الحديث عن أخطاء الحكام بوصفها نتيجة مباشرة للضغوط داخل الملعب، إلا أن الصورة الكاملة تتجاوز حدود ما يحدث داخل المستطيل الأخضر، لتصل إلى ظروف عمل صعبة يواجهها الحكم السوري خارج خطوط التماس.

وبين محدودية الإمكانات، وغياب وسائل الدعم التقني، وتراجع الحوافز المادية، يجد الحكم نفسه أمام تحديات مركّبة تنعكس بشكل مباشر على تركيزه وأدائه، وتضعه في مواجهة دائمة مع ضغط الأندية والجماهير.

الحكم الدولي صفوان عثمان أوضح، في تصريحات لعنب بلدي، أن من أبرز الصعوبات التي تواجه الحكام هي تدني الأجور مقارنة بالدول المحيطة، مشيرًا إلى أن أجر الحكم الدولي للمباراة الواحدة لا يتجاوز 100 دولار، وهو مبلغ يشمل تكاليف التنقل والطعام والشراب، ما يضيف أعباءً إضافية على الحكام في ظل غياب بيئة احترافية متكاملة تساعدهم على أداء مهامهم بالشكل المطلوب.

وأوضح عثمان أن التجهيزات الحالية لدى الحكام تقتصر على أجهزة التواصل اللاسلكي بين طاقم التحكيم داخل أرضية الملعب، في ظل غياب وسائل تقنية إضافية قادرة على دعم القرارات التحكيمية في الحالات الجدلية.

وأضاف أن تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) باتت ضرورة ملحّة للحد من الأخطاء التحكيمية، لما لها من دور مهم في رفع دقة القرارات وتقليل الاعتراضات داخل المباريات.

وشدّد عثمان على أهمية سعي اتحاد اللعبة بكل إمكاناته إلى إدخال هذه التقنية إلى الدوري السوري، خاصة أنها أصبحت معتمدة في معظم الدوريات في الدول المجاورة، ما يجعل تطبيقها خطوة أساسية لمواكبة تطور كرة القدم الحديثة.

كرة القدم لعبة ضغط والحكم جزء منها

أشار عثمان إلى أن الضغط الجماهيري يُعدّ جزءًا طبيعيًا من كرة القدم في مختلف دول العالم، وقد يتأثر به بعض الحكام في بعض المواقف، إلا أن الحكم الذي يمتلك شخصية قوية وخبرة كافية لا يسمح لهذا الضغط بالتأثير على قراراته داخل أرضية الملعب.

ولفت عثمان إلى أن غالبية الحكام الدوليين السوريين يتمتعون بشخصية تحكيمية قوية وسمعة جيدة وخبرة تراكمية، ما يساعدهم في قيادة المباريات إلى برّ الأمان في معظم الحالات.

 الأخطاء التحكيمية في كرة القدم تبقى جزءًا طبيعيًا من اللعبة، وغالبًا ما تكون غير مقصودة، الحكم في النهاية إنسان يتعرض لضغوط متعددة، سواء مهنية أو اجتماعية أو حتى عائلية، وهو ما قد ينعكس أحيانًا على قراراته داخل المباراة دون قصد أو تعمّد.

الحكم الدولي السابق صفوان عثمان

حكم ساحة في الدوري السوري الممتاز 

وشدّد عثمان على أن على الحكم أن يطوّر نفسه بشكل مستمر، سواء من حيث اللغة أو اللياقة البدنية، إلى جانب الاطلاع الدائم على مواقع التحكيم والمتابعة المستمرة للتعديلات التي تطرأ على قانون اللعبة، بما يضمن جاهزيته ورفع مستوى أدائه داخل أرضية الملعب.

اتحاد الكرة يعزز كادر التحكيم بخبراء دوليين وبرامج تطوير

أوضح مدير المكتب الإعلامي في اتحاد كرة القدم أنس عمو لعنب بلدي، أن الاتحاد يعمل على تطوير منظومة التحكيم بشكل مستمر، مشيرًا إلى التعاقد مع أربعة خبراء تحكيم، ثلاثة منهم مصريون، بالإضافة إلى خبير سوري سبق أن عمل في الاتحاد المصري لكرة القدم، ويتمتعون بسيرة مهنية قوية وخبرات عالية، تتركز مهامهم بتطوير الحكام من مختلف الجوانب، سواء في كيفية إدارة المباريات أو الجاهزية البدنية أو التعامل مع ضغط اللقاءات.

وأضاف أن ملف التحكيم يحتاج إلى جهد كبير في ظل غياب تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، ما يجعل العبء أكبر على الحكام داخل أرضية الملعب.

وأكّد عمو أن الاتحاد يعمل على تقديم دعم معنوي ونفسي للحكام، بهدف تعزيز ثقتهم أثناء اتخاذ القرارات ومنع أي ضغوط خارجية قد تؤثر عليهم.

كما أشار عمو، إلى أن الاتحاد يؤمّن حماية للحكام بعد نهاية المباريات، خاصة في ظل بعض الاعتراضات من اللاعبين أو المدربين أو الكوادر الفنية، لافتًا إلى أن نسبة الأخطاء التحكيمية شهدت تراجعًا مع نهاية مرحلة الذهاب وبداية الإياب، وأن التقييم العام لأداء الحكام يُعد إيجابيًا في الفترة الأخيرة.

الصافرة السورية تغيب عن مونديال 2026

تشهد القائمة الأولية لحكام كأس العالم 2026 المقام في أمريكا وكندا والمكسيك، غيابًا جديدًا للصافرة السورية، في مؤشر يعكس استمرار تراجع الحضور التحكيمي السوري على الساحة الدولية، مقارنة بدوريات باتت تفرض نفسها بقوة في المشهد العالمي.

هذا الغياب، الذي كان متوقعًا لدى بعض المتابعين، يكرّس واقعًا بات فيه التمثيل السوري محصورًا بالجماهير، بعيدًا عن ساحة التحكيم في أكبر محفل كروي، خاصة في ظل اعتماد الاتحاد الدولي لكرة القدم على معايير دقيقة وصارمة لاختيار الحكام.

ويعيد هذا الملف إلى الواجهة تاريخ المشاركة السورية في المونديال، والتي ارتبطت بأسماء بارزة مثل فاروق بوظو في مونديال 1978 في الأرجنتين، ثم جمال الشريف الذي حضر في ثلاث نسخ متتالية (1986، 1990، 1994) كحكم ساحة، قبل أن يتراجع الحضور السوري تدريجيًا حتى الغياب عن القائمة الحالية.

في هذا السياق، يرى الصحفي الرياضي يامن الجاجة أن غياب الحكام السوريين عن كأس العالم 2026 لم يعد مفاجئًا، بل هو نتيجة تراكمات ممتدة لسنوات داخل المنظومة التحكيمية المحلية.

وأشار الجاجة إلى أن الأسباب تبدأ من ضعف الدوري المحلي، وما يرافقه من أزمات فنية وإدارية انعكست بشكل مباشر على مستوى الحكام، إضافة إلى غياب الاحتكاك القاري والدولي المنتظم، ما حرم الصافرة السورية من التطور المطلوب لمواكبة المعايير الحديثة.

ويُعد غياب الحكام السوريين عن قائمة حكام تقنية الفيديو (VAR) أمرًا منطقيًا، بحسب الجاجة، في ظل افتقار معظم الكوادر المحلية لشهادات وخبرات التعامل مع هذه التقنية، إضافة إلى أن العديد من الحكام ما زالوا في مرحلة التعرف والتدريب عليها.

ويؤكد الجاجة إلى أن الجدل القائم يعكس غياب خطوات جدية لتأهيل هذا الملف، رغم الحديث المتكرر عن إدخال التقنية إلى الدوري المحلي دون نتائج ملموسة حتى الآن.

هذا الواقع يرتبط أيضًا بغياب التحديث في أدوات التحكيم، بحسب الجاجة، حيث لا يزال الاعتماد قائمًا على وسائل تقليدية مثل أجهزة التواصل اللاسلكي، ما يجعل الانتقال إلى التقنيات الحديثة تحديًا كبيرًا في ظل غياب برامج تدريب وتأهيل مستمرة.

وأوضح الحكم الدولي صفوان عثمان، أن غياب الحكام السوريين عن قائمة كأس العالم لا يمكن فصله عن حجم المنافسة الكبيرة داخل القارة الآسيوية، مشيرًا إلى أن آسيا وحدها قد لا يتجاوز تمثيلها في المونديال خمسة أطقم تحكيمية، في ظل وجود دول متقدمة في هذا المجال مثل اليابان وأستراليا وأوزبكستان وكوريا الجنوبية وعدد من دول الخليج.

وأضاف العثمان أن هذه الدول توفر لحكامها كل سبل التطور والنجاح، من خلال معسكرات إعداد خاصة، ورفع أجور التحكيم، إلى جانب برامج دعم وتأهيل مستمرة، وهو ما يساهم في رفع مستوى الحكم بشكل تدريجي ويؤهله للوصول إلى أعلى البطولات، وعلى رأسها كأس العالم.

في المحصلة، يعكس واقع التحكيم في سوريا مزيجًا من الضغوط داخل الملاعب وضعف الإمكانات الفنية والتقنية، في وقت تتطور فيه منظومات التحكيم في دول الجوار بشكل أسرع وأكثر احترافية.

وبين غياب أدوات الدعم الحديثة وتراجع فرص الاحتكاك الخارجي، يبقى الحكم السوري أمام تحديات كبيرة للحفاظ على حضوره ومجاراة التطور الحاصل في كرة القدم الحديثة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة