دعونا نهرب قليلًا مع نوادر الصحافة
علي عيد
على مدى نحو 30 عامًا، كنت أستمع إلى زملاء المهنة، وكان الحديث غالبًا عن أمراضها، فمعظم من يمتهنون الصحافة الحقيقية لا ينامون جيدًا بسبب القلق من أخطاء يُحتمل أنهم ارتكبوها وهي في طريقها إلى النشر، إذ لم تكن تتوفر رفاهية التعديل بعد النشر، كما هي حال الصحافة الرقمية، فالمطبعة تفرض موعدًا محددًا، فلا مجال للمراجعة، وستخرج الصحيفة أو المجلة إلى الناس ثم تؤرشف بأخطائها.
دعكم من الأمراض، ودعونا نتحدث عن نوادر الصحافة العربية، وخصوصًا سوريا ولبنان، وقد كُتبت فيها مذكرات بأقلام كبار أصحاب الكار.
أبدأ بنقيب المحررين اللبنانيين الراحل ملحم كرم، وكان صحفيًا واسع الاطلاع، ينحدر من أسرة أدبية معروفة، وجده هو الأديب كرم ملحم كرم، أحد رواد القصة القصيرة.
عُرف عن ملحم كرم، رئيس تحرير مجلة “الحوادث”، روحه المرحة، وكان إذا جاءه مقال طويل جدًا قال لصاحبه: “مقالك ممتاز… بقي فقط أن نجد قارئًا عنده هذا الوقت”، وكان يحب الاختصار، ويقول “البلاغة الإيجاز”.
سألته مرة عن بلاغته، فأجابني: “إنه القرآن الكريم”، قلت: وأنت الماروني؟ أجاب: كانت وصية جدي أن نتفقه في القرآن، ونقرأ “ألف ليلة وليلة”.
كان رجلًا شديد البداهة، وروى لي صحفي لبناني كان يلازمه، أنه وفي زيارة إلى الكويت مع وفد من الصحفيين اللبنانيين، طال اللقاء مع أمير البلاد الشيخ جابر “رحمه الله”، والوفد ينتظر هدايا ساعات “الرولكس”، غمز لأحد الحاضرين فسأله عن الساعة، وهل أخذوا زيادة من وقت الأمير، فأجابه: “إن الساعة آتية لا ريب فيها”.
في سوريا، كان نجيب الريس، صاحب صحيفة “القبس”، من أكثر الصحفيين اصطدامًا برقابة الانتداب الفرنسي، وكان الرقيب الفرنسي يحذف أحيانًا فقرات كاملة من افتتاحياتها، حتى قال ساخرًا: “لم يبقَ إلا أن يوقّع الرقيب المقال باسمه”.
وكان يوجه أن تصدر الصحيفة أحيانًا وفيها فراغات مكان النصوص المحذوفة، فيفهم القارئ فورًا أن الرقابة تدخلت، فيتحول الحذف نفسه إلى رسالة سياسية أكثر أثرًا من النص المحذوف.
أما فارس الخوري، الأديب والسياسي المعروف، فكان سريع البديهة. سأله صحفي: “دولة الرئيس، هل عندكم تصريح خطير؟”. أجاب: “لو كان عندي تصريح خطير، فلماذا أبدأ بك؟”.
كانت صحف دمشق تتنافس فيما بينها، ولا سيما “القبس” و”الأيام”، وتتبادل الردود في الافتتاحيات. وكان الصحفيون يرددون: “نكتب المقال اليوم… ونقرأ الجواب غدًا”.
وبالعودة إلى لبنان، بقي جبران تويني يكتب افتتاحية “النهار” بنفسه، حتى عندما أصبح وزيرًا، وكان يسأله البعض: “أنت وزير أم رئيس تحرير؟”. ويجيب: لا أستطيع بدء يومي من دون كتابة الافتتاحية.
كان غسان تويني إذا وجد الخبر مليئًا بالأوصاف مثال: “العظيم، التاريخي، الفريد”، يشطبها جميعًا ويقول: “دعوا القارئ يقرر”.
واعتاد الصحفيون على قلمه الأحمر وهو يراجع مواد الجريدة، فيجر قلمه مختصرًا بشكل شديد، وكان يردد: “إذا استطعت أن تحذف ثلث المقال ولم يتغير معناه، فافعل”.
وعن الاختصار، جاء إلى سعيد فريحة كاتب جديد، وأطلعه على مقال طويل، فسأله فريحة: “كم استغرقت في كتابته؟”. أجاب: “أسبوع”، فقال له: “لو أمضيت أسبوعين لكتبت نصفه”.
وعن سعيد فريحة ورياض نجيب الريس، يروي رياض أنه عندما ذهب للعمل في الصياد، لم يُجرِ سعيد فريحة له أي مقابلة. وقال له: “اذهب إلى أول مكتب على اليمين… وابدأ العمل”، فالاختبار الحقيقي هو ما سيكتبه، لا ما سيقوله في المقابلة.
ومن نوادر التنافس بين “النهار” و”الحياة”، يروي صحفيون أن أول سؤال في اجتماع التحرير في “النهار” صباحًا كان: “ماذا نشرت (الحياة) اليوم؟”، والهدف هو كيف يجب أن يكون رد “النهار”.
وعلى سبيل طرائف الرد، فقد كان يقتصر أحيانًا على العنوان فقط، إذ تنشر صحيفة عنوانًا مثل: “حدث عظيم”، فترد الأخرى في اليوم التالي: “أي حدث عظيم ذاك؟”.
بعض رؤساء التحرير، في الستينيات والسبعينيات، كانوا يعتبرون أنه إذا سبقك المنافس بعشر دقائق، صار خبرك من التاريخ.
تلك أيام تحمل روح ومعاني الصحافة الحقيقية حتى في نوادرها، إذ من نتحدث عنهم يعتبرون من أهم رواد الصحافة ورجالاتها في سوريا ولبنان، إنها مهنة ماتعة وقاتلة وخالدة وكاشفة.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




