
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي ـ 16 نيسان 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي ـ 16 نيسان 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)
عنب بلدي ـ ركان الخضر
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حول إمكانية أن تلعب دمشق دورًا في الحرب ضد “حزب الله” اللبناني، تساؤلات عدة حول طبيعة هذا الدور ومدى قابليته للتطبيق، والآثار المترتبة على خطوة كهذه على سوريا ولبنان والمنطقة عمومًا.
وكان ترامب صرح في كلمة أمام قمة مجموعة السبع في فرنسا، في 16 من حزيران الحالي، أنه اقترح على إسرائيل أن تتولى سوريا التعامل مع “حزب الله”، بدلًا من القوات الإسرائيلية.
وجاء تصريح الرئيس الأمريكي بعد أيام قليلة من حديث سابق عن إمكانية توصية الحكومة السورية بمساعدة إسرائيل في حربها ضد الحزب.
وعبّر ترامب في مقابلة مع شبكة “NBC” الأمريكية، في 7 من حزيران الحالي، عن رغبته في رؤية ما وصفه بـ”هجوم جراحي أكثر دقة ضد (حزب الله)”.
وأبدى الرئيس الأمريكي استعداد بلاده للمساعدة، مشيرًا إلى إمكانية توصية الحكومة السورية بالمشاركة في العملية.
الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يعتبر من الرؤساء المعروفين على مستوى العالم أنه يباشر المفاوضات عبر التصريحات الإعلامية، كما يستخدم خطابه الإعلامي الكثيف ويكرر تصريحاته لتمرير الرسائل السياسية والتفاوضية.
وبالتالي فإن تصريحات ترامب حول دور سوري في لبنان، وفق علوان، ليس بالضرورة أن تعبر تمامًا عما سيحدث على الأرض، فهذه التصريحات الأمريكية قد تشكل ضغطًا على لبنان و”حزب الله”، ولا تشترط أن يكون هناك مشروع لتدخل سوري حاليًا في لبنان.
وأضاف الباحث علوان أن تصريحات المسؤولين السوريين، وفي مقدمتهم الرئيس السوري أحمد الشرع، كانت واضحة بعدم وجود نية لدمشق للتدخل في لبنان، مشيرًا إلى أن أي مساعدة يمكن أن تقدمها سوريا للبنان ستكون ضمن إطار العلاقة التي تحفظ السيادة الكاملة بين البلدين وتعزز التنسيق والتعاون بينهما.
وأوضح أن ما قد يحتاج إليه لبنان من سوريا يجب أن يكون محل نقاش من قبل الحكومة اللبنانية مع الحكومة السورية، رغم أن تصريحات ترامب قد توحي بخلاف ذلك، مرجحًا أنها تصريحات سياسية تهدف منها الإدارة الأمريكية إلى فرض ضغط ما أو رسائل معينة.
وبيّن علوان أن أسباب اختيار الحكومة الأمريكية للحديث عن دور سوري دون غيره في لبنان، يعود إلى أن سوريا باتت تمثل محور استقرار المنطقة، مشيرًا إلى أن الانتقال السياسي الذي حصل في البلاد عقب سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، شكّل تغييرًا على مستوى المنطقة ككل ولم يقتصر على سوريا فحسب، وأدى إلى انتقال دمشق من محور للإرباك وتصدير المشكلات وعدم الاستقرار والفوضى إلى محور الاستقرار على مستوى كل المنطقة.
كما أن الموقع الجيوسياسي السوري، برأي علوان، يجعلها الفاعل الرئيس إن لم يكن الوحيد فيما يخص الملف اللبناني، الأمر الذي يجعل من الطبيعي أن يركز الرئيس الأمريكي على دور سوري دون غيره في لبنان.
من جانبه، يعتقد الباحث في “مركز الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن التصريحات الأمريكية تندرج في إطار محاولة إعادة توزيع النفوذ في المنطقة عبر تحجيم الدور الإيراني، وإعطاء أدوار لأطراف أخرى تشمل المنطقة ككل ولا تقتصر على سوريا.
وتشمل هذه السياسة الأمريكية، برأي جلو، تعزيز النفوذ التركي وإعطاء دور أكبر للقوة الناعمة للحكومات الخليجية عبر استخدام قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية التي أثبتت نجاحًا في حل أو التأثير على كثير من مشكلات المنطقة، بالإضافة إلى الدور الإسرائيلي الذي يعتمد على القوة العسكرية.
فالحديث الأمريكي عن دور سوري في لبنان، يندرج ضمن هذه السياسة التي تشمل المنطقة ككل، بحسب الباحث عمار جلو.
نفى الرئيس السوري، أحمد الشرع، وجود أي نية لدى سوريا للتدخل في لبنان، واصفًا الأنباء المتداولة حول ذلك بأنها “شائعات”.
وجاءت تصريحات الشرع خلال لقاء جمعه بوفد من وجهاء وأعيان محافظة ريف دمشق، في 12 من حزيران الحالي.
كما كشف المستشار الإعلامي للرئاسة السورية، أحمد موفق زيدان، أن الولايات المتحدة اقترحت على دمشق التدخل في لبنان في ظل التطورات الأمنية المتسارعة، إلا أن سوريا رفضت هذا الطرح وأكدت أنها ليست معنية بأي تدخل عسكري أو أمني في الشأن اللبناني.
وقال زيدان في مقابلة مع قناة “العربية” السعودية، في 15 من حزيران، إن سوريا تدعم بسط الدولة اللبنانية سيطرتها على كامل أراضيها، مشددًا على أن دعم الحكومة اللبنانية لا يكون عبر التدخلات العسكرية، بل من خلال تمكين مؤسسات الدولة وتعزيز سلطتها الشرعية.
استبعد الباحث عمار جلو احتمالية لعب دور سوري في لبنان، دون إسقاط إمكانية انخراط دمشق في مواجهة “حزب الله” من خلال محاصرته وتجفيف منابع تمويله وسلاحه من الأراضي السورية، بعيدًا عن خوض عملية سورية في الداخل اللبناني.
وبيّن جلو أن أي انخراط سوري في الأراضي اللبنانية، سيحمل تداعيات وأزمات ربما تشمل المنطقة، لأن الذاكرة اللبنانية مفعمة بالسوداوية والمأساوية والسلبيات تجاه أي تدخل سوري، الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة الاصطفافات الداخلية في لبنان، من خلال الإجماع على مواجهة هذا التدخل من قبل جميع الأطراف اللبنانية بمن فيهم المتقاربون مع دمشق.
كما أن أي عملية سورية في لبنان ستؤدي، بحسب الباحث عمار جلو، إلى احتمالية انفجار كبير لكل الجبهات في المنطقة من إيران إلى غزة إلى سوريا ولبنان، ما يجعل احتمالية تنفيذ عملية كهذه ضعيفًا ومستبعدًا في الظروف الراهنة.
واتفق الباحث وائل علوان مع جلو في استبعاد احتمالية أي تدخل سوري ضد “حزب الله” بشكل منفرد أو واسع، موضحًا أن الحكومة السورية لا ترغب في التصعيد والتأثير على استقرار المنطقة، خاصة أن التدخل ضد “حزب الله” لن يقتصر عليه وحده، الأمر الذي يجعل دمشق تتخذ موقفًا حذرًا من أي عملية خارج الحدود.
وأضاف علوان أن أي عملية سورية في الخارج لن تجري دون حسابات دقيقة جدًا، وبالتنسيق الكامل مع الحكومة اللبنانية تحاشيًا للفوضى وردود الفعل غير المحسوبة، سواء من جهة لبنان أو من جهات أخرى.
يطرح الرفض السوري للمقترح الأمريكي بعض التساؤلات حول مدى تأثيره على العلاقة بين دمشق وواشنطن، بعد التحسن الملحوظ الذي شهدته خلال الفترة الماضية.
وكانت العلاقات السورية- الأمريكية تطورت في عهد الحكومة الجديدة بعد عقود طويلة من القطيعة والفتور، تخللها رفع أغلب العقوبات الأمريكية المفروضة على دمشق، وشهدت زيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى واشنطن في تشرين الثاني 2025.
كما أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لا يكاد يذكر سوريا دون توجيه المديح والإعجاب بنظيره السوري، مشيرًا إلى أنه “قام بعمل رائع” في بلاده وتمكن من توحيدها في فترة زمنية قصيرة.
يرى الباحث وائل علوان أن الرد السوري على التصريحات الأمريكية بخصوص لعب دور في لبنان ضد “حزب الله” لم يكن رفضًا لمقترح أمريكي بالمعنى الحرفي، فالتصريحات الأمريكية برأيه لم ترقَ إلى مستوى مقترح، مرجحًا أن يكون المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، قد تحدث مع القيادة السورية حول دور يمكن أن تلعبه دمشق في استقرار لبنان ودعم الحكومة والجيش اللبناني.
وأشار علوان إلى احتمالية أن تضطر الحكومة السورية إلى الدفاع عن حدودها عبر عمليات محدودة بالتنسيق مع الجيش اللبناني في المستقبل، منوهًا إلى أن الحديث حول هذا الموضوع ما زال مبكرًا، كما أنه لن يكون في حالة حصوله بصورة مقترح أمريكي على دمشق أن تسارع إلى تنفيذه بشكل مباشر، بقدر ما سيكون بناء على المصلحة الوطنية ومصلحة المنطقة وفي إطار التنسيق الكامل مع الحكومة اللبنانية.
من جهته، يرى الباحث عمار جلو أن الإدارة الأمريكية تأخذ بعين الاعتبار رأي الطرف الآخر، الأمر الذي يجعل قدرة دمشق على التحايل على الطلب الأمريكي للعب دور في لبنان ممكنًا عن طريق إقناع واشنطن برأي الحكومة السورية.
وأضاف جلو أن دمشق سبق أن نجحت في أمر مشابه، من خلال تجاوز الشرط الأمريكي المتعلق بإقصاء المقاتلين الأجانب من سوريا لإعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن استخدام الأسباب المقنعة لرفض دمشق للتدخل في لبنان سيكون مفهومًا ومقبولًا من الإدارة الأمريكية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى