من جنة زراعية إلى بؤرة تلوث.. قصة عكش المنسية في سلمية

camera iconتلوث سد لتجميع المياه بقرية عكش جراء نفاذ فضلات المصارف ومعامل الأجبان - 3 نيسان 2026 (عنب بلدي/ معدلة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

تعيش قرية عكش في ريف سلمية الشرقي أزمة بيئية وصحية متفاقمة نتيجة سوء تصريف الفضلات والمواد السامة الناتجة عن معامل الأجبان والألبان التي عادت للعمل مؤخرًا في المنطقة.

وبحسب أهالٍ تحدثوا إلى عنب بلدي، لم تقتصر الأزمة على تلويث الهواء بالروائح الكريهة، بل امتدت إلى تلوث المياه الجوفية، ما هدد حياة السكان ودفع بعضهم إلى النزوح، في حين يعاني آخرون من أمراض جلدية وتنفسية وإسهال حاد، مع غياب أي استجابة طبية رسمية.

مخلفات سامة في الآبار الجوفية

قال خالد العلاوي، أحد سكان قرية عكش، لعنب بلدي، إن مشكلة التلوث بدأت تظهر بوضوح مع عودة معامل الجبن والحليب للعمل في القرى المجاورة. وأوضح أن أصحاب هذه المنشآت يصرفون مخلفاتهم (المصل والفضلات السامة) في حفرة قريبة من سد لتجميع المياه، ما يؤدي إلى تسربها إلى مياه السد بدل استخدام مجارٍ صحية نظامية، بهدف تقليل التكاليف.

وأضاف أن نتائج الفحوص المخبرية التي أجريت في إدارة المياه بسلمية أظهرت أن المياه غير صالحة للشرب، مع تسجيل ارتفاع في غاز النتروجين ومواد سامة أخرى.

وقال العلاوي: “لم يعد التلوث مقتصرًا على الشرب فقط، فحتى المياه المستخدمة في التنظيف والغسيل تنبعث منها روائح تشبه المستنقعات، ما يجعل البقاء داخل المنازل أمرًا لا يُطاق”.

بدوره، أوضح زاهر العبد الله، أحد سكان القرية، لعنب بلدي، أن الأزمة تفاقمت خلال أكثر من 15 يومًا، إذ بدأت بظهور روائح كريهة في المياه، ثم انتقل التلوث من بئر إلى أخرى، ليشمل نحو 20 بئرًا في الحي.

وأضاف: “المياه ملوثة لدرجة أن رائحتها تلتصق باليدين ولا تزول إلا بغسلها بماء نظيف واستخدام العطور. كما تسببت مياه الصرف الصحي بتآكل البلاط وتضرر الزراعة بشكل كبير”.

أمراض تنفسية وجرب وإسهال

تسبب التدهور البيئي في زيادة ملحوظة في الأمراض التنفسية، خاصة حالات الربو والحساسية بين الأطفال، وفق ما أكد العلاوي، الذي أشار إلى أن بعض العائلات، ومن بينها عائلته، اضطرت إلى مغادرة منازلها والانتقال إلى مدينة سلمية.

وقدم زاهر العبد الله صورة أكثر قسوة عن الوضع الصحي، قائلًا: “انتشرت حالات الإصابة بمرض الجرب بشكل واسع بين الأهالي، ويعاني المصابون من حكة شديدة وظهور فطريات جلدية مؤلمة”.

وأضاف: “كما ظهرت حبوب كبيرة على الجلد، وتعاني ابنة أخي من إصابة جلدية شديدة. الأطفال يعانون من التهاب الأمعاء والإسهال والاستفراغ نتيجة شرب المياه الملوثة”.

وتابع: “لم يتم توزيع أي أدوية، ولم تزُر القرية أي جهة صحية لمعاينة الحالات. وعند استخدام الأدوية ثم العودة للاستحمام بالمياه الملوثة، تزداد الإصابات سوءًا”.

قطع مسافات تصل إلى 9 كيلومترات

وصف العبد الله معاناة الأهالي في تأمين مياه نظيفة، قائلًا إن السكان يضطرون لجلب المياه عبر الصهاريج، بينما ينتظر من لا يملك وسيلة نقل مساعدة الآخرين، في حين يقطع بعضهم مسافات تصل إلى 8 أو 9 كيلومترات للحصول على مياه صالحة.

وأضاف أن الأهالي غير قادرين على استخدام مياه الآبار المنزلية حتى لأغراض الغسيل.

من جهته، قال العلاوي إن أزمة مياه الشرب تتفاقم، إذ يضطر الأهالي إلى شراء مياه الشرب المعبأة، ويصل سعر العبوة إلى 16 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات.

خضروات مروية بمياه الصرف

لا تقتصر المشكلة على تلوث المياه والأمراض، بل تمتد إلى تهديد غذائي، وفق ما قاله العلاوي.

وأضاف: “الخضروات، وهي مصدر الرزق الأساسي للأهالي، تُسقى بمياه الصرف الصحي، ثم تُنقل إلى الأسواق، ما ينذر بمخاطر صحية على المستهلكين”.

وأوضح أن مدينة سلمية تعتمد بنسبة 50% على خضروات منطقة عكش، حيث تدخل يوميًا شاحنات محملة بالخضروات، بينما تتراوح المساحات المزروعة المروية بالمياه الملوثة بين 70 و80 دونمًا.

استجابة محدودة ومطالب معلقة

رغم المناشدات المتكررة، وصف الأهالي الاستجابة الرسمية بأنها “ضعيفة”، وفق العلاوي، الذي قال إن الردود تقتصر على وعود بالدراسة أو الإشارة إلى ارتفاع تكاليف إنشاء محطات التكرير، التي قد تصل إلى 80,000 دولار للمحطة الواحدة.

ويطالب الأهالي بإلزام أصحاب المعامل بتركيب فلاتر وإنشاء محطات تكرير صغيرة، أو إغلاق المنشآت غير الملتزمة.

وقال العلاوي: “القرية التي كانت تُعرف بهوائها النظيف وأشجار زيتونها، أصبحت اليوم مهددة بسبب التلوث”.

من جانبه، قال زاهر العبد الله: “نناشد الجهات المعنية التدخل العاجل، فالأمر لا يحتمل التأخير”.

معامل الألبان.. شريان اقتصادي للمنطقة

في المقابل، تمثل معامل الألبان والأجبان مصدر دخل رئيسيًا لما بين 500 و600 عائلة، وفق محمود الرجا، أحد أصحاب هذه المعامل.

وأوضح أن هذه المنشآت تدعم قطاعات أخرى، مثل المحال التجارية ومحطات الوقود والأفران، وبعضها يصدر منتجاته إلى دول مجاورة.

ورفض الرجا إغلاق المعامل، معتبرًا أن الحل يكمن في معالجة المخلفات، لا إيقاف الإنتاج، مشيرًا إلى إمكانية تحويل مصل الحليب إلى مواد نافعة في حال توفر بنية تحتية مناسبة.

محاولات لم تنجح

قال رئيس بلدية قرية سوحا، حسين الخليف، لعنب بلدي، إن محاولات سابقة لمعالجة المشكلة فشلت، إذ أُنشئت حفرة تجميع لمنع وصول المخلفات إلى السد، لكنها تفيض باستمرار بسبب كميات المخلفات.

وأضاف أن هناك تواصلًا مع مؤسسة الصرف الصحي ومديرية المنطقة، مع وعود بإجراء كشف ميداني من قبل “منظمة ضد الجوع”.

وقدّر تكلفة إنشاء محطة معالجة رئيسة بين 80,000 و85,000 دولار، ما يتطلب دعمًا من منظمات دولية.

حلول بديلة

طرح أصحاب المعامل حلولًا بديلة، منها إنشاء حفر تجميع بمواصفات هندسية تمنع تسرب المياه، أو مد أنابيب لمسافة تصل إلى 20 كيلومترًا لنقل المخلفات إلى محطة معالجة في بلدة التل التوت.

وأشار الخليف إلى خيار آخر يتمثل في إلزام المعامل بإنشاء محطات معالجة صغيرة، بحيث تُستخدم المياه المعالجة لري المحاصيل غير المخصصة للاستهلاك المباشر.

وكانت قرية عكش تُعرف سابقًا بجودة منتجاتها الزراعية، إلا أن عودة المعامل دون مراعاة الشروط البيئية حولتها إلى بؤرة تلوث تهدد السكان والمناطق المجاورة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة