انحسار مراكز الإيواء إلى 75 تضم 1212 عائلة

السويداء.. نازحون يشتكون تراجع الدعم والإغاثة

قصر العدل في السويداء يتحول إلى مركز استضافة لنازحين بعد أحداث تموز - 3 حزيران 2026 (عنب بلدي)

camera iconقصر العدل في السويداء يتحول إلى مركز استضافة لنازحين بعد أحداث تموز - 3 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – السويداء

مع اقتراب موجة النزوح التي شهدتها محافظة السويداء عقب الاشتباكات والهجمات من إتمام عامها الأول، لا تزال مئات العائلات المهجرة تعيش في مراكز الإيواء المنتشرة داخل المدينة وريفها، وسط تراجع ملحوظ في حجم المساعدات الإنسانية وغياب أي دعم منتظم يلبي احتياجاتها الأساسية.

وبحسب ما قاله مسؤول في القطاع الإغاثي بالسويداء، لعنب بلدي، فإن عدد مراكز الإيواء بلغ في ذروة النزوح 91 مركزًا ضمت 1733 عائلة مهجرة، فيما انخفض العدد حاليًا إلى 75 مركزًا تضم 1212 عائلة.

وأضاف المسؤول الذي تحفظت عنب بلدي على نشر اسمه لأسباب أمنية، أن العائلات التي غادرت المراكز لم تعد إلى قراها ومنازلها، بل انتقلت إلى مساكن بديلة خارج مراكز الإيواء، ما يعني أنها لا تزال تعيش ظروف التهجير ذاتها بوسائل مختلفة.

وأشار إلى أن المراكز لا تتلقى حاليًا أي دعم من الجهات الإنسانية أو المنظمات، لافتًا إلى أن آخر تدخل مسجل كان من منظمة الهلال الأحمر في كانون الثاني الماضي.

ومع توقف المساعدات، باتت إدارات المراكز والعائلات المقيمة فيها تواجه صعوبات متزايدة في تأمين مختلف الاحتياجات المعيشية والخدمية، لتبقى معظم الاحتياجات الأساسية دون تغطية كافية.

تفاصيل يومية من مراكز الاستضافة

في ظل هذه الظروف، تعكس شهادات المهجرين واقعًا يوميًا داخل مراكز الإيواء، حيث تتداخل تحديات السكن والمعيشة والصحة والتعليم مع حالة من الانتظار الطويل لعودة لا تزال مؤجلة بالنسبة للكثيرين.

تشارك “أم مدين”، المهجّرة من إحدى قرى الريف الغربي لمحافظة السويداء، تفاصيل إقامتها في أحد مراكز الاستضافة داخل مدينة السويداء.

وقالت لعنب بلدي، إنها خسرت جميع ممتلكاتها في قريتها الواقعة على الحدود الإدارية مع ريف درعا، مضيفة أنها غادرت منزلها خلال المواجهات في شهر تموز 2025، دون أن تتمكن العائلة من اصطحاب أي من مدخراتها.

وبعد تنقلها بين عدد من القرى الآمنة، استقرت وعائلتها المؤلفة من زوجها وابنتها البالغة من العمر 15 عامًا وشقيقة زوجها في مدرسة “منير علم الدين” التي تحولت إلى مركز استضافة يضم حاليًا 23 عائلة مهجرة من قرى مختلفة.

وأشارت “أم مدين” إلى أن منزلها تعرض للحرق، كما خسرت العائلة أراضيها المزروعة بأشجار الزيتون واللوز، والمواشي التي كانت تشكل موردًا لها قبل التهجير.

واليوم، تعتمد العائلة بشكل أساسي على مردود الأعمال الحرة لزوجها، دون وجود مصدر دخل ثابت.

وقالت إن القائمين على المركز كانوا في بداية الأمر يؤمّنون الوجبات الغذائية للأهالي، إلا أن هذا الدعم تراجع تدريجيًا من عدة وجبات إلى وجبة واحدة يوميًا، قبل أن يتوقف بشكل كامل.

وتعزو ذلك إلى انخفاض حجم التبرعات الغذائية والمادية التي كانت تصل إلى المركز، مقارنة بالأشهر الأولى من التهجير، مع تراجع عدد الجهات الداعمة و”الأيادي البيضاء”، بحسب وصفها، بعد مرور أكثر من عشرة أشهر على الأحداث.

ومع تراجع المساعدات، أصبح تأمين الغاز ومستلزمات الطبخ والاحتياجات اليومية على عاتق الأهالي، رغم محدودية فرص العمل وغياب الدعم المادي الكافي، الأمر الذي دفع الأغلبية إلى تقليص إنفاقهم حتى على الغذاء.

وفي الجانب الصحي قالت “أم مدين”، إن بعض الجمعيات تؤمّن جزءًا من الأدوية المطلوبة، إلا أن ذلك لا يغطي جميع الاحتياجات، ما يضطر العديد من المرضى، ولا سيما أصحاب الأمراض المزمنة، إلى شراء أدويتهم على نفقتهم الخاصة.

أما الملابس، فيعتمد سكان المركز إلى حد كبير على التبرعات التي يقدمها أفراد من المجتمع المحلي.

وقالت متحدثة باسم عدد من العائلات المقيمة في المركز، إن أبرز الاحتياجات الحالية تتمثل في مستلزمات الأطفال وكبار السن، ولا سيما الحليب والمكملات الغذائية.

وأضافت أن الأطفال حُرموا من كثير من التفاصيل البسيطة التي اعتادوها سابقًا، كشراء “البسكويت” والألعاب، وهذا ينطبق على جميع مراكز الإيواء في المحافظة، بحسب ما رصدته عنب بلدي.

وعن تفاصيل الحياة اليومية داخل المركز قالت “أم مدين”، إن العائلات تفتقر إلى الكثير من التجهيزات المنزلية الأساسية، إذ لا وجود لغسالة أو براد، وتلجأ العائلات لغسل الملابس يدويًا وتدبير شؤونها بوسائل محدودة داخل غرفة صفّية تحولت إلى مكان إقامة دائم.

وتستذكر الشتاء “القاسي” الذي مرّ على العائلات في المدرسة، موضحة أن غرف الصفوف واسعة وتضم نوافذ كبيرة، وبعضها كان مكسورًا، ما جعل البرد يتسلل إليها بسهولة.

ورغم تأمين كميات من المازوت للتدفئة من جهات داعمة، فإنها لم تكن كافية، ما دفع الأهالي إلى حرق الكرتون والملابس القديمة وكل ما أمكن استخدامه للتدفئة.

مراكز الاستضافة.. صعوبات متزايدة

تتشارك مراكز الاستضافة بهذه التحديات، ففي مركز “قصر العدل” بمدينة السويداء، تحدثت سامية، المهجرة من الريف الشمالي للمحافظة، عن معاناة مستمرة تفاقمت مع تراجع المساعدات الإنسانية خلال الأشهر الماضية.

وقالت سامية، إن المركز كان يتلقى في بداية النزوح دعمًا من منظمات إنسانية، بينها الهلال الأحمر السوري، إضافة إلى جمعيات خيرية ومبادرات من المجتمع المحلي، إلا أن هذا الدعم تقلّص تدريجيًا حتى بات شبه معدوم، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية التي كانت تصل إلى العائلات المقيمة فيه.

وتساءلت كيف لـ700 عائلة مقيمة في المركز أن تؤمّن احتياجاتها الأساسية في ظل تأخر الرواتب وقلة فرص العمل، خاصة بعد خسارة بعض الأسر معيلها خلال أحداث تموز.

ووصفت سامية الواقع المعيشي داخل المركز بأنه “صعب جدًا”، ويزداد تدهورًا مع مرور الوقت، مضيفة بلهجتها العامية: “إذا ما اشتغل زوجي ما منقدر ناكل”.

وبالنسبة للواقع الصحي، قالت إن نقطة طبية تزور المركز بشكل دوري لتقديم المعاينات، إلا أن المرضى لا يزالون مضطرين لتحمل تكاليف العلاج بأنفسهم.

ولفتت إلى أن والدة زوجها تحتاج شهريًا إلى خمسة أصناف دوائية، تشكل عبئًا كبيرًا على زوجها.

العودة مؤجلة

رغم اختلاف ظروف الإقامة بين مراكز الاستضافة، تتشابه مواقف العديد من العائلات المهجرة حيال العودة إلى قراها.

أكدت “أم مدين” أن كثيرًا من الأسر لا ترى إمكانية للعودة في الوقت الراهن، مشيرة إلى أن منازل عديدة تعرضت للحرق أو التخريب، وأن الأهالي يشترطون توفر بيئة آمنة ومستقرة قبل اتخاذ قرار العودة.

من جهتها، ترى سامية أن “النزوح لا ينتهي بمجرد إعلان الحكومة عن ترميم بعض المنازل”، معتبرة أن العائلات لا تزال بحاجة إلى ضمانات حقيقية للأمن والاستقرار قبل العودة إلى قراها المنكوبة.

“أم مدين” وسامية ليستا سوى صوتين من آلاف المهجرين الذين يفتقرون لأبسط سبل العيش، إلا أنهما تختصران حال مهجري السويداء داخل مراكز الاستضافة التي تعتبر من أبرز التحديات الإنسانية في السويداء، في حين تستمر العائلات بالمطالبة بتدخل عاجل لتأمين احتياجاتهم الأساسية وتحسين ظروفهم، منتظرين العودة لحياة أكثر استقرارًا وكرامة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة