زهرة النيل تخنق “العاصي”.. تهديد للزراعة والبيئة في سهل الغاب

انتشار زهر النيل في المجاري المائية في قريو الحويز بسهل الغاب - 22 حزيران 2026 (عنب بلدي / إياد عبد الجواد)

camera iconانتشار زهرة النيل في المجاري المائية في قريو الحويز بسهل الغاب - 22 حزيران 2026 (عنب بلدي/إياد عبد الجواد)

tag icon ع ع ع

يتصاعد خطر زهرة النيل في سهل الغاب بريف حماة، وسط تحذيرات من تحولها إلى تهديد مباشر للأمن المائي والزراعي في المنطقة.

وبين انسداد شبكات الري، وتراجع كفاءة الجريان في نهر العاصي، وتزايد الفاقد المائي، يواجه المزارعون واقعًا بيئيًا معقدًا ينعكس على الإنتاج الزراعي والتوازن البيئي، في ظل مطالبات بخطط مكافحة أكثر فاعلية للحد من انتشار زهرة النيل.

وتكشف شهادات مزارعين وخبراء لعنب بلدي عن حجم الكارثة المتفاقمة، وعن حلول طُرحت سابقًا لم تُطبق بالشكل الكافي، في ظل استمرار تمدد هذه الآفة التي حولت مساحات زراعية واسعة إلى أراضٍ مهددة بالتصحر.

تهديد لشبكات الري

المزارع إبراهيم الشمالي من سهل الغاب، قال لعنب بلدي، إن زهرة النيل تمثل خطرًا بالغًا يستحق اهتمامًا كبيرًا، نظرًا لسرعة تكاثرها في ظل توفر المياه الهادئة ودرجات الحرارة المعتدلة والمغذيات المرتفعة.

وأضاف أن الضرر يبدأ من مستوى الموارد المائية، إذ يشكل النبات غطاء كثيفًا على سطح الماء يعوق حركة المياه ويقلل من كفاءة الجريان داخل الأنهار والقنوات، كما يؤدي إلى زيادة الفاقد المائي من خلال عمليات “النتح”، وهو أمر وصفه بالبالغ الخطورة في ظل التحديات المائية التي تعاني منها المنطقة.

وأشار إلى أن النبات يتسبب في انسداد القنوات وشبكات الري والصرف، ما يرفع تكاليف الصيانة ويؤثر سلبًا على وصول المياه إلى الأراضي الزراعية، وهو ما ينعكس بدوره على إنتاجية المحاصيل نتيجة انخفاض كميات المياه الواصلة إلى الحقول وتأخر عمليات الري.

ويضطر المزارعون والجهات المسؤولة إلى تخصيص جهود وأموال إضافية لإزالة الكتل النباتية المتراكمة وتنظيف المجاري المائية بشكل مستمر، بحسب إبراهيم.

وأضاف أن خطورة الوضع في سهل الغاب تتضاعف بسبب وجود شبكة واسعة من القنوات والمصارف الزراعية التي تعتمد عليها آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، محذرًا من أن عدم السيطرة على انتشار ورد النيل في مراحله الأولى، سيحوله إلى مشكلة مزمنة تحتاج إلى برامج مكافحة طويلة الأمد ومكلفة.

تعوق استجرار المياه

من جانبه، المزارع عبد الستار عبد الجبار حسن، من قرية الحويز في سهل الغاب، وصف زهرة النيل بـ”الوباء” على المنطقة، مؤكدًا أنه لا يمكن الاستفادة من المياه الجارية إلا بالقضاء على ما أسماه “هذه النبتة الخبيثة”.

وقال عبد الستار لعنب بلدي، “لا يوجد من ينتبه لهذه المشكلة”، مشيرًا إلى أن النبات تسبب في فقدان مساحات زراعية واسعة تقترب من التصحر، بسبب تعذر استجرار المياه من نهر العاصي نتيجة الانسداد الذي يحدثه.

وأضاف أن هذه الزهرة جاءت أولًا من جهة الجنوب باتجاه الشمال، معتبرًا أن أصلها من مصر وأنها “جاءت لتنقل لنا الضرر”.

وشرح عبد الستار الأزمة التي يواجهها المزارعون، موضحًا أن أنبوب سحب المياه الذي يضعه الفلاح في النهر لتشغيل مضخة الري، يحتاج طبيعيًا إلى “شراق” طوله خمسة أمتار فقط ليصل إلى الماء، أما مع زهرة النيل، فيضطر الفلاح لاستخدام “شراق” طوله 20 مترًا ليخترق الغطاء الكثيف للنبات ويصل إلى الماء الصافي في القاع.

وأكد أن تعذر استجرار المياه من النهر بسبب هذا الانسداد، يحرم الأراضي الزراعية الشاسعة من مياه الري، مما يؤدي إلى جفافها وفقدانها تدريجيًا، لتقترب من حالة التصحر.

تأثير بيئي

بدوره، كشف الدكتور عماد جلود، الخبير في المكافحة الحيوية (دكتوارة في المكافحة البيولوجية)، لعنب بلدي، أن المساحة المصابة بآفة زهرة النيل تقدر بنحو 250 هكتارًا من مجرى نهر العاصي والقنوات الفرعية المتصلة به، مع الأخذ بالاعتبار زيادة المساحة مع ارتفاع منسوب المياه ونقصانها بانخفاضه.

وأوضح الدكتور جلود أن التأثير السلبي للنبات “هائل”، فالمتر المربع الواحد منه خلال أوج نشاطه يبخر ليترًا من الماء في اليوم الواحد، مما يعني أن كمية الماء الفاقدة “كبيرة جدًا”.

وأضاف أن انتشار هذه الآفة سبب خللًا كبيرًا في النظام البيئي لنهر العاصي وما حوله، من خلال حجب أشعة الشمس عن البلانكتون النباتي والأحياء المائية التي تعيش في النهر، وهو ما تسبب في القضاء على العديد من الكائنات الحية مثل الأسماك، وفي المقابل انتشرت كائنات أخرى بشكل وبائي مثل أسماك السلور والضفادع وحشرات البعوض.

وأشار إلى أن وجود النبات يؤثر بشكل مباشر على عمليات الصيد والزراعة، من خلال إعاقة حركة المراكب وعمل “شراقات” مضخات المياه الخاصة بري الأراضي الزراعية، وهو ما دفع المزارعين إلى حفر آبار ارتوازية والاستغناء عن السقاية من مياه النهر الملوثة، وإن كانت مساحة الأراضي المتضررة لم تقدر بعد بشكل دقيق.

وعلى صعيد جودة المياه، بيّن الدكتور جلود أن زيادة انتشار الآفة وتكدسها فوق بعضها، عمل على زيادة سحب الأكسجين وضخ كمية كبيرة من غاز ثاني أوكسيد الكربون في الماء، إضافة إلى تلويث المياه بكمية كبيرة من الإفرازات الحامضية الناتجة عن عمليات التحول الكيميائي للعناصر الغذائية في منطقة الجذور، وكل تلك التغييرات أثرت بشكل واضح في حياة الأسماك فانعدم وجودها في تلك البيئة.

حلول بانتظار التطبيق

أكد الدكتور عماد جلود وجود دراسات ومشاريع تطبيقية ناجحة في دول مثل الولايات المتحدة ومصر والهند وإندونيسيا، نجحت في تحويل مخلفات هذه الآفة إلى أعلاف حيوانية، نظرًا لاحتوائها على نحو 15% من البروتين والعديد من العناصر الغذائية المفيدة للحيوان، إضافة إلى تجارب ناجحة في إنتاج الغاز الحيوي بعد خلطها مع روث الحيوانات، واستخدامها كأسمدة عضوية بعد كمرها وتخميرها.

لكنه قال إن هذه الآفة الدخيلة لا يوجد لها برنامج مكافحة معتمد في سوريا، متهمًا أشخاصًا ومسؤولين في وزارة الزراعة خلال حقبة النظام السابق بارتكاب أخطاء كبيرة جدًا، كان لها الدور الرئيس في زيادة انتشارها ووصولها إلى “نقطة اللاعودة”.

وأرجع الدكتور جلود ذلك إلى اعتماد طريقة المكافحة الحيوية على أنها سبيل الخلاص الوحيد من الآفة، رغم أن القائمين لم يتبعوا بروتوكولات نقل العدو الحيوي، والمتمثل في سوسة زهرة النيل، من بلد إلى آخر، كإجراء دراسات حول حياتية العدو الحيوي المدخل وأقلمته وإكثاره كميًا ومدى قابليته للتغذية على الآفة وتوافقه مع البيئة السورية.

ويرى أن المكافحة الحيوية لهذه الآفة “لن تجدي نفعًا”، مستدلًا بأن مساحة الإصابة تضاعفت عشرات المرات منذ اعتماد مشروع المكافحة الحيوية من قبل منظمة “الفاو”.

وطالب الدكتور جلود بالتركيز على استخدام طرق المكافحة الميكانيكية، كإزالة الآفة بواسطة البواكر والحصادات المائية، أو اللجوء إلى عناصر الجيش والدفاع المدني والمتطوعين من المجتمع المحلي، على غرار ما حدث في مصر عندما لجأت وزارة الزراعة إلى طلاب المدارس وعناصر الجيش لجمع يرقات ديدان لوز القطن.

واقترح طرح مكافأة نقدية مقابل كل كيلوغرام من الآفة يتم جمعه، مؤكدًا: “أنا أضمن التخلص منها أو الحد من انتشارها بشكل كبير جدًا”.

وكشف أن التغير المناخي وارتفاع درجة الحرارة يزيد من نشاط زهرة النيل وفرص انتشارها، محذرًا من أنها ستصل إلى مناطق جديدة في حال عدم اتخاذ التدابير بأسرع وقت، نظرًا لسرعة نموها ومجالها الحراري الواسع.

واختتم جلود بانتقاد الإهمال الذي حال دون استثمار ما وصفها بـ”الفرصة الذهبية”، قائلًا: “كانت لدينا فرصة ذهبية أثناء فترة الجفاف في العام السابق، حيث جفت الآفة ولم يبق منها سوى 5% فقط”.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة