الكلمة في مواجهة القانون.. هل تحول النصوص الفضفاضة النقد إلى جريمة؟

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي ـ 15 حزيران 2026 (عنب بلدي)

camera iconصورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي ـ 21 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

أثار الجدل الذي أثاره توقيف الناشط والمخرج حسان عقاد وقبله توقيف ممثلي ملاك “المرسوم 66″، إبراهيم شيخ الشباب وياسر عباس، تساؤلات عديدة حول ضوابط قانون الجرائم الإلكترونية في سوريا والحدود بين التشهير وحرية التعبير.

واعتقل الأمن السوري اعتقل الناشط حسان عقاد، في 17 من حزيران الحالي، في أحد مطاعم دمشق، قبل أن تفرج السلطات السورية عنه في 21 من الشهر ذاته، بعدما أعلن الإعلامي موسى العمر إسقاط الدعوى التي رفعها بحقه.

كما اعتقلت السلطات السورية المهندس إبراهيم شيخ الشباب وياسر عباس، الممثلين للجنة ملاك “المرسوم 66″، بسبب دعوى من محافظ دمشق، إبراهيم مروان علبي، قبل أن تفرج عنهما بكفالة، في 9 من حزيران، وذلك بعد أسبوع من التوقيف.

مخاوف حقوقية

مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، قال لعنب بلدي، إن تطبيق قانون الجريمة المعلوماتية في القضايا المرتبطة بالمحتوى الرقمي، تثير مخاوف جدية بشأن الحدود الفاصلة بين الجرائم المعلوماتية التي تمس الأنظمة والبيانات والأمن الرقمي من جهة، والأفعال المرتبطة بحرية الرأي والتعبير والنقد السلمي وتداول المعلومات عبر الفضاء الرقمي من جهة أخرى.

وأضاف عبد الغني أن عدم الجزم بطبيعة المحتوى محل الشكوى أو مدى انطباق النصوص الجزائية عليه، تبرز الحاجة إلى مراجعة تشريعية وإجرائية تضمن عدم توسيع نطاق تطبيق قانون الجريمة المعلوماتية لتشمل أنماطًا من التعبير السلمي أو النقاش العام.

وأكد عبد الغني ضرورة عدم اللجوء إلى تدابير سالبة للحرية إلا عند وجود مبررات قانونية محددة وضرورية ومتناسبة وخاضعة لرقابة قضائية فعالة.

مصطلحات تتطلب الضبط القانوني

أوضح مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن عددًا من مواد القانون رقم “20” لعام 2022 المتعلق بجرائم النشر الإلكتروني، يتضمن مصطلحات واسعة وغير محددة على نحو دقيق، الأمر الذي يثير إشكاليات متعلقة بمبدأ الشرعية الجنائية، والذي يقتضي أن تكون الجرائم والعقوبات محددة بصورة واضحة وقابلة للتنبؤ بها.

وبيّن عبد الغني أن أهمية المبدأ المذكور آنفًا، تزداد في القضايا المرتبطة بحرية التعبير، كون الغموض التشريعي قد يؤدي عمليًا إلى توسيع نطاق التجريم وخلق أثر ردعي يدفع الأفراد إلى الامتناع عن التعبير عن آرائهم خشية الملاحقة القانونية.

وأشار إلى أن الإشكالية لا تقتصر على النصوص القانونية ذاتها، بل تمتد إلى آليات تطبيقها، منوهًا إلى أن المعايير الدولية ذات الصلة بالحق في الحرية وقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، تقتضي أن يبقى التوقيف الاحتياطي إجراءً استثنائيًا ومبنيًا على ضرورة فردية محددة وخاضعة لمراجعة قضائية فعالة وسريعة.

كما تتطلب ضمان حق الشخص محل الملاحقة في معرفة أسباب التوقيف والاستعانة بمحامٍ منذ المراحل الأولى للتحقيق والاطلاع على الأدلة المقدمة ضده وفقًا للقانون، والطعن في الإجراءات والقرارات الصادرة بحقه.

ويشترط التطبيق السليم للقانون، بحسب عبد الغني، التمييز بوضوح بين الجرائم المعلوماتية التي تستهدف الأنظمة والشبكات والبيانات أو الخصوصية الرقمية للأفراد أو التي تنطوي على احتيال او ابتزاز أو اختراق إلكتروني، وبين القضايا المرتبطة بالتعبير عن الرأي أو نشر المعلومات أو توجيه النقد إلى الشخصيات أو المؤسسات العامة.

ورغم أن القانون الدولي لحقوق الإنسان، يقر بإمكانية فرض قيود محددة على حرية التعبير، لكنه يشترط، وفق عبد الغني، أن تكون هذه القيود منصوصًا عليها بوضوح في القانون، وأن تسعى إلى تحقيق هدف مشروع وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع ذلك الهدف.

ضرورة مراجعة آليات التطبيق

قال مدير “الشبكة السورية”، فضل عبد الغني، إن قانون الجريمة المعلوماتية يحتاج إلى مراجعة آليات تطبيقه، كونها جزء من إصلاح المنظومة القانونية في عهد الأسد، وتساهم في تعزير الثقة في العدالة.

ويقتضي ذلك، بحسب مدير الشبكة، إلى إجراء مقاربة قانونية قائمة على الشرعية وحماية الحقوق والرقابة القضائية وضمان عدم استخدام التشريعات الجزائية أداة لتقييد المجال العام أو الحد من النقاش السلمي.

وأضاف عبد الغني أن حماية المجتمع من الجرائم المعلوماتية يجب أن يتحقق من خلال إطار قانوني دقيق وواضح، لا عبر نصوص فضفاضة أو إجراءات غير متناسبة، مؤكدًا أن أي مراجعة مستقبلية للقانون وآليات تطبيقه ينبغي أن تستند إلى مبادئ الشرعية القانونية والضرورة والتناسب والرقابة القضائية المستقلة وضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحق في حرية التعبير والحق في الخصوصية.

جدل حقوقي

أثار اعتقال الناشط والمخرج حسان عقاد، موجة من ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث علق صحفيون وناشطون وحقوقيون على حادثة اعتقاله، عقب دعوى رفعها الإعلامي موسى العمر.

رئيس “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبدالله، اعتبر أن اعتقال عقاد “عار علينا جميعًا، مضيفًا أنه “عار على الثورة التي انتصرت” وفق تعبيره.

وقال الأكاديمي عبد الرحمن الحاج، إن اعتقال الناشط وصانع المحتوى، عقاد “يفتح الجروح مرة أخرى”، ويعطي إشارات في اتجاه معاكس تمامًا.

ووصف الصحفي والباحث أحمد أبازيد الاستهانة بحجز حرية إنسان لأي دعوى وسبب، ودون جرم عنيف ولا محكمة بـ”المريع”، بعد “ثورة قامت وناضلت لأجل هذه الحرية، وعانى الملايين فيها من جحيم الاعتقال وتغييب أحبابهم”، وفق تعبيره.

بالمقابل، وقف ناشطون إلى جانب العمر في قضيته المرفوعة ضد عقاد، أبرزهم الناشط والمنتج ثائر والي، قال إنه كان سيرفع دعوى أيضًا ضد حسان، بسبب تشهير الأخير به، إلا أنه تراجع بعدها.

كما أصدرت 54 منظمة للمجتمع المدني في سوريا ودول العالم، في 16 من حزيران، مرفقًا بتواقيع 132 فردًا، أعربوا بموجبه عن قلقهم، حيال المسار القضائي الذي طال كلًا من ياسر عباس “أبو وسيم”، الناطق باسم رابطة إسقاط “المرسوم 66″، والمهندس إبراهيم شيخ الشباب، ممثل لجان أهل المزة.

وترى المنظمات أن إطلاق سراح عباس وشيخ الشباب بكفالة مع استمرار الملاحقة القضائية وتحديد الجلسة القادمة في 18 من حزيران، لا يغيّر من جوهر المخاوف الحقوقية التي تثيرها القضية، إذ أن التوقيف والملاحقة استُخدما في سياق الرد على انتقادات مشروعة ومطالبات علنية بحقوقهما وحقوق المجتمعات المتضررة التي يمثلانها، بما قد يحوّل المسار الجزائي إلى أداة ضغط ذات أثر رادع، بدلًا من أن يكون ضمانة للإنصاف وسيادة القانون.

لجان لتعديل القانون

بدورها، قالت وزارة العدل السورية إنها تتابع ما يُثار من نقاشات وتساؤلات حول قانونية الإجراءات المتبعة في القضايا المتعلقة بالجرائم الإلكترونية.

وأكدت في بيان، الأحد 21 حزيران، أن الإعلان الدستوري نص على إلغاء القوانين الاستثنائية، مع استمرار العمل بالتشريعات النافذة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفق الأصول الدستورية والقانونية المعتمدة.

وأعلنت الوزارة عن تشكيل لجان قانونية وفنية لإعادة دراسة عدد من القوانين، من بينها قانون الجرائم الإلكترونية.

وقالت الوزارة إن اللجان المذكورة تدرس في إطار جهود الإصلاح التشريعي، قانون الجريمة المعلوماتية، بمشاركة الجهات المعنية بتطبيقه، بما في ذلك وزارات الإعلام والداخلية والاتصالات وتقانة المعلومات.

وتهدف التعديلات إلى الوصول إلى صياغة قانونية متوازنة تكفل:

  • حماية الحقوق والحريات.
  • تعزز سيادة القانون.
  • توفر الأدوات اللازمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية بمختلف أشكالها.

ما عقوبة الذم والقدح أو التحقير الإلكتروني

وتنص المادة “24” من قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية رقم “20” لعام 2022 (قائم منذ عهد نظام الأسد وسط المطالب بتعديله)، تحت عنوان “الذم الإلكتروني”:

  • يعاقب بغرامة من 200,000 ليرة سورية إلى 300,000 ليرة سورية كل من قام بإحدى وسائل تقانة المعلومات بشتم أحد الناس بشكل غير علنى باستخدام الشبكة.
  • يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 300,000 ليرة سورية إلى 500,000 ليرة كل من قام بإحدى وسائل تقانة المعلومات بشتم أحد الناس بشكل علني على الشبكة، وتشدد العقوبة لتصبح الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وغرامة من 500,000 ليرة إلى 1,000,000 ليرة إذا اقترف الذم بحق المكلف بعمل عام أثناء ممارسته لعمله أو بسببه.

وحسب المادة “25” وتحت عنوان “القدح أو التحقير الإلكتروني”من القانون نفسه:

  • يعاقب بغرامة من 100,000 ليرة سورية إلى 200,000 ليرة سورية كل من قام بإحدى وسائل تقانة المعلومات باقتراف القدح أو التحقير بأحد الناس بشكل غير علني باستخدام الشبكة.
  • يعاقب بالحبس من عشرة أيام إلى شهرين وغرامة من 200,000 ليرة سورية إلى 300,000 ليرة سورية كل من قام بإحدى وسائل تقانة المعلومات، باقتراف القدح أو التحقير بأحد الناس بشكل علني على الشبكة، وتشدد العقوبة لتصبح الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة من 300,000 ليرة سورية إلى 500,000 ليرة سورية إذا اقترف القدح أو التحقير بحق المكلف بعمل عام أثناء ممارسته لعمله أو بسببه.


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة