
الجلسة الختامية في مؤتمر الحوار مع القطاع الخاص المنعقدة في قصر المؤتمرات بريف دمشق والتي ناقشت خدمات هيئة الاستثمار السورية - 3 حزيران 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)

الجلسة الختامية في مؤتمر الحوار مع القطاع الخاص المنعقدة في قصر المؤتمرات بريف دمشق والتي ناقشت خدمات هيئة الاستثمار السورية - 3 حزيران 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)
عنب بلدي – وسيم العدوي
تتزايد الحاجة إلى تسريع وتبسيط الخدمات التي تقدمها هيئة الاستثمار السورية، لا سيما ما يتصل بإجراءات الحصول على الترخيص النهائي لأي مشروع استثماري، لما لذلك من دور حاسم في تحفيز بيئة الأعمال وجذب المزيد من المستثمرين.
وفي هذا السياق، برز هذا الملف كأحد أبرز محاور النقاش خلال الجلسة الختامية لمؤتمر “الحوار مع القطاع الخاص في سوريا”، الذي عُقد مؤخرًا في قصر المؤتمرات بريف دمشق، حيث تم تسليط الضوء على واقع الخدمات الحالية وسبل تطويرها لتواكب تطلعات المستثمرين.
في هذا التقرير، تحاول عنب بلدي تسليط الضوء على الدور المأمول من هيئة الاستثمار السورية في تبسيط الإجراءات أمام المستثمرين وتسريع حصولهم على الرخص والموافقات اللازمة للبدء بمشاريعهم، مما يسهم في زيادة وتيرة العملية الإنتاجية، وتحقيق تنمية مستدامة.
أمام تساؤلات المشاركين في مؤتمر القطاع الخاص التي ركزت على مدى قدرة هيئة الاستثمار السورية على تقديم كامل الخدمات الحكومية لأي مستثمر يرغب بإقامة مشروع في سوريا في أقصر وقت ممكن، بهدف تسهيل وتسريع إقامة المشاريع الاستثمارية في سوريا، قال مدير عام الهيئة، طلال الهلالي، إن الهيئة ستكون قادرة بعد شهرين على تقديم أكثر من 80% من الخدمات الحكومية للمستثمرين.
وأقر الهلالي بأن بعض المشاريع قد تواجه تأخيرًا نتيجة عوامل متعددة، منها:
وأضاف الهلالي أن المستثمر يحتاج إلى الاطلاع على تفاصيل أي مشروع بشكل واضح قبل اتخاذ قرار بالاستثمار، الأمر الذي يستوجب منه زيارة مركز الخارطة الاستثمارية على الموقع الرسمي لهيئة الاستثمار السورية أو زيارة الهيئة.
وأكد مدير الهيئة أن غياب المعلومات الكافية يشكل عائقًا أمام المستثمرين، لافتًا إلى أن هذه البيانات يتم توفيرها من الجهات المعنية بالمحافظات والوزارات المختصة بكل قطاع، ولكنه أضاف أن تفعيل المشاريع يتطلب تعاونًا مع الوزارات والجهات العامة المعنية، فأي خدمة تُقدَّم للمستثمر وتتعلق بجهة عامة يجب أن تتم بالتنسيق وموافقة تلك الجهة، ما يسهم في تسريع الإجراءات وتمكين المستثمر من إنجاز مشروعه بفاعلية أكبر.
ويبلغ عدد الفرص الاستثمارية المعروضة عبر موقع الهيئة 625 فرصة تتوزع على قطاعات: الاتصالات والتقنية، البنية التحتية والمرافق، البيئة وإدارة النفايات، التعليم والتدريب، الجيولوجيا والثروات المعدنية، الخدمات، الرياضة، الزراعة والثروة الحيوانية، السياحة، الصحة، الصناعة، الطاقة، النقل الجوي والخدمات المطارية، النقل والسكك الحديدية، بحسب رؤية المستثمر، عمراني/تطوير عقاري، مناطق التطوير العقاري.
ولكن ما يثير الاستغراب والتناقض على موقع الهيئة، وجود عدد آخر للفرص الاستثمارية تحت عنوان “اكتشف الأداء الاقتصادي القوي لسوريا والفرص الاستثمارية الواعدة”، بعدد إجمالي 373 فرصة، الأمر الذي يستوجب التوضيح من الهيئة لإزالة الغموض من أمام المستثمرين حول الفرص الحقيقية المتوفرة، وتلك المنفذة.
اطلاع المستثمر على الفرص والخارطة الاستثمارية، من خلال زيارة الموقع الإلكتروني للهيئة، لا يشكّل عامل جذب وحده للاستثمار في سوريا، إذا لم يترافق مع السرعة في حصول المستثمر على التراخيص وبأقل التكاليف.
ويلاحظ أي مراجع، أنه لدى الضغط على أيقونة “طلب إجازة استثمار” على الصفحة الرئيسة لموقع هيئة الاستثمار السورية، يعيده الرابط إلى الصفحة ذاتها، في حين ما زالت أيقونات الخدمات الإلكترونية في أعلى الموقع مثل “طلب إجازة استثمار، تابع مشروعك، البحث عن عمالة”، و”الأنظمة وقطاعات الاستثمار، الرؤية الوطنية للاستثمار”، جميعها مسجلة تحت بند “قريبًا”.
ويحتاج أي مستثمر محلي أو أجنبي، وفقًا لدليل المستثمر للاستثمار في سوريا، إلى مجموعة من الخدمات تبدأ من:
يتساءل الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، عبر صفحته على “فيسبوك”، عن عدد المشاريع الصالحة للاستثمار من أصل المشاريع المعروضة عبر موقع الهيئة، وقال إن الفرصة الاستثمارية لا تبدأ بصورة جميلة على موقع إلكتروني، ولا بعنوان كبير عن إعادة الإعمار، بل تبدأ بسؤال بسيط :
ويرى الخبير ذاته أن غياب إحصاءات من موقع هيئة الاستثمار السورية، مثل عدد المشاريع المطروحة، وتلك ذات التكلفة المعلنة، والتي بلا تكلفة، أو التي تم تشميلها بقانون الاستثمار، أو قيد التنفيذ، أو التي بدأت التشغيل، يجعل الموقع أقرب إلى واجهة عرض منه إلى منصة استثمارية جادة.
والمطلوب اليوم ألا تقوم هيئة الاستثمار السورية فقط بنشر قائمة طويلة من المشاريع، بل بناء منصة استثمارية بمعايير واضحة تتضمن لكل مشروع:
الخبير الاقتصادي الدكتور ملهم الجزماتي من مركز “كرم شعار للاستشارات”، يرى في حديث إلى عنب بلدي أن من المبكر الحكم على نجاح هيئة الاستثمار من حجم النشاط الذي نشاهده اليوم، موضحًا أن المشكلة الاستثمارية في سوريا لم تكن تاريخيًا غياب جهة تروّج للاستثمار، بل غياب بيئة مؤسساتية متماسكة يستطيع المستثمر التنبؤ بها.
“ما نراه اليوم هو تحسن في الحضور المؤسسي للهيئة، ومحاولة لتقديمها كعنوان موحد للمستثمرين، لكن المستثمر لا يختبر الهيئة بحد ذاتها، بل يختبر الدولة من خلالها”، بحسب الجزماتي، ولكن إذا بقيت الكهرباء والأراضي والتمويل والموافقات القطاعية والإجراءات المحلية موزعة بين جهات متعددة، فإن قدرة الهيئة على جذب الاستثمار ستبقى محدودة مهما كانت كفاءتها.
وأضاف الخبير الجزماتي أن التحدي الحقيقي أمام الهيئة ليس استقطاب المستثمر، بل قدرتها على تنسيق مؤسسات الدولة حول المستثمر، وهذا ما لم تظهر نتائجه بشكل واضح بعد، خصوصًا أن نسبة كبيرة من الاستثمارات المعلن عنها لا تزال في مرحلة مذكرات التفاهم أو الدراسات الأولية أكثر من كونها مشاريع منفذة على الأرض.
بالنسبة لقانون الاستثمار، يعتقد الخبير الاقتصادي السوري، أن قيمة القانون الجديد لا تكمن فقط في الحوافز والإعفاءات التي يقدمها، بل في محاولته تقليص عدد نقاط الاحتكاك بين المستثمر والإدارة العامة، لكن التجربة السورية تظهر أن المشكلة غالبًا لا تبدأ من نص القانون بل من البيئة التنظيمية المحيطة به.
وحتى أفضل قوانين الاستثمار يمكن أن تفقد جزءًا كبيرًا من فعاليتها إذا بقي المستثمر مضطرًا للانتقال بين جهات متعددة للحصول على موافقات متداخلة، أو إذا استمرت بعض المؤسسات في الاحتفاظ بصلاحيات مستقلة تجعل القرار الاستثماري موزعًا بين أكثر من مركز.
وأشار الخبير إلى أن التحدي اليوم ليس إصدار قوانين جديدة بقدر ما هو توحيد مسار اتخاذ القرار الاقتصادي، فالمستثمر يهتم بسرعة القرار ووضوحه أكثر مما يهتم بعدد المواد القانونية التي تمنحه حوافز إضافية.
أما بالنسبة لتبني فكرة النافذة الواحدة، فيرى الدكتور الجزماتي أن الأمر لا يتعلق برفض تقني لفكرة النافذة الواحدة بقدر ما يتعلق بطبيعة الإدارة العامة نفسها، فالنافذة الواحدة تعني عمليًا نقل جزء من سلطة اتخاذ القرار من المؤسسات المتفرقة إلى مسار موحد، وهذا التحول يحتاج إلى إعادة توزيع للصلاحيات والمسؤوليات بين الجهات الحكومية.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس وجود ممثلين للجهات داخل النافذة الواحدة، بل امتلاك هؤلاء الممثلين صلاحيات فعلية للحسم واتخاذ القرار، وإلا فإن النافذة قد تتحول إلى محطة إضافية في دورة المعاملة الاستثمارية بدلًا من أن تكون أداة لاختصارها.
وأكد أن أتمتة الخدمات ليست قضية تقنية بقدر ما هي قضية إدارية ومؤسساتية، فمن السهل رقمنة النماذج والطلبات، لكن من الصعب رقمنة مسار مليء بالموافقات المتداخلة إذا بقيت كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى، مبينًا أن القيمة الحقيقية للأتمتة تكمن في:
ومما تقدم، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح الهيئة خلال المرحلة المقبلة في قدرتها على تقليص تعدد المرجعيات، وتسريع اتخاذ القرار، وتحويل الاستثمار من مسار تفاوضي طويل إلى مسار مؤسساتي واضح يمكن التنبؤ به، وهو ذاته ما قد يمثل أهم إصلاح استثماري تحتاج إليه سوريا اليوم.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى