إغلاق المصارف يعمّق الأزمة والخيارات محدودة

الحسكة خارج دورة استبدال العملة الجديدة

camera iconارتباك في الحسكة مع غياب مؤسسات لاستبدال العملة - 14 حزيران 2026 (مركز الحسكة الإعلامي)

tag icon ع ع ع

تزداد المخاوف في محافظة الحسكة مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها مصرف سوريا المركزي لاستبدال الفئات النقدية القديمة من الليرة السورية، في وقت لا تزال فيه المحافظة تعاني من غياب الخدمات المصرفية الحكومية وإغلاق المؤسسات المالية الرئيسية، ما يضع مئات آلاف السكان أمام معضلة يومية تتعلق بالتعامل النقدي والحفاظ على قيمة مدخراتهم.

وعلى الرغم من القرارات المتتالية الصادرة عن مصرف سوريا المركزي لتمديد عمليات الاستبدال وتوسيع نطاقها، لا تزال الحسكة من أكثر المحافظات تأثرًا بتعثر العملية، نتيجة الواقع الإداري والأمني المعقد الذي تعيشه، وسط استمرار الانقسام في إدارة المحافظة بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

محافظة خارج الدورة النقدية

منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، وما أعقبه من تحولات سياسية وعسكرية، دخلت مؤسسات حكومية عديدة في الحسكة والقامشلي مرحلة من الشلل الإداري، انعكست بشكل مباشر على الخدمات العامة والقطاع المالي.

وبينما استعادت الحكومة السورية السيطرة على مناطق واسعة من ريف الحسكة خلال الأشهر الماضية، بقيت مدينتا الحسكة والقامشلي وأجزاء من أريافهما تحت إدارة “قسد”، الأمر الذي أدى إلى استمرار إغلاق عدد من المؤسسات الحكومية، ومن بينها المصارف العامة التي تشكل الحلقة الأساسية في تنفيذ قرارات استبدال العملة.

هذا الواقع جعل الحسكة عمليًا خارج دائرة الاستبدال التي شهدتها معظم المحافظات السورية خلال الأشهر الأخيرة، إذ لا تزال الفئات النقدية القديمة هي الأكثر تداولًا في الأسواق المحلية، بينما تبقى العملة الجديدة محدودة الحضور مقارنة ببقية المناطق السورية.

ويقول المواطن أحمد الجلاد، من مدينة الحسكة، إن السكان باتوا يعيشون حالة من القلق المستمر مع اقتراب انتهاء المهلة المعلنة للاستبدال.

ويضيف لعنب بلدي: “نتابع الأخبار يوميًا لمعرفة ما إذا كانت المصارف ستفتح أبوابها أم لا، لأن أغلب ما نملكه من أموال ما زال من الفئات القديمة، ولا نعرف كيف ستكون الإجراءات إذا انتهت المهلة دون توفير مراكز استبدال فعالة داخل المحافظة”.

أما المواطن محمود العلي، من مدينة القامشلي، فيرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بعملية الاستبدال، وإنما بغياب القطاع المصرفي بشكل كامل عن الحياة الاقتصادية اليومية.

ويتابع، أن السكان يعتمدون حاليًا على التداول النقدي المباشر أو بعض شركات الحوالات، في حين تفتقد المحافظة إلى خدمات مصرفية أساسية موجودة في معظم المحافظات الأخرى.

تمديد جديد وفرصة أخيرة

في محاولة لمعالجة الثغرات التي رافقت عملية الاستبدال، أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي الجديد صفوت رسلان، في 31 أيار الماضي، قرارًا يقضي بتمديد مهلة استبدال العملة القديمة حتى 30 تموز المقبل.

وشمل القرار جميع الفئات النقدية القديمة المحددة سابقًا، وهي فئات 50 و100 و200 و500 و1000 و2000 و5000 ليرة سورية، كما ألغى مادة كانت تحصر عمليات الاستبدال بالمصارف العاملة وفروعها.

ووصف رسلان التمديد بأنه “فرصة أخيرة لاستكمال عملية الاستبدال”، مشيرًا إلى أن نسبة الإنجاز على مستوى سوريا تجاوزت 63% حتى تاريخ القرار.

كما طلب المصرف المركزي من المصارف وشركات الصرافة والحوالات الامتناع عن إعادة طرح الفئات القديمة في التداول، والالتزام بتسليم المتعاملين العملة الجديدة حصريًا في جميع عمليات السحب والصرف.

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لم تنعكس بصورة مباشرة على سكان الحسكة الذين ما زالوا يواجهون عقبات مرتبطة بغياب البنية المصرفية اللازمة لتنفيذ عملية الاستبدال بشكل طبيعي.

تكاليف إضافية ومخاطر مالية

مع عدم وجود قنوات مصرفية فعالة داخل المحافظة، اضطر بعض الأهالي إلى إرسال أموالهم إلى محافظات أخرى عبر أقارب أو معارف لاستبدالها، وهو ما ينطوي على تكاليف إضافية ومخاطر مرتبطة بالنقل والتعامل النقدي.

خالد المحمد، من ريف الحسكة الجنوبي، يشير إلى أن بعض العائلات لجأت خلال الأشهر الماضية إلى إرسال مبالغ نقدية إلى دمشق أو حلب أو دير الزور عبر معارف موثوقين لاستبدالها.

ويقول: “ليست كل الأسر قادرة على تحمل تكاليف السفر أو المخاطرة بنقل الأموال، لذلك فضّل كثيرون الاحتفاظ بما لديهم وانتظار افتتاح مراكز رسمية داخل المحافظة”.

في المقابل، تعبّر هناء السالم، من مدينة الحسكة، عن خشيتها من تعرض بعض المواطنين للاستغلال من قبل سماسرة أو وسطاء يدّعون القدرة على استبدال الأموال مقابل اقتطاع نسب مالية مرتفعة.

وترى أن غياب القنوات الرسمية يفتح الباب أمام ظهور حلول غير منظمة قد تؤدي إلى خسائر للمواطنين.

اتفاقات معلقة وخدمات غائبة

أعلنت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في 30 كانون الثاني الماضي، اتفاقًا يتعلق بترتيب عملية الدمج بين المؤسسات، وسط آمال بأن ينعكس ذلك على إعادة تشغيل المرافق الخدمية وتسهيل حياة السكان.

إلا أن الأشهر اللاحقة لم تشهد تقدمًا ملموسًا على مستوى إعادة فتح معظم المؤسسات الحكومية في الحسكة والقامشلي، بما فيها المؤسسات المالية.

استمرار التعثر في تنفيذ التفاهمات الإدارية والفنية أبقى المحافظة في وضع استثنائي مقارنة ببقية المحافظات السورية، وهو ما انعكس على ملفات متعددة، من بينها ملف استبدال العملة.

مؤشرات على انفراج قريب

رغم استمرار الأزمة، برزت خلال الأيام الماضية مؤشرات توحي بإمكانية إعادة تفعيل بعض الخدمات المصرفية.

فبحسب مصدر حكومي في الحسكة تحدث إلى عنب بلدي، استقبل مدير فرع مصرف سوريا المركزي في الحسكة نوري الشمدين، في 15 حزيران الحالي، وفدًا مشتركًا من إدارة المصرف المركزي في دمشق ومكتب النقد التابع للإدارة الذاتية.

يوضح المصدر أن الزيارة هدفت إلى الاطلاع على سير العمل، والتحضير لاستئناف تقديم الخدمات خلال الأيام المقبلة.

ويضيف أن الاجتماع ناقش استمرار سريان الفئات النقدية الحالية حتى 30 تموز المقبل، مع إتاحة الفرصة للمواطنين لاستبدالها عبر المصرف لمدة تصل إلى خمس سنوات، في حال استئناف العمل بشكل طبيعي.

وحضر اللقاء أمين عام المحافظة بسام سفر وعدد من المسؤولين المعنيين بالقطاع المصرفي.

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة تصريحات سابقة لحاكم المصرف المركزي السابق عبد القادر الحصرية، الذي قال في أيار الماضي إن المصرف يعمل على تعزيز عمليات الاستبدال في المحافظات التي شهدت ضعفًا في التنفيذ، مشيرًا آنذاك إلى خطط لافتتاح مراكز جديدة في الحسكة والرقة.

خبير اقتصادي: التأخير يهدد بخلق سوق نقدية موازية

يرى الخبير الاقتصادي مهند العبد الله، أن استمرار تأخر عملية الاستبدال في الحسكة يخلق تشوهات نقدية بين المحافظات السورية ويؤثر في حركة التجارة والتعاملات المالية.

ويقول العبد الله لعنب بلدي، إن وجود نوعين من الكتلة النقدية المتداولة لفترة طويلة، مع اختلاف فرص الوصول إلى خدمات الاستبدال بين منطقة وأخرى، قد يؤدي إلى ظهور أسواق موازية تتعامل بالفئات القديمة بشروط وأسعار مختلفة.

ويتابع، أن المصارف لا تؤدي فقط وظيفة استبدال العملة، بل تمثل أيضًا أداة لضبط السيولة وتنظيم الحركة النقدية داخل الاقتصاد، وبالتالي فإن غيابها لفترة طويلة يرفع من مستوى المخاطر المالية ويضعف قدرة المواطنين على إدارة مدخراتهم وأعمالهم التجارية.

تمديد المهلة، بحسب الخبير، يشكل خطوة إيجابية تمنح السكان وقتًا إضافيًا، لكنه شدد على أن الحل الحقيقي يتمثل في إعادة تفعيل المؤسسات المالية الرسمية داخل المحافظة وتوفير نقاط استبدال قريبة من المواطنين.

ويرى أن أي عملية استبدال واسعة تحتاج إلى بنية مصرفية فعالة، وآليات واضحة تضمن وصول جميع المواطنين إليها دون تكاليف إضافية، أو أخطار تتعلق بالنقل والتحويل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة