ريف حماة.. “ابتزاز” الحصادات يستنزف هامش الربح لمزارعي القمح

محدودية عدد الحصادات المتوفرة تؤخر حصاد القمح في سهل الغاب - 20 أيار 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

camera iconمحدودية عدد الحصادات المتوفرة تؤخر حصاد القمح في سهل الغاب - 20 أيار 2026 (عنب بلدي/ إياد عبد الجواد)

tag icon ع ع ع

يواجه مزارعو ريف حماة، مع انطلاق موسم حصاد القمح للموسم الحالي، واقعًا مريرًا تحولت فيه آلات الحصاد من أدوات إنقاذ للموسم إلى أدوات ابتزاز تستنزف ما تبقى من هامش ربح الفلاح.

فبينما كانت التسعيرة الرسمية تمنح المزارعين بصيص أمل، فرض نقص الحصادات واحتكار أصحابها واقعًا موازيًا من التسعير العشوائي، والشروط المجحفة، ورحلة بحث مضنية عن “حصادة وجرار” في آن واحد، وسط خوف دائم من شبح الحرائق الذي يهدد بتحويل التعب إلى رماد، في مشهد يصفه مزارعون بأنه “استغلال ممنهج” يستنزف المحصول قبل وصوله إلى الصوامع.

حصادات تستنزف هامش الربح

علاء الأحمد، أحد المزارعين من بلدة الجلمة بريف حماة، روى لعنب بلدي تفاصيل الأزمة اليومية التي يعيشها الفلاحون، ووصف واقع الحصاد في قريته بأنه “احتكار قاسٍ لا خيار للمزارع أمامه”.

وتحدث الأحمد عن سيطرة صاحب الحصادة الوحيدة في المنطقة الذي فرض تسعيرة 15 دولارًا للدونم، متجاهلًا التسعيرة الرسمية التي حددتها الحكومة عند 150 ألف ليرة سورية (ما يعادل 10 دولارات)، وأشار إلى أن محاولته الاعتراض على هذا الفارق قوبلت بالرفض، ما اضطره للقبول بالأمر الواقع لعدم وجود أي خيار بديل.

وقال إن جميع المزارعين في المنطقة يعانون من ارتفاع الأجر، بينما يرفض أصحاب الحصادات الالتزام بالتسعيرة الحكومية التي وصفها بالمعقولة، مؤكدًا أن مبلغ 15 دولارًا يثقل كاهلهم اقتصاديًا، خصوصًا أنهم يدفعون بالليرة السورية، ما يضاعف خسائرهم المتراكمة.

ولا تقتصر المعاناة على أجر الحصاد فقط، بحسب الأحمد، بل تمتد إلى أجور نقل المحصول إلى الصوامع، وهي مهمة منفصلة تمامًا تتطلب “تراكتورات” يتقاضى أصحابها 100 دولار عن كل نقلة، مع خطر فرض أجور إضافية في حال أي تأخير في التفريغ، ما يزيد التكاليف ويدفع بالمزارع إلى مأزق مالي حقيقي.

وكشف أن كثيرًا من المزارعين في القرية باعوا محاصيلهم بخسارة، واضطروا للحصاد بهذه الأسعار الباهظة، خوفًا من حرائق قد تدمر الموسم بالكامل، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الأعشاب الذي يحول الحقول إلى كتلة قابلة للاشتعال في أي لحظة.

إنتاجية ضعيفة تبتلع المحصول

لا تقتصر المأساة عند البعض على أجر الحصاد فحسب، بل تمتد إلى جدوى الحصاد نفسه في ظل إنتاجية هزيلة لا تكاد تغطي التكاليف.

المزارع محمود العجبة، من قرية أبو حكفة بريف حماة، كشف وجهًا آخر من الأزمة يضاف إلى فاتورة المعاناة الجماعية.

وذكر في حديثه لعنب بلدي، أن الأراضي التي تعتمد على مياه الأمطار، أو ما يعرف بالأراضي “العية”، إنتاجها ضئيل جدًا وقد لا يتجاوز 100 كيلو غرام للدونم الواحد.

وهذه الإنتاجية “الهزيلة” تعني أن قيمة المحصول بالكاد تغطي أجور الحصاد و”التراكتور”، فيخرج المزارع في نهاية المطاف دون أي أرباح تذكر.

وأضاف العجبة أن هذه المعادلة “القاسية”، حيث يدفع المزارع تكاليف تفوق قيمة المحصول أصلًا، تدفع بالكثيرين إلى التخلي عن الحصاد بالكلية، أو بيع المحصول قائمًا على الأرض لتجار الجملة بأسعار بخسة، لتجنب المزيد من الخسائر المتراكمة التي لا قبل لهم بتحملها.

رحلة استجداء ومخاوف من الحرائق

أما صالح هوشة، رئيس بلدية الحوارات بريف حماة وأحد مزارعي منطقة الغاب، فاختصر واقع الموسم الحالي بعبارات تعكس حجم المعاناة، مشيرًا إلى أن تأمين “الحصادة والجرار” معًا تحول إلى رحلة بحث مضنية تستنفد طاقة المزارع وماله.

وروى هوشة لعنب بلدي تفاصيل المعاناة اليومية، موضحًا أن العملية برمتها مرتبطة بوجود الآلتين في آن واحد، وهو أمر نادر الحدوث، حيث يخرج المزارعون للبحث مستجدين أصحابها، لكنهم لا يلقون سوى وعود متكررة ومماطلة مستمرة.

وأضاف أن الفلاح يعيش حالة قلق دائم خوفًا من نشوب حرائق قد تلتهم محاصيله في أي لحظة مع ارتفاع درجات الحرارة، مما يضطره للقبول بالشروط المجحفة وأجور الحصاد الباهظة رغمًا عنه.

وكشف هوشة، عن تعقيدات إضافية تتعلق بتنظيم الأدوار، حيث أن تخلف المزارع عن دوره لعدم توفر حصادة يؤدي إلى إلغاء دوره وتأجيله لعشرة أيام، ما يرتب أعباءً إضافية من نقل وتفريغ وإعادة تعبئة، في دورة مكلفة تأكل ما تبقى من عائد الموسم.

تسعيرة رسمية تواجه احتكارًا

في سياق المساعي الرسمية لتنظيم الموسم الزراعي وضبط تكاليف الإنتاج، أصدر المكتب التنفيذي لمجلس محافظة حماة قرارًا وضع محددات سعرية واضحة لأجور حصاد الدونم الواحد من محصولي القمح والشعير، استنادًا إلى مقترحات مديرية زراعة حماة.

وتراوحت الأجور بين 125 ألفًا و175 ألف ليرة للدونم المروي من القمح بحسب طريقة تعبئة التبن، و75 ألفًا إلى 100 ألف للبعل، فيما حددت للشعير بين 115 ألفًا و160 ألفًا للسقي، و70 ألفًا إلى 95 ألفًا للبعل، مع تحديد أجر نقل الجرار المحمل بالقمح إلى مراكز الحبوب بمئة ليرة جديدة لكل كيلومتر.

لكن هذه التسعيرة الرسمية، التي وصفها مزارعون بالمعقولة، اصطدمت بواقع ميداني مختلف تمامًا، إذ يستغل أصحاب الحصادات النقص الحاد في عدد الآلات الذي لا يترك في بعض المناطق سوى حصادة واحدة، ويفرضون أجورًا تتراوح بين 10 و15 دولارًا للدونم (ما يعادل 150 ألفًا إلى 225 ألف ليرة)، متجاهلين المحددات الرسمية.

وطالب المزارعون الجهات المعنية بالالتفات إلى ريف حماة الذي يشكل “سلة غذاء سوريا” كما وصفه علاء الأحمد، مؤكدين أنهم يمتلكون الأراضي لكنهم يفتقرون إلى أبسط مستلزمات الإنتاج.

ودعوا إلى تأمين حصادات إضافية، وضبط عملية تنظيم الأدوار عبر المنصة الإلكترونية بشكل عادل، ليعود للفلاح قدرته على فرض شروطه واختيار وقت الحصاد دون ابتزاز، وتسترد كرامته التي سلبتها الحاجة والاحتكار معًا.

أما رئيس بلدية الحوارات، قدم حل لإنهاء هذه الأزمة، متمثلًا في تأمين حصادات إضافية للمنطقة، وضبط عملية تنظيم الأدوار عبر المنصة الإلكترونية بشكل عادل. كي يمتلك الفلاح القدرة على فرض شروطه، واختيار الوقت المناسب لحصاد أرضه دون ابتزاز.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه شكاوى المزارعين، لم تصدر مديرية زراعة حماة أو المحافظة أي توضيحات رسمية بشأن آليات الرقابة على التزام الحصادات بالتسعيرة المحددة، أو خطط توفير آلات إضافية لإنهاء الاحتكار.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة