النساء يتصدرن العمل الزراعي بالحسكة.. أجور متدنية وحماية غائبة

camera iconامرأة تعمل في أحد حقول الخضار شمالي الحسكة – 15 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

مع دخول محافظة الحسكة ذروة الموسم الزراعي، تتوزع مئات النساء يوميًا بين حقول القمح والشعير وحقول القطن والخضراوات والمحاصيل العطرية، في مشهد يعكس الدور الذي تؤديه المرأة الريفية في دعم اقتصاد الأسرة، لكنه يكشف في الوقت ذاته حجم التحديات التي تواجهها عاملات الزراعة اللواتي يتقاضين أجورًا متدنية مقابل أعمال شاقة تمتد لساعات طويلة تحت أشعة الشمس.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه المزارعون بحصاد القمح والشعير، تتزامن أعمال أخرى لا تقل أهمية في الحقول، مثل جمع التبن وتنظيف القطن من الأعشاب الضارة، وحصاد الكمون والكزبرة، وجني الخضراوات الصيفية، وهي أعمال تعتمد بدرجة كبيرة على الأيدي العاملة النسائية التي أصبحت تشكل جزءًا أساسيًا من الدورة الزراعية في أرياف المحافظة.

النساء أصبحن يشكلن النسبة الكبرى من العمالة الموسمية في كثير من القرى، خصوصًا مع هجرة العديد من الرجال في الأرياف إلى خارج البلاد بحثًا عن فرص عمل أفضل، أو انتقالهم اليومي إلى المدينة للقيام بأعمال لا تقل عناء عن أعمال النساء، ما دفع النساء إلى تحمل أعباء إضافية داخل الحقول إلى جانب مسؤولياتهن المنزلية.

تعبئة التبن.. أجور لا توازي الجهد

مع انتهاء الحصادات من جمع محصولي القمح والشعير، تبدأ مرحلة أخرى من العمل الشاق تتمثل في جمع التبن وتعبئته لاستخدامه علفًا للماشية خلال العام.

وقالت نورة العلي، من ناحية تل براك شمال شرقي الحسكة، إن عددًا كبيرًا من النساء ينتقلن مباشرة إلى هذه المرحلة بعد انتهاء عمليات الحصاد.

وأضافت لعنب بلدي أن أجور تعبئة “شلول” (حزم) التبن لا تزال منخفضة رغم الجهد المبذول، إذ تحصل العاملة على نحو ألفي ليرة سورية مقابل كل “شل” يتم تجهيزه وربطه.

وأوضحت أن العاملة تستطيع إنجاز ما بين 15 و20 “شلًا” يوميًا في أفضل الأحوال، بحسب كثافة التبن ودرجات الحرارة وعدد العاملات الموجودات في الحقل، ما يجعل الدخل اليومي محدودًا مقارنة بتكاليف المعيشة الحالية.

وقالت إن العمل يبدأ منذ ساعات الصباح الأولى لتجنب الحر الشديد، لكنه يتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا بسبب رفع التبن وضغطه وربطه وتجميعه في مكان واحد.

وأضافت أن كثيرًا من النساء اللواتي يعملن في هذا المجال هن أرامل أو زوجات لعمال ومزارعين محدودي الدخل، ما يجعلهن مضطرات لقبول الأجور المتاحة مهما كانت منخفضة.

تنظيف القطن.. ساعات طويلة من الانحناء

بالتزامن مع حصاد الحبوب، تشهد مناطق واسعة من الحسكة استمرار أعمال خدمة محصول القطن، وعلى رأسها إزالة الأعشاب الضارة المعروفة محليًا باسم “العفش”.

وتعد هذه العملية من أكثر الأعمال الزراعية اعتمادًا على النساء، إذ تتطلب المرور بين خطوط القطن واقتلاع الأعشاب يدويًا للحفاظ على نمو النباتات وتحسين إنتاجيتها.

وقالت سلمى الحمد من ريف الحسكة الشمالي، إن تنظيف القطن من الأعشاب يحتاج إلى ساعات طويلة من العمل المتواصل، مضيفة أن النساء يبقين في الحقول منذ الصباح حتى ساعات الظهيرة أو العصر مقابل أجور يومية تتراوح غالبًا بين 40 و60 ألف ليرة سورية.

وأضافت أن هذه المهمة تعد من أكثر الأعمال إرهاقًا بسبب الانحناء المستمر والحركة المتكررة بين خطوط الزراعة، خصوصًا خلال أشهر الصيف التي تشهد درجات حرارة مرتفعة في المنطقة.

وتابعت أن بعض النساء يعملن أيضًا في غرس القطن خلال بداية الموسم، ثم يعدن للعمل في تنظيفه خلال مراحل نموه المختلفة، ما يجعل ارتباطهن بالمحصول يمتد لأشهر طويلة من السنة.

الكمون والكزبرة بجهد نسائي

لا يقتصر عمل النساء على القمح والقطن، إذ تشهد مناطق زراعة الكمون والكزبرة في الحسكة إقبالًا كبيرًا على العمالة النسائية خلال فترة الحصاد.

ويعتمد المزارعون على النساء في جمع المحصول وفرزه وتنظيفه وتجهيزه للنقل والتخزين، نظرًا لما تتطلبه هذه المحاصيل من دقة وعناية خلال عمليات الجمع.

وتتراوح الأجور اليومية في هذه الأعمال بين 60 و100 ألف ليرة سورية بحسب طبيعة العمل والمسافة التي تقطعها العاملات للوصول إلى الحقول، بينما ترتفع الأجور قليلًا في بعض المناطق التي تعاني نقصًا في اليد العاملة.

ويقول مزارعون إن النساء أصبحن عنصرًا رئيسًا في مواسم الكمون والكزبرة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في القرى التي تعتمد على هذه المحاصيل بوصفها مصدرًا مهمًا للدخل الزراعي.

عائلات تعتمد على جني الخضراوات

في شمال غربي الحسكة، تعمل بردة العبد الله، وهي سيدة خمسينية، إلى جانب ابنتين لها في جني الخضراوات خلال المواسم الزراعية المختلفة.

وقالت لعنب بلدي، إن العمل في الحقول أصبح مصدر الدخل الأساسي للأسرة، موضحة أنهن ينتقلن بين مزارع الخيار والبندورة والكوسا والفليفلة بحسب الموسم.

وأضافت أن يوم العمل يبدأ في كثير من الأحيان قبل شروق الشمس لتجنب درجات الحرارة المرتفعة، ويستمر حتى الظهر أو بعده بحسب حجم الإنتاج المطلوب جمعه.

وأشارت إلى أن الأجور اليومية تتراوح غالبًا بين 60 و100 ألف ليرة سورية، لكنها ترى أن هذه المبالغ لم تعد كافية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والمحروقات والنقل.

وأضافت أن عددًا كبيرًا من العاملات هن معيلات لأسرهن أو يساهمن بشكل رئيس في دخل العائلة، الأمر الذي يجعلهن أكثر ارتباطًا بالعمل الموسمي رغم ظروفه الصعبة.

أجور متدنية مقارنة بتكاليف المعيشة

رغم أهمية الدور الذي تؤديه النساء في القطاع الزراعي، فإن العاملات يشتكين من عدم تناسب الأجور مع حجم الجهد المبذول.

ولا تستطيع معظم العاملات تأمين سوى جزء بسيط من الاحتياجات في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، كما تفتقر العاملات إلى أي نوع من الحماية الاجتماعية أو الصحية، إذ يتم تشغيلهن غالبًا بشكل يومي أو موسمي دون عقود عمل أو ضمانات أو تعويضات في حال الإصابة خلال العمل.

وتقول عاملات إن الأجر اليومي قد يبدو مرتفعًا عند النظر إليه بشكل منفصل، لكنه يصبح محدودًا للغاية بعد احتساب عدد أيام العمل الفعلية خلال الموسم والنفقات المترتبة على الطعام ومتطلبات الأسرة.

خبير اقتصادي: المرأة ركيزة الإنتاج الزراعي

يرى الخبير الاقتصادي عبد الحميد الصالح أن توسع مشاركة النساء في القطاع الزراعي خلال السنوات الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بتدهور الظروف الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر في الأرياف السورية.

وقال الصالح لعنب بلدي، إن المرأة الريفية لم تعد مجرد عنصر مساعد في العملية الزراعية، بل أصبحت في كثير من المناطق إحدى الركائز الأساسية للإنتاج الزراعي.

وأضاف أن انخفاض الأجور يعود إلى عدة عوامل، أبرزها وفرة اليد العاملة الباحثة عن أي فرصة عمل، وغياب التنظيم القانوني لسوق العمالة الزراعية، وعدم وجود جهات تدافع عن حقوق العاملات أو تحدد أجورًا عادلة لهن.

وأوضح أن النساء يتقاضين في كثير من الحالات أجورًا أقل من الرجال رغم قيامهن بأعمال مشابهة أو أكثر دقة، وهو ما يعكس اختلالات مزمنة في سوق العمل الزراعي.

وأشار إلى أن القيمة الاقتصادية لعمل النساء تتجاوز ما يحصلن عليه من أجور مباشرة، لأنهن يشاركن أيضًا في تربية الدواجن والماشية والأعمال المنزلية ورعاية الأطفال، ما يضاعف من مساهمتهن في اقتصاد الأسرة الريفية.

تقارير دولية تتحدث عن مشاركة النساء في الزراعة

تؤكد تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من القوة العاملة الزراعية في بلدان الشرق الأوسط، ويشاركن في مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، من الزراعة والعناية بالمحاصيل إلى الحصاد والتخزين والتسويق.

كما أشارت دراسات أكاديمية تناولت واقع النساء العاملات في الزراعة السورية إلى أنهن يتركزن غالبًا في الأعمال الموسمية والأقل أجرًا، ويعملن في ظروف تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية.

وأظهرت تقارير صحفية سابقة لعنب بلدي استمرار معاناة العاملات الزراعيات في عدة محافظات سورية بسبب انخفاض الأجور وغياب الحقوق العمالية، رغم اعتماد القطاع الزراعي بشكل متزايد على عمل النساء خلال المواسم المختلفة.

وبين حصاد القمح والشعير، وتنظيف القطن، وجمع الكمون والكزبرة، وجني الخضراوات، تواصل نساء الحسكة العمل في دورة زراعية متواصلة تمتد على مدار أشهر طويلة من السنة.

وبينما تشكل أجورهن المتواضعة موردًا أساسيًا لعائلات كثيرة، يبقى واقع عاملات الزراعة واحدًا من أبرز مظاهر التحديات الاقتصادية التي تواجهها النساء في الأرياف السورية، حيث تتزايد الأعباء والمسؤوليات بوتيرة أسرع بكثير من ارتفاع الأجور.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة