
انتشار عناصر الأمن الداخلي في تل عجاجة الأثري بريف الحسكة الجنوبي – 23 حزيران 2026 (الخابور)

انتشار عناصر الأمن الداخلي في تل عجاجة الأثري بريف الحسكة الجنوبي – 23 حزيران 2026 (الخابور)
تشهد محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا، تحركًا أمنيًا جديدًا يستهدف حماية المواقع الأثرية والتلال المنتشرة في ريفها الجنوبي، في ظل تزايد عمليات النبش العشوائي والنهب التي طالت خلال الفترة الماضية عددًا من أبرز المواقع ذات القيمة التاريخية الممتدة من العصور الآشورية وصولًا إلى الفترات الإسلامية.
وذكرت مديرية إعلام الحسكة، الثلاثاء 23 من حزيران، أن قوات الأمن الداخلي بمحافظة الحسكة أطلقت حملة أمنية ميدانية تهدف إلى وقف الاعتداءات المتكررة على المواقع الأثرية، وتعزيز الرقابة على التلال المنتشرة في المنطقة، مع فتح تحقيقات موسعة حول الخروقات المسجلة مؤخرًا، ولا سيما في المناطق القريبة من مدينة الشدادي وريفها الجنوبي.
وتأتي هذه الخطوة بعد رصد نشاط متزايد لعمليات حفر غير قانونية، يُشتبه بأنها تتم بهدف استخراج قطع أثرية وتهريبها عبر شبكات محلية، في ظل ضعف الرقابة وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع البعيدة.
في إطار الحملة، داهمت دوريات تابعة للأمن الداخلي موقع تل عربان الأثري في منطقة عجاجة بريف الحسكة الجنوبي، وهو أحد أبرز التلال التي تعرضت خلال السنوات الماضية لعمليات حفر واسعة النطاق.
وبحسب مديرية إعلام الحسكة، فإن العملية الأمنية هدفت إلى ضبط المتورطين في أعمال النهب أو التنقيب غير المشروع، إضافة إلى توثيق الأضرار التي لحقت بالموقع، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.
كما شملت الإجراءات تعزيز الانتشار الأمني في محيط عدد من التلال الأثرية الأخرى، في محاولة لوقف النشاطات الليلية التي وثّقها سكان محليون خلال فترات سابقة، والتي كانت تتم غالبًا باستخدام معدات يدوية وأحيانًا آليات ثقيلة.
مدير التنقيب والدراسات الأثرية في المديرية العامة للآثار والمتاحف، أيمن النابو، أوضح في حديث لعنب بلدي، أن المديرية تتابع أوضاع المواقع الأثرية في مختلف المحافظات السورية عبر تقارير دورية ترد من الدوائر الفرعية، ويتم التعامل معها وفق القوانين والأنظمة المعمول بها، وبالتنسيق مع المؤسسات الأمنية.
وبخصوص محافظة الحسكة، قال النابو إن دائرة آثار الحسكة رفعت تقارير تفصيلية حول الانتهاكات المسجلة، ما استدعى توجيه كتب رسمية إلى وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة للتدخل العاجل.
وأضاف أن إطلاق الحملة الأمنية جاء بعد تأخر نسبي فرضته الظروف الأمنية والإدارية في المحافظة، مؤكدًا أن التنسيق بين المديرية والجهات الأمنية مستمر بهدف حماية المواقع الأثرية ومنع استمرار التعديات.
أشار النابو إلى أن المديرية تزود الجهات الأمنية بأسماء المواقع الأثرية التي تتعرض للانتهاك، إضافة إلى تحديد نطاقاتها الجغرافية بما يتيح للقوات المنتشرة التعامل معها وفق الاختصاص المكاني.
وأوضح أن الخطة الحالية تشمل جميع المواقع الأثرية في محافظة الحسكة، وليس موقعًا واحدًا فقط، لكن تنفيذها يتم تدريجيًا وفق الواقع الأمني والإمكانات المتاحة.
كما أكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيزًا للرقابة من خلال زيادة عدد الحراس والمراقبين، وتزويدهم بوسائل تنقل مثل الدراجات النارية والسيارات، إضافة إلى تطوير وسائل الاتصال السريع لتسهيل التدخل الفوري في حال وقوع أي اعتداء.
رغم إطلاق الحملة، يقر المسؤولون بوجود تحديات كبيرة تعوق حماية فعالة للمواقع الأثرية في ريف الحسكة الجنوبي.
وأشار النابو إلى أن أبرز هذه التحديات يتمثل في نقص الموارد البشرية، وابتعاد المواقع الأثرية عن المراكز الإدارية، إضافة إلى اتساع رقعة التلال الأثرية وانتشارها في مناطق مفتوحة، ما يصعّب عملية المراقبة الدورية.
كما لفت إلى ضعف وسائل النقل المخصصة للمتابعة الميدانية، وهو ما يحد من القدرة على الاستجابة السريعة للتجاوزات، مؤكدًا أن المديرية تعمل ضمن خطة زمنية لتحسين هذه الظروف تدريجيًا.
الموقع الذي شهد المداهمة الأمنية الأخيرة، تل عربان (عجاجة)، يُعد من المواقع الأثرية البارزة في ريف الحسكة الجنوبي، ويعود إلى العصر الآشوري الحديث بين عامي 950 و612 قبل الميلاد، مع وجود طبقات أثرية لاحقة تعود للفترة الإسلامية.
الباحث الآثاري سالم العيسى أوضح لعنب بلدي أن التل تعرض خلال السنوات الماضية لعمليات حفر متكررة تسببت بأضرار كبيرة في طبقاته الأثرية، ما أدى إلى فقدان أجزاء من سياقه التاريخي.
وأشار إلى أن التنقيب غير الشرعي لا يقتصر على سرقة القطع الأثرية، بل يؤدي إلى تدمير البنية الطبقية للموقع، ما يجعل إعادة قراءة تاريخه العلمي أمرًا بالغ الصعوبة حتى لو تم استرداد بعض اللقى.
وأضاف العيسى أن الموقع يحتاج إلى حماية ميدانية دائمة وليس تدخلات مؤقتة، داعيًا إلى تعزيز الحضور الأمني في المنطقة بشكل مستمر.
كما شدد على ضرورة إنشاء شرطة متخصصة لحماية الآثار، تتكون من كوادر مؤهلة في المجال الأثري، معتبرًا أن ذلك قد يسهم في الحد من التعديات وتوفير فرص عمل لخريجي الآثار.
على الأرض، ينقل سكان محليون صورة أكثر تعقيدًا للوضع. محمود الصالح، من سكان قرية عجاجة، قال إن التل الأثري “لم يعد كما كان”، مشيرًا إلى أن عمليات الحفر مستمرة خصوصًا خلال ساعات الليل.
وأضاف أن مجموعات مجهولة تنفذ عمليات تنقيب متكررة في مواقع مختلفة من التل، وتغادر بعد ساعات، ما يترك خلفها خنادق واضحة يمكن ملاحظتها يوميًا.
وبحسب شهادته، فإن بعض هذه العمليات تتم باستخدام معدات حديثة، ما يشير إلى أن النشاط ليس فرديًا بالكامل، بل قد يكون منظمًا ضمن شبكات تبحث عن القطع الأثرية.
وفي قرية طابان القريبة من موقع أثري آخر، قال رجب العلي، إن التل تعرض لعمليات سرقة متكررة، مؤكدًا أن بعض القطع التي يتم استخراجها تُباع في السوق بشكل سري دون معرفة وجهتها النهائية.
وأشار إلى أن غياب الرقابة الفعلية ساهم في تفاقم الظاهرة، مضيفًا أن بعض السكان باتوا ينظرون إلى التلال الأثرية كمصدر دخل، رغم المخاطر القانونية والثقافية لذلك.
يرى باحثون في الشأن الأثري أن استمرار عمليات النهب يمثل تهديدًا مباشرًا للهوية التاريخية للمنطقة، وليس فقط فقدانًا للقطع الأثرية.
وأكد الباحث الآثاري سالم العيسى أن محافظة الحسكة تضم أكثر من 1250 موقعًا أثريًا مسجلًا، إضافة إلى مئات المواقع غير المسجلة، ما يجعلها واحدة من أغنى مناطق الشرق الأوسط بالإرث الحضاري المتراكم عبر آلاف السنين.
وحذر من أن فقدان السياق الطبقي لهذه المواقع يعني فقدان القدرة على إعادة بناء التاريخ العلمي للمنطقة، حتى في حال استعادة القطع المنهوبة لاحقًا.
يأتي هذا التطور في سياق ممتد من التحذيرات السابقة حول تزايد التعديات على التلال الأثرية في الحسكة، ففي تقرير سابق نشرته عنب بلدي في نيسان الماضي، تم توثيق اتساع عمليات النبش غير الشرعي في الريف الجنوبي للمحافظة، خصوصًا في محيط الشدادي وتل عجاجة وطابان.
وأشار التقرير حينها إلى أن ضعف الرقابة وتعدد الجهات المسيطرة وتراجع الإمكانات الأمنية أسهمت في خلق بيئة مناسبة لعمليات التنقيب غير القانوني، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من بعض المواقع.
كما نقلت عن باحثين أن بعض التلال، ومنها تل عجاجة، تعرضت لتدمير شبه كامل في طبقاتها الأثرية، ما يجعل استعادتها علميًا أمرًا معقدًا.
ورغم إطلاق الحملة الأمنية الجديدة، يبقى التحدي الأكبر مرتبطًا باستمرارية الحماية على الأرض، وليس فقط التدخلات المؤقتة.
فبين نقص الموارد، واتساع رقعة المواقع، واستمرار نشاط شبكات التنقيب غير الشرعي، تبدو حماية الإرث الأثري في ريف الحسكة الجنوبي مهمة معقدة تتطلب تنسيقًا طويل الأمد بين الجهات الأمنية والمؤسسات الأثرية، إضافة إلى إشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية والرقابة.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى المواقع الأثرية في الحسكة بين إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، وخطر يومي يهدد بطمس معالمها قبل أن يُعاد توثيقها أو فهمها بشكل كامل.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى