
محتجون في ريف الحسكة الجنوبي يقطعون طريقًا رئيسيًا أمام صهاريج النفط – 18 حزيران 2025 (عنب بلدي)

محتجون في ريف الحسكة الجنوبي يقطعون طريقًا رئيسيًا أمام صهاريج النفط – 18 حزيران 2025 (عنب بلدي)
لليوم الثاني على التوالي، تتصاعد حالة الاحتقان الشعبي في ريف محافظة الحسكة الجنوبي، مع استمرار إغلاق طرق رئيسية أمام صهاريج النفط المتجهة من حقل الجبسة نحو الداخل السوري، في تحرك احتجاجي بات يتخذ طابعًا أكثر حدّة واتساعًا، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وغياب المحروقات وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي، فإن عددًا من أهالي بلدتي الحدادية ودعبيل وقرى محيطة بهما واصلوا اليوم قطع الطريق أمام صهاريج النفط، في خطوة احتجاجية متجددة، مطالبين بتأمين المحروقات للسكان المحليين، وتحسين الخدمات، وإعادة النظر بملف المفصولين من العمل في حقل الجبسة، إضافة إلى خفض أسعار المواد الأساسية وعلى رأسها المازوت.
في قلب الاحتجاجات، يؤكد المشاركون أن تحركهم لم يعد مرتبطًا فقط بغلاء الأسعار، بل بانهيار شبه كامل للخدمات، وفق تعبيرهم.
وقال محمد العبود، أحد المشاركين في الاحتجاجات من بلدة دعبيل لعنب بلدي، إن ما يجري “لم يعد يحتمل الصمت فالمحافظة تعيش حالة انهيار خدمي شامل”، مضيفًا أن الأهالي خرجوا اليوم كما بالأمس لأن “كل مقومات الحياة باتت مفقودة”.
وأضاف محمد: “لا مازوت، لا ماء، لا خبز بشكل مستقر، والأسعار تتضاعف يومًا بعد يوم. خزان المياه الذي كان يُملأ بثلاثين ألفًا صار اليوم يتجاوز مئة وخمسين ألف ليرة. نحن لا نطلب رفاهية، نطلب فقط أن نعيش”.
قطع الطريق “ليس هدفًا بحد ذاته” بل وسيلة ضغط لإيصال صوت الأهالي بعد سنوات من التدهور، بحسب ما قاله محمد، مشيرًا إلى أن “الوعود لم تعد تقنع أحدًا، لأن الواقع يسير بعكسها تمامًا”.
ويأتي هذا التصعيد امتدادًا لتحركات الأمس، حين شهدت قرية دعبيل اعتصامًا وقطعًا للطريق احتجاجًا على سوء الخدمات وارتفاع أسعار المياه والمحروقات، إضافة إلى احتجاجات في البريج شمال ناحية العريشة طالبت بتحسين الواقع المعيشي ووقف ما وصفه الأهالي بـ”تفشي المحسوبيات والفساد”.
بالتوازي مع الاحتجاجات، دخلت أزمة المحروقات مرحلة أكثر تأثيرًا على الحياة اليومية، بعد توقف صهاريج نقل المياه في الحسكة عن العمل، نتيجة انقطاع تزويدها بالمازوت المدعوم، ما أدى إلى تعطّل شبه كامل في خدمات توزيع المياه على عدد من القرى والبلدات.
وقال سليمان العلي، وهو صاحب صهريج مياه يعمل في المنطقة، لعنب بلدي، إن التوقف لم يكن خيارًا بل “نتيجة حتمية لغياب الوقود”، موضحًا أن كلفة التشغيل باتت تفوق القدرة على الاستمرار.
وأضاف سليمان: “نشتري المازوت من السوق الحرة بأسعار مرتفعة جدًا تصل إلى 14 ألف للتر الواحد، ولا يوجد أي دعم أو تسعيرة عادلة. أحيانًا نعمل بالخسارة فقط لنغطي صيانة المركبة، وهذا غير ممكن على المدى الطويل”.
ويحذر من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى خروج كامل لصهاريج المياه من الخدمة، ما يعني، بحسب وصفه، “أزمة عطش فعلية في بعض المناطق الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على النقل عبر الصهاريج”.
ولم تتوقف تداعيات نقص المحروقات عند الريف فقط، بل امتدت إلى مدينة الحسكة، حيث شهدت حركة النقل الداخلي شللًا جزئيًا بعد توقف عشرات سيارات السرافيس (الفوكسات) عن العمل، نتيجة عدم تزويدها بمخصصاتها من المازوت.
وبحسب مصدر في إدارة النقل الداخلي بالمدينة، تحدث لعنب بلدي، فإن عدد المركبات العاملة تراجع إلى نحو 150 فقط من أصل 698، في حين لم يتسلم عدد كبير من السائقين مخصصاتهم منذ 11 يومًا، ما تسبب بأزمة خانقة في التنقل داخل المدينة.
وفي هذا السياق، قال أحمد الحسين، وهو أحد سائقي الفوكسات، لعنب بلدي، إن استمرار العمل أصبح شبه مستحيل في ظل الأسعار الحالية.
وأضاف السائق: “نضطر لشراء المازوت من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، وهذا يضاعف التكلفة على السائق والراكب معًا. بعضنا خفض عدد الرحلات، وبعضنا توقف بالكامل”.
أجور النقل ارتفعت إلى نحو الضعف خلال أيام قليلة، ما زاد العبء على السكان، بحسب السائق، لافتًا إلى أن “الناس لا تستطيع الدفع، ونحن لا نستطيع الاستمرار بالخسارة”.
وحذر من أن استمرار الأزمة “سيؤدي إلى توقف كامل للنقل الداخلي خلال فترة قصيرة”، في حال لم يتم توفير الوقود بشكل عاجل ومنتظم.
ومع تداخل أزمة النقل مع توقف صهاريج المياه وارتفاع أسعار المواد الأساسية، تبدو الصورة العامة في الحسكة أقرب إلى حالة شلل خدمي تدريجي، ينعكس مباشرة على الاحتجاجات في الشارع، التي تتوسع رقعتها يومًا بعد يوم.
وتعكس شهادات الأهالي حجم الاحتقان المتراكم في المنطقة، حيث يربط كثيرون بين تدهور الخدمات وغياب العدالة في توزيع الموارد.
وقال علي المحمد، أحد الأهالي في ريف الحسكة الجنوبي، إن الناس “وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على الاحتمال”، مضيفًا: “نحن في منطقة تُعد من الأغنى بالثروات، ومع ذلك نحن الأفقر في الخدمات”.
وأضاف المحمد: “الأطفال لا يجدون ماءً نظيفًا، والخبز غير مستقر، والبطالة تنتشر بشكل كبير. الناس خرجت اليوم لأنها لم تعد تملك شيئًا تخسره”.
ويرى أن تجاهل المطالب “قد يقود إلى انفجار أكبر”، محذرًا من أن “الشارع لم يعد تحت السيطرة الاجتماعية كما كان سابقًا”، في إشارة إلى اتساع دائرة الغضب.
وتأتي هذه التطورات في ظل سياق سابق وثقته عنب بلدي، حيث شهدت محافظة الحسكة خلال الأيام الماضية احتجاجات مماثلة مرتبطة بسوء الخدمات وغياب المحروقات، تزامنًا مع إعلان حكومي عن بدء تزويد محطات الوقود في المحافظة بالمحروقات ضمن خطة قالت إنها تستهدف دعم القطاع الزراعي وتخفيف النقص خلال موسم الحصاد.
وكان نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلّف بتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، أحمد الهلالي، قد أكد أن “الشركة السورية للبترول بدأت تزويد محطات الوقود بالمحروقات وفق خطة مشتركة”، مشيرًا إلى أن الهدف هو دعم القطاع الزراعي وضمان استمرار عمليات الحصاد.
لكن على أرض الواقع، ووفق ما يراه الأهالي، فإن هذه الإجراءات لم تنعكس على تحسن فعلي في الخدمات، بل ترافقت مع استمرار الأزمات واتساعها، ما يطرح أسئلة جديدة حول فعالية التوزيع وآليات الوصول إلى المستفيدين.
وبين وعود الدعم الحكومي، وتصاعد الاحتجاجات، وتوقف الخدمات الأساسية، تبدو محافظة الحسكة أمام مشهد متشابك من الأزمات، يزداد تعقيدًا مع كل يوم جديد، في ظل غياب حلول ملموسة توقف الانهيار الخدمي والمعيشي المتسارع.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى