غرف قضائية لمحاكمة مرتكبي الانتهاكات.. ما أثرها على العدالة الانتقالية؟

وزير العدل مظهر الويس يناقش مع القضاة الغرف القضائية المختصة بمسار العدالة الانتقالية ـ 21 حزيران 2026 (وزارة العدل السورية)

camera iconوزير العدل مظهر الويس يناقش مع القضاة الغرف القضائية المختصة بمسار العدالة الانتقالية - 21 حزيران 2026 (وزارة العدل السورية)

tag icon ع ع ع

أعلنت وزارة العدل السورية تخصيص غرف قضائية مختصة بمسار العدالة الانتقالية في كل عدلية بالمحافظات السورية.

وذكرت الوزارة، الأحد 21 من حزيران، أن صاحب الشكوى يتقدم مباشرة إلى النيابة العامة في العدلية المختصة بمسار العدالة الانتقالية، ثم يُفتح تحقيق وتُجمع الأدلة عبر قاضي التحقيق المختص، تمهيدًا لإحالتها إلى قاضي الإحالة ومحكمة الجنايات المختصة.

وأضافت أن هذا الإجراء يسهم في تسريع مسار العدالة الانتقالية، وتلبية مطالب الشارع السوري، بحسب تعبير الوزارة.

استجابة لمطالب الشارع السوري

المحامي العام بدمشق، القاضي حسام خطاب، قال إن قرار تخصيص غرف قضائية متخصصة بمسار العدالة الانتقالية في كل عدلية من عدليات المحافظات، يجسد الاستجابة السريعة لمطالب الشارع السوري المحقة بمحاسبة مرتكبي الجرائم، وترسيخ دعائم الاستقرار القانوني.

وقال خطاب في تصريح لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن هذه الغرف تشمل نيابة عامة لتسجيل الشكاوى والإخبارات، ودائرة تحقيق مركزية، ومحكمة جنايات مختصة، وتعد نقلة إجرائية “جوهرية”، إذ تُتيح للمواطن المتضرر أو ذوي الضحايا التقدم مباشرة بالشكوى في المحافظة التي يقطنون فيها، دون عناء التنقل بين الدوائر، ما يختصر الزمن الإجرائي ويُسرّع في عجلة العدالة.

وأكد أن وزارة العدل برؤيتها التطويرية تعمل على تذليل كل الصعوبات أمام المتضررين، وتوفير بيئة قانونية عادلة تُلبي تطلعات الشعب السوري بالقصاص العادل، وتحقق الاستقرار المجتمعي المنشود.

خطوة لمكافحة الإفلات من العقاب

بدوره، المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن قرار وزارة العدل القاضي بإنشاء غرف قضائية متخصصة بمسار العدالة الانتقالية في جميع العدليات السورية، يعد من حيث المبدأ خطوة قانونية مهمة تنسجم مع مقتضيات المرحلة الانتقالية ومع الالتزامات الدستورية والقانونية الواقعة على عاتق الدولة في مجال مكافحة الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا.

الإعلان الدستوري المؤقت للمرحلة الانتقالية، أكد على مبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء وتحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها السوريون خلال العقود الماضية، وهو ما يفرض على السلطات القضائية إنشاء آليات متخصصة وقادرة على التعامل مع هذا النوع من الجرائم المعقدة، وفقًا للكيلاني.

ومن الناحية القانونية، أوضح أن تخصيص نيابة عامة وقضاة تحقيق ومحاكم جنايات مختصة بقضايا العدالة الانتقالية ينسجم مع مبدأ التخصص القضائي الذي يهدف إلى رفع كفاءة العمل القضائي وتوحيد الاجتهادات القانونية في القضايا المرتبطة بجرائم التعذيب والقتل خارج نطاق القانون والإخفاء القسري والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

كما أنه ينسجم مع حق الضحايا في الوصول إلى العدالة والانتصاف الفعال المنصوص عليه في المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

مسار قضائي متكامل

المحامي العام بدمشق، القاضي حسام خطاب، أوضح أن الآلية الجديدة تضمن مسارًا قضائيًا متكاملًا، يبدأ بتسجيل البلاغ لدى النيابة العامة المختصة، ثم التدقيق الشكلي واستكمال الأوراق، تليه إحالة القضية إلى الجهات المختصة في وزارة الداخلية للحصول على التحقيقات الأولية، ومن ثم إحالتها إلى قاضي التحقيق المختص لاستكمال جمع الأدلة والاستماع إلى الشهود.

ويأتي ذلك تمهيدًا لإحالة الملف إلى قاضي الإحالة ومحكمة الجنايات المخصصة للعدالة الانتقالية، التي تفصل في القضايا وفق أحكام القانون.

وأشار إلى أن توزيع الاختصاصات بين دوائر محددة وواضحة سيسهم في رفع كفاءة الأداء القضائي، وتقليل حالات التأخير التي كانت تعتري الإجراءات سابقًا.

وشدد خطاب على أن هذه الخطوة ليست مجرد ترتيب إداري، بل هي تجسيد لإرادة الدولة في تحقيق الإنصاف للمتضررين، وإرساء مبدأ سيادة القانون، والرد الرادع لكل من تسوّل له نفسه انتهاك حقوق السوريين.

نجاح مرهون بمحاكمات عادلة

أما المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني فيربط أهمية الخطوة بأنه لا ينبغي أن تحجب حقيقة أساسية مفادها أن العدالة الانتقالية ليست مجرد إنشاء غرف قضائية أو محاكم متخصصة، بل هي منظومة متكاملة تقوم على أربعة أركان رئيسة هي كشف الحقيقة، والمساءلة القضائية، وجبر الضرر للضحايا، وإصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

ولذلك فإن نجاح هذه الغرف لن يقاس بقرار إنشائها أو بعدد الملفات المحالة إليها، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق محاكمات عادلة وفعالة خلال مدة زمنية معقولة.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع حول توقيت إنشاء هذه الغرف، ولا سيما في ظل وجود عدد من الموقوفين منذ أكثر من عام دون أن تصدر بحقهم أحكام قضائية نهائية أو أن تبدأ محاكماتهم بصورة مكتملة، بحسب الكيلاني.

من منظور حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، يمكن القول إن هذه الخطوة جاءت “متأخرة نسبيًا”، لأن مقتضيات المرحلة الانتقالية كانت تستوجب منذ بدايتها إنشاء بنية قضائية متخصصة تتولى النظر في هذه القضايا الحساسة، فالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة لا تحمي حقوق الضحايا فقط، وإنما تحمي أيضًا حقوق المتهمين.

وقد نصت المادة “9/3” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن كل شخص يتم توقيفه أو اعتقاله بتهمة جزائية يجب أن يحاكم خلال مدة معقولة أو يفرج عنه، كما أكدت المادة “14/3/ج” من العهد ذاته حق كل متهم في أن تتم محاكمته دون تأخير لا مبرر له.

ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في سياق العدالة الانتقالية، لأن استمرار التوقيف لفترات طويلة دون محاكمة قد يؤدي إلى المساس بمبدأ قرينة البراءة ويؤثر في شرعية العملية القضائية برمتها.

وفي المقابل، فإن التأخير في المحاكمات لا يمس حقوق المتهمين وحدهم، بل يمس أيضًا حقوق الضحايا وذويهم.

فالعدالة الانتقالية، وفقًا للكيلاني، تقوم على حق الضحايا في معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات خلال فترة زمنية معقولة، وأي تأخير طويل في الإجراءات قد يؤدي إلى إضعاف الثقة الشعبية بمؤسسات العدالة وإلى شعور الضحايا بأن الدولة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها القانونية والأخلاقية.

ومن هنا فإن المطلوب اليوم، وفق رأيه، لا يقتصر على افتتاح غرف قضائية متخصصة، بل يتطلب خطة شاملة لتسريع وتيرة المحاكمات دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة.

ويبدأ ذلك بزيادة عدد قضاة التحقيق وأعضاء النيابة العامة المخصصين لملفات العدالة الانتقالية، وإنشاء فرق تحقيق متفرغة ومدربة على توثيق الانتهاكات الجسيمة وجمع الأدلة وتحليلها، واعتماد أنظمة إلكترونية لإدارة الملفات القضائية، وإعطاء الأولوية المطلقة للقضايا التي يوجد فيها موقوفون، فضلًا عن وضع جداول زمنية واضحة لمراحل التحقيق والإحالة والمحاكمة، وتوفير برامج فعالة لحماية الشهود والضحايا، بحسب الكيلاني.

كما أن من الضروري نشر بيانات وإحصاءات دورية حول عدد الشكاوى المسجلة وعدد التحقيقات المفتوحة وعدد قرارات الإحالة والأحكام الصادرة، لأن الشفافية تشكل أحد أهم عناصر بناء الثقة العامة بمسار العدالة الانتقالية.

وتتلخص أبرز البنود التي تناولها المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني بالآتي:

  •  إنشاء الغرف القضائية المتخصصة يمثل خطوة صحيحة ومطلوبة وتنسجم مع الإعلان الدستوري ومع التزامات سوريا القانونية والدولية.
  •  الخطوة جاءت بعد فترة كان من المفترض خلالها أن تكون المحاكمات قد بدأت بصورة أكثر انتظامًا وفعالية.
  •  نجاح الغرف لن يقاس بالهياكل التنظيمية التي أُنشئت، وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة دقيقة تقوم على محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، وإنصاف الضحايا، واحترام حقوق المتهمين وضمان محاكمتهم خلال مدة معقولة أمام قضاء مستقل ومحايد.
  • جوهر العدالة الانتقالية ليس العقاب بحد ذاته، وإنما إعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون ومنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.

عنب بلدي تفتح ملف التوقيف دون مذكرات قضائية



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة