بعد تموز 2025.. اكتظاظ وعشوائية يرهقان مدينة السويداء

ازدحام في الشارع المحوري بمدينة السويداء - 9 أيار 2026 (عنب بلدي)

camera iconازدحام في الشارع المحوري بمدينة السويداء - 9 أيار 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – السويداء

خلال أشهر قليلة فقط، تبدل شكل الحياة اليومية في مدينة السويداء بشكل واضح، عقب الأحداث الأمنية التي شهدتها المحافظة في تموز 2025، والتي دفعت بعشرات آلاف العائلات إلى مغادرة مناطقها في الريفين الشمالي والغربي، لتتجه بمعظمها نحو مركز المدينة ومناطق أكثر استقرارًا في الريفين الشرقي والجنوبي.

ومع هذا التدفق المفاجئ، وجدت المدينة نفسها أمام ضغط سكاني وخدمي لم تكن مهيأة له.

لم يظهر أثر النزوح في مراكز الإيواء وحدها، بل انعكس تدريجيًا على مختلف تفاصيل الحياة داخل المدينة من الشوارع والأسواق، إلى السكن والخدمات، وحتى شكل النشاط الاقتصادي اليومي والعمل.

ازدحام مروري وفوضى نقل

في الشوارع، بدا التغيير واضحًا ولافتًا، فحركة السير التي كانت توصف سابقًا بأنها “مقبولة” تحولت إلى أزمة يومية، خاصة في الأسواق الرئيسة والمداخل الحيوية للمدينة.

ويعود ذلك إلى ازدياد أعداد السيارات والآليات القادمة من مناطق النزوح، بما فيها الشاحنات الصغيرة والآليات الزراعية، ما تسبب بازدحام غير معتاد في مدينة ذات بنية مرورية محدودة أساسًا.

قالت رؤى، وهي من سكان المدينة، إنها تخرج قبل نصف ساعة لإيصال ابنتها إلى المدرسة بالسيارة، في حين كانت سابقًا تحتاج إلى وقت أقل مقارنة بالمسافة.

“أبو ليث” يرى من جانبه أن الاختناقات المرورية باتت تمتد إلى أوقات مختلفة من اليوم، بعدما كانت تقتصر سابقًا على ساعات الذروة فقط.

وأسهم انتشار وسائل النقل غير المنظمة في زيادة الفوضى المرورية، إذ ظهرت تجمعات عشوائية لـ”السرافيس” وسيارات الأجرة في عدة شوارع رئيسة، مع غياب أماكن مخصصة للتوقف أو تحميل الركاب.

كما تحولت بعض الأرصفة وجوانب الطرق إلى مواقف مؤقتة، ما قلّص المساحات المخصصة للمشاة وزاد من صعوبة الحركة داخل الأسواق.

“بسطات” عشوائية غيّرت ملامح المدينة

شهدت المدينة توسعًا ملحوظًا في “البسطات” والأنشطة التجارية المؤقتة، مع اتجاه كثير من الوافدين، وحتى بعض سكان المدينة، إلى أعمال بسيطة تؤمّن دخلًا يوميًا سريعًا في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

وانتشرت “البسطات” في عدد من الشوارع والساحات العامة، قرب الأسواق والأحياء المكتظة.

يبرر بعض السكان هذه الظاهرة كمحاولة للتأقلم مع الظروف الاقتصادية الجديدة ومواجهتها، لكنها في الوقت نفسه زادت من حالة العشوائية داخل المدينة، سواء عبر إشغال الأرصفة أو التضييق على حركة المرور.

أزمة سكن وارتفاع في الإيجارات

أهم الأزمات التي برزت كانت أزمة السكن، حيث شهد سوق الإيجارات ارتفاعًا كبيرًا خلال فترة قصيرة، مع تراجع في عدد المنازل المتاحة للإيجار داخل المدينة وضواحيها.

العثور على منزل يحتاج إلى وقت طويل وعلاقات شخصية أحيانا، و”معجزة” بحسب وصف بعض السكان.

واضطرت بعض العائلات إلى السكن في مراكز إيواء جماعية، أو مشاركة منازل مع أقارب ومعارف، بسبب عدم قدرتها على تحمل تكاليف الإيجار.

ومع ازدياد عدد السكان، بدأت البنية الخدمية في المدينة تواجه ضغطا متصاعدًا، فشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، التي كانت تعاني أساسًا من ضعف مزمن، أصبحت أقل قدرة على تلبية الاحتياجات اليومية، خصوصًا في الأحياء ذات الكثافة المرتفعة.

كما ازدادت الشكاوى المرتبطة بانقطاع المياه، وضعف الكهرباء، وازدحام المرافق العامة.

ضغط معيشي وتحديات مفتوحة

لا يقتصر أثر الأزمة على الجانب الخدمي أو المروري فقط، بل بدأت تظهر انعكاسات اجتماعية مرتبطة بالاكتظاظ والضغط المعيشي، خصوصًا مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية، وازدياد الاحتكاك اليومي في الأماكن العامة.

ورغم ذلك، لا تزال المبادرات الأهلية وحالات التضامن بين السكان والمهجرين حاضرة في أكثر من حي، عبر تقديم مساعدات، أو تأمين مساكن مؤقتة للعائلات الوافدة، إلا أنها، حتى الآن، تبدو حلولًا محدودة أمام هذا الواقع المتسارع، في ظل استمرار حالة النزوح، وصعوبة عودة كثير من الأهالي إلى مناطقهم.

ويرتبط تخفيف الضغط عن المدينة بتحسن الوضع الأمني في الأرياف، إلى جانب قدرة الجهات المحلية على تنظيم الأسواق وحركة النقل والخدمات بشكل يخفف من آثار الازدحام.

وبين شوارع مزدحمة، وأحياء مكتظة، وخدمات مثقلة، تعيش السويداء اليوم تحولًا فرضته ظروف استثنائية خلال وقت قصير، فالمدينة التي اعتادت إيقاعًا هادئا نسبيًا، أصبحت تواجه تحديات يومية متشابكة، تحوّل فيها النزوح من أزمة إنسانية مؤقتة إلى واقع حضري يطال حياة السكان في تفاصيلها كافة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة