
عدد من الأهالي يشاركون في إخماد الحرائق بزركان في الحسكة – 19 حزيران 2026 (أسوشيتد برس)

عدد من الأهالي يشاركون في إخماد الحرائق بزركان في الحسكة – 19 حزيران 2026 (أسوشيتد برس)
عنب بلدي – الحسكة
لم تكن حرائق حزيران الحالي في محافظة الحسكة مجرد حوادث موسمية عابرة بالنسبة إلى المزارعين، بل تحولت إلى كابوس التهم جزءًا من محصول انتظروا حصاده لأشهر طويلة، في وقت تشكل فيه الزراعة المصدر الرئيس للدخل لعشرات آلاف الأسر في المحافظة التي تعد إحدى أهم مناطق إنتاج القمح في سوريا.
وخلال أقل من أسبوع، شهدت الحسكة موجات متلاحقة من الحرائق طالت آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية في مناطق زركان وتل تمر وتل براك والقامشلي والجوادية واليعربية ورأس العين، قبل أن تبلغ ذروتها في 23 من حزيران، مع اندلاع عشرات الحرائق المتزامنة التي امتدت إلى أكثر من 35 موقعًا، وفق معطيات مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث.
وفي حديث إلى عنب بلدي، قال عدد من المزارعين من مناطق مختلفة في الحسكة، إن خسائرهم لم تقتصر على المحاصيل فحسب، بل شملت مستودعات ومعدّات وأراضي محصودة كانوا يعتمدون عليها لتأمين جزء من دخلهم السنوي، مطالبين الحكومة السورية بتعويض المتضررين، وتعزيز إمكانات الإطفاء، ووضع خطة وطنية للحد من تكرار الحرائق التي تتكرر سنويًا مع موسم الحصاد.
في قرية باقلا التابعة لمنطقة الجوادية، قال المزارع خالد الحمود، إن الحريق الذي اندلع جنوب القرية التهم عشرات الدونمات من محصول القمح، إضافة إلى مساحات واسعة من الأراضي المحصودة المعروفة محليًا باسم “الفراز”.
وأضاف لعنب بلدي أن النيران لم تكتفِ بالمحصول الزراعي، بل طالت أيضًا مستودعات يستخدمها الأهالي لتخزين المعدّات والمحاصيل، ما ضاعف حجم الخسائر التي تكبدها السكان.
“المزارع ينتظر الموسم طوال العام، وينفق على البذار والحراثة والوقود والأسمدة، ثم تأتي النيران خلال ساعات لتقضي على كل شيء”، بحسب تعبير خالد.
ويرى أن التعويضات الحكومية أصبحت ضرورة ملحة، خصوصًا أن كثيرًا من المزارعين يعتمدون على محصول القمح لتسديد الديون وتأمين احتياجات أسرهم خلال العام.
وأضاف أن ما حدث هذا الموسم لا يمكن اعتباره خسارة فردية، بل ضربة اقتصادية طالت قرى كاملة تعتمد على الزراعة كمصدر رزق رئيس، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المزارعين خرجوا من الموسم بخسائر كبيرة رغم أشهر من العمل والإنفاق.
في ريف القامشلي الغربي، تابع سالم الخلف ألسنة اللهب وهي تقترب من القرى المجاورة بعدما اندلع حريق واسع في محيط الأراضي الزراعية القريبة من بلدته.
وقال سالم، لعنب بلدي، إن سرعة الرياح كانت العامل الأبرز في انتشار الحرائق، إذ كانت ألسنة اللهب تنتقل من حقل إلى آخر خلال دقائق معدودة.
وأضاف، “كنا نراقب النيران وهي تتوسع بسرعة، وكل تأخير في الاستجابة كان يعني خسارة مساحات إضافية من الأراضي الزراعية”.
وطالب بإنشاء نقاط إطفاء ثابتة ومجهزة في المناطق الزراعية خلال موسم الحصاد، بدل الاعتماد على وصول الفرق من المدن البعيدة بعد اتساع رقعة الحريق.
أما عبد الكريم المحمد، من ريف تل براك، فقال إن آثار الحرائق لم تقتصر على الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى الممتلكات المدنية القريبة من مواقع الاشتعال.
وأضاف، لعنب بلدي، أن بعض المنازل الريفية تعرضت لأضرار مباشرة، كما احترقت تجهيزات وألواح طاقة شمسية يعتمد عليها السكان في تأمين الكهرباء.
ويرى أن المحافظة تحتاج إلى خطة استباقية تبدأ قبل موسم الحصاد، تشمل إزالة الأعشاب الجافة، وإنشاء خطوط نار عازلة، وتوزيع صهاريج مياه ومعدّات إطفاء خفيفة في القرى الزراعية.
وتابع، “لا يكفي التدخل بعد اندلاع الحريق، المطلوب إجراءات وقائية تقلل من خطر وقوعه أساسًا”.
في ريف تل تمر الشمالي، استعاد المزارع محمود العبد الله الساعات الصعبة التي عاشها خلال حرائق الأيام الماضية، عندما امتدت النيران على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
وقال لعنب بلدي، “كنا نشاهد الموسم يحترق أمام أعيننا، بينما تنتقل النيران بسرعة من أرض إلى أخرى، ولم نكن نملك الإمكانات الكافية لمواجهتها”.
وطالب بإنشاء صندوق خاص لتعويض المتضررين من الكوارث الزراعية، معتبرًا أن الحرائق لم تعد حوادث استثنائية، بل أصبحت خطرًا متكررًا يهدد الأمن الغذائي ومصدر رزق السكان.
وأضاف أن معظم المزارعين يعتمدون على موسم الحبوب كمورد رئيس للعيش، وأن خسارة المحصول تعني خسارة دخل عام كامل بالنسبة إلى كثير من الأسر.
رغم اختلاف المناطق التي التقت فيها عنب بلدي بالمزارعين، فإن مطالبهم بدت متشابهة إلى حد كبير.
وطالب المزارعون الحكومة السورية بإجراء مسح ميداني شامل للأضرار، وتعويض أصحاب الأراضي المتضررة والمحاصيل المحترقة، إضافة إلى تعويض أصحاب المستودعات والمعدات الزراعية التي طالتها النيران.
كما دعوا إلى زيادة عدد فرق الإطفاء والآليات في محافظة الحسكة، وإنشاء نقاط استجابة موسمية في المناطق الزراعية خلال فترة الحصاد، بما يتيح التدخل السريع قبل اتساع الحرائق.
وطالبوا كذلك بإطلاق خطة وطنية لحماية المحاصيل الزراعية في مختلف المحافظات السورية، تشمل إجراءات وقائية واستجابة مبكرة، خصوصًا مع تكرار الحرائق في مواسم الحصاد خلال السنوات الأخيرة.
من جانبه، قال خبير الاستجابة الإنسانية أحمد السالم، إن الحرائق الواسعة التي شهدتها الحسكة خلال الأيام الماضية تظهر الحاجة إلى الانتقال من الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى العمل الوقائي قبل حدوثها.
وأوضح لعنب بلدي أن اتساع الأراضي الزراعية وتواصلها، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة والرياح القوية وانتشار الأعشاب الجافة، يجعل السيطرة على الحرائق أكثر صعوبة خلال الساعات الأولى من اندلاعها.
وأضاف أن بعض المناطق الزراعية في الحسكة لا تزال تعاني من وجود مخلفات حربية وألغام خلّفتها سنوات الحرب، ما يحد من قدرة فرق الإطفاء على الوصول السريع إلى البؤر المشتعلة، ويزيد من احتمالات توسع النيران.
وأشار السالم إلى أن التعامل مع هذه المخاطر يتطلب خطة وطنية متكاملة، تشمل إنشاء نقاط إطفاء موسمية قرب التجمعات الزراعية، وتأهيل طرق الوصول إلى الحقول، وتوفير خزانات مياه وآليات تدخل سريع، إضافة إلى إزالة الأعشاب اليابسة وإنشاء خطوط عازلة حول المساحات المزروعة قبل بدء موسم الحصاد.
وأضاف أن حماية المحاصيل الزراعية لا ترتبط فقط بحماية مصدر دخل المزارعين، بل تمس الأمن الغذائي في سوريا، ولا سيما في محافظة الحسكة التي تعد من أبرز المناطق المنتجة للقمح والشعير.
مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة قالت إنها تمكنت، في 23 من حزيران، من السيطرة على جميع الحرائق ومنع امتدادها إلى مناطق إضافية، بمشاركة أكثر من 40 فريق إطفاء ومؤازرات من محافظتي الرقة ودير الزور.
كما أعلن الدفاع المدني السوري استجابته لـ24 حريقًا خلال يوم واحد، شملت حقول قمح وأراضي محصودة وأعشابًا جافة في مناطق متفرقة من المحافظة.
من جانبه، أوضح مدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة، عبد الحليم شهاب، أن فرق الإطفاء واجهت تحديات كبيرة خلال عمليات المكافحة، أبرزها سرعة الرياح واتساع رقعة الحرائق وتشابك الأراضي الزراعية.
كما شكّل وجود الألغام ومخلفات الحرب في بعض المناطق عائقًا إضافيًا أمام وصول فرق الإطفاء والآليات إلى عدد من البؤر المشتعلة.
تأتي هذه الحرائق في ذروة موسم حصاد القمح والشعير، ما يضاعف من آثارها الاقتصادية على المزارعين والسكان المحليين.
وتعد الحسكة من أهم المحافظات المنتجة للحبوب في سوريا، لذلك فإن أي خسائر واسعة في المحاصيل تنعكس مباشرة على دخل المزارعين وعلى حجم الإنتاج الزراعي المحلي.
وبينما أعلنت الجهات المختصة السيطرة على الحرائق الأخيرة، يقول المزارعون الذين التقتهم عنب بلدي إن انتهاء النيران لا يعني انتهاء الأزمة، فآثارها الاقتصادية ستستمر لأشهر طويلة، ما لم تترافق مع تعويضات حكومية وإجراءات وقائية تحول دون تكرار المشهد في المواسم المقبلة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى