حطب لنار الغرباء.. سوريا تدفع ما تبقى من أشلائها ثمنًا لحرب لبنان

tag icon ع ع ع

خالد المطلق

تثير التحليلات السياسية الباردة التي تجري خلف الشاشات الغثيان، تحليلات تتحدث عن “وحدة الساحات” و”معادلات الردع”، وكأن الشعوب مجرد حجارة شطرنج، لكن بالنسبة لنا، نحن السوريين، ومع تصاعد طبول الحرب على الحدود اللبنانية والتهديدات الإسرائيلية باجتياح الجنوب اللبناني، لا تبدو الحرب قضية خرائط بل كابوسًا يطرق أبوابًا مخلوعة أصلًا، والسؤال الذي يهمس به كل سوري اليوم هل نملك ثمن هذه الحرب؟ وما مصلحتنا في نار جديدة تُشعل في الجوار؟ وهل تمتلك الدولة ترف هذه المواجهة؟

إذا تحدثنا بلغة الشارع والطوابير، فسوريا اليوم تعيش “منازعة موت”، إذ يرزح أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر يصارعون يوميًا لتأمين رغيف الخبز أو ساعة كهرباء، والبنية التحتية مدمرة والاستثمارات نادرة، وفي ظل هذه الحال يصعب تصور أن مصلحة المواطن ترتبط بفتح جبهة جديدة، فالدول الخارجة من الحروب تبحث عن الاستقرار وبناء مؤسساتها، وزج سوريا في مجهود حربي خارج الحدود يعني انتزاع اللقمة الأخيرة من أفواه الجياع، وهي وصفة لمجاعة كاملة، فالحروب تستنزف الموارد وتدمر الأسواق، وفوق هذا فإن اشتعال لبنان سيعني موجات نزوح هائلة وعكسية لمئات الآلاف، وسوريا لا تملك القدرة على تقديم شربة ماء نظيفة لوافد جديد.

وفي سوق المصالح، المستفيدون لا يشبهوننا، فتل أبيب بزعامة نتنياهو تبحث عن حرب برية للهروب من مأزقها الداخلي وصناعة “صورة نصر” تغطي على تعثرها العسكري في غزة المستمر منذ أكتوبر 2023، وطهران ترى في هذه الجبهات خط دفاعها الأول والأرخص لاستنزاف خصومها بالوكالة حماية لعمقها الاستراتيجي، وحتى في دمشق، قد تُرى الحرب فرصة براغماتية للهروب من الأزمات الاقتصادية وتأجيل الحل السياسي تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

من الطبيعي أن يجادل البعض بأن الانخراط ضد “حزب الله” قد يمنح دمشق نقاطًا سياسية لدى قوى دولية تسعى لتقليص نفوذ إيران، لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر، فالشرعية لا تُبنى على الصراعات الخارجية بل على تحقيق الاستقرار الداخلي خاصة أن المكاسب وهمية والخسائر حتمية وملموسة.

ومما لا شك فيه أن الحقيقة على الأرض مرعبة عسكريًا، فحسابات الحقل تختلف عن بيدر العسكر، والجغرافيا اللبنانية المعقدة بطبيعتها صعبة أمام الجيوش النظامية، والتاريخ يؤكد صعوبة تحقيق حسم سريع في حرب العصابات هناك، وعلى الرغم من التفوق التقني والناري الهائل لإسرائيل منذ حرب غزة، لم يصل الصراع في لبنان إلى حسم نهائي، مما يثبت أن التفوق العسكري لا يترجم دائمًا إلى نتائج سياسية، وإذا كانت هذه المعضلة تواجه جيشًا متطورًا فكيف ستكون الحال لجيش سوري ما زال في طور إعادة البناء؟ فالجيش الذي تلون العبارات الطنانة صورته كـ”جيش وليد” أو “مُعاد هيكلته”، هو في الحقيقة جيش من أبنائنا وإخوتنا الذين أنهكتهم سنوات الحرب الداخلية العجاف، يعاني نزيفًا بشريًا ونقصًا حادًا في التسليح، وأجواؤه مستباحة تمامًا للطيران الإسرائيلي، فالجيش الذي يحاول تطوير قدراته يحتاج إلى بيئة مستقرة، أما الزج به في حرب خارجية فسيحوله إلى طرف في نزاع طويل يستنزف موارده قبل اكتمال تشكيله ليصبح لبنان مستنقعًا يقضي على ما تبقى من قدراته النظامية.

والأخطر من ذلك كله أن المخاطر لن تتوقف عند الحدود، فدخول سوريا في مواجهة مباشرة قد يحرك أطرافًا مرتبطة بالمحور الإيراني لفتح ساحات ضغط جديدة داخل سوريا سواء عبر الحدود الشرقية أو عبر أدوات نفوذ متعددة بدأت معالمها تظهر للعيان من خلال حماية السلطة المؤقتة لكثير من قادة الميليشيات السنية التي كانت ترتبط بـ”الحرس الثوري الإيراني” إبان حكم الهارب الأسد، وعندها ستواجه دمشق شبكة تحديات أمنية متداخلة وهي لا تزال ترمم جراحها، وإسرائيل لن تتردد في حرق مدننا وقطع خطوط إمدادنا، مما يفتح الباب أمام فوضى عارمة تترقبها التنظيمات المتطرفة لإعادتنا إلى المربع الأول من الدم.

في نهاية المطاف، لن ينتصر أحد في هذه المحرقة، فالمواطن لن يجد في الحرب حلًا لمشكلاته، ولبنان سيدفع ثمن دمار بنيته واقتصاده، أما القوى الإقليمية فقد تستفيد لترتيب موازين القوى لكن حساباتها لا تطابق المصالح الوطنية السورية، فالفارق كبير بين خدمة أجندات صراعات كبرى وبين احتياجات شعب أنهكه الفقر، وسوريا ستدفن هنا آخر أمل لإعادة الإعمار والتعافي التي تتطلب مليارات الدولارات لنصبح مجددًا مجرد رقعة شطرنج ينفضّ عنها اللاعبون الكبار ويتركوننا نجمع أشلاءنا وحدنا.

الخلاصة الإنسانية والاستراتيجية الأولى هي أن مصلحة الشعب السوري الحقيقية تكمن في “النأي بالنفس” والحياد الكامل، والجميع يعرف أننا دفعنا ثمنًا باهظًا بسبب أخطاء شخصية همها الكرسي فقط ولو على جماجم السوريين، والدرس الأهم أن بناء الأوطان أصعب بكثير من هدمها، وأن السلام يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة الحرب، وسوريا اليوم بحاجة إلى معركة من نوع آخر، معركة إعادة بناء الدولة وترميم الاقتصاد المنهار واستعادة ثقة الناس بالدولة وإعادة الأطفال إلى المدارس والمهجرين إلى بيوتهم.

السؤال الذي ينبغي أن يطرحه أصحاب القرار ليس هل تستطيع سوريا المشاركة في حرب داخل لبنان؟ بل هل يملك السوريون رفاهية تأجيل معركة بناء وطنهم من أجل خوض معركة أخرى نتائجها غير مضمونة؟ إن إقحام دمشق في هذه النار لن ينقذ أحدًا في بيروت، بل سيخنق آخر أنفاس الحياة في سوريا، ليكون السوري هو الحطب الوحيد لنار لم يشعلها ولا ناقة له فيها ولا جمل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة