نريد واقعًا جديدًا وليس علامة تجارية جديدة
أحمد عسيلي
شهد الأسبوع الماضي استقبال الرئيس السوري، أحمد الشرع، رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس في قصر “الشعب”، قبل أن يعلن ساويرس لاحقًا في تسجيل مصور من المسجد “الأموي” رغبته بالاستثمار في سوريا.
لم يكن اللقاء مجرد استقبال لرجل أعمال عادي، بل لشخصية مهمة جدًا تلعب دورًا كبيرًا في الإعلام والثقافة أيضًا، فهو مؤسس مهرجان “الجونة” السينمائي، ويرتبط اسمه بجائزة “ساويرس” الثقافية، إحدى أبرز الجوائز الأدبية في مصر، كما جاء هذا اللقاء بعد أسابيع من استقبال رجل الأعمال المصري حسن علام، أحد أبرز الأسماء في قطاع الإنشاءات والبنية التحتية، وسبقته لقاءات مع وفود من رجال الأعمال المصريين الآخرين لبحث فرص الاستثمار، وفي الوقت نفسه، حافظت دمشق على خطاب دبلوماسي هادئ تجاه القاهرة، حتى بعد منع المنتخب السوري لألعاب القوى من المشاركة في البطولة العربية، في موقف عكس رغبة واضحة في عدم تحويل الخلافات إلى صراع مفتوح.
ولا تبدو هذه الوقائع منفصلة عن بعضها، فقبل أيام أيضًا، قال الشرع في مقابلة مع الإعلامي اللبناني طوني خليفة، إن سوريا تريد مع لبنان “خطًا اقتصاديًا لا خطًا عسكريًا”، في تصريح لافت لدولة ارتبطت علاقتها بلبنان لعقود طويلة بالملفات الأمنية والعسكرية، وإذا أضفنا إلى ذلك الاهتمام المتزايد بالسياحة، واستقبال المؤثرين وصناع المحتوى، وزيارة الشرع إلى طرطوس لافتتاح مهرجانها السياحي، ثم زيارته إلى جزيرة “أرواد”، فإننا نكاد نكون أمام خيط واحد يجمع كل هذه الأحداث: محاولة تقديم سوريا بوصفها بلدًا للاستثمار والسياحة والتجارة، لا بوصفها ساحة حرب دائمة.
الأمر هنا إذًا لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل بالهوية، فالمجتمعات، مثل الأفراد، لا تعيش على الوقائع فقط، بل على الصور التي تحملها عن نفسها، وخلال أكثر من 15 عامًا، ارتبط اسم سوريا في المخيال العربي والعالمي بالحرب والدمار واللجوء والمخيمات والمساعدات الإنسانية، ولم يعد السوري يُقدَّم بوصفه صاحب مشروع أو شريكًا اقتصاديًا، بل بوصفه ضحية أزمة مستمرة، واليوم، يبدو أن هناك محاولة لبناء صورة مختلفة: مستثمر يزور دمشق، مهرجان سياحي في طرطوس، خطوط بحرية تربط اللاذقية بمرسين، حديث عن التجارة وعن إعادة الإعمار وعن اقتصاد إقليمي جديد.
في علم النفس، لا تتغير هوية الإنسان بمجرد أن يقرر أن يعرّف نفسه بطريقة مختلفة، بل عندما تتكرر خبرات جديدة تؤكد هذا التعريف، وربما ينطبق الأمر نفسه على الدول، فلقاءات رجال الأعمال، والرسائل الموجهة إلى المستثمرين، والتركيز على السياحة، ليست مجرد إجراءات اقتصادية، بل محاولة لإنتاج خيال جماعي جديد، يرى فيه السوري نفسه خارج صورة الحرب التي لازمته سنوات طويلة.
لكن هنا يبرز سؤال آخر، وربما هو الأهم: هل نحن أمام بناء هوية جديدة، أم أمام بناء علامة تجارية جديدة لسوريا؟
للصراحة، هناك فرق كبير بين الأمرين، فالعلامة التجارية (Brand) هي الصورة التي تريد أن يراك الآخرون من خلالها، أما الهوية فهي الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم اليومية، يمكن لأي دولة أن تنتج حملة إعلامية ناجحة، وأن تستقطب مؤثرين، وأن تنظم مهرجانات، وأن تعرض شواطئها ومدنها التاريخية للعالم، وهذا ليس أمرًا سلبيًا، لكن الهوية لا تُبنى بالصور وحدها، بل بالخبرة اليومية للمواطن.
“البراند” يجعل الآخرين يرغبون في زيارة بلدك أو الاستثمار فيه، أما الهوية فتجعل أبناء البلد أنفسهم يرغبون في البقاء فيه، “البراند” يستطيع أن يجذب رأس المال، لكن الهوية هي التي تجعل الطبيب والمهندس والطالب يقررون أن مستقبلهم في هذا البلد لا خارجه، وإذا بقيت الظروف الاقتصادية الصعبة، وضعف الدخل، وغياب فرص العمل، هي الخبرة اليومية لأغلبية السوريين، فإن الصورة الجديدة ستبقى معرضة لأن تتحول إلى واجهة جميلة تخفي واقعًا مختلفًا، ربما هنا أتذكر تجربة جزر المالديف، التي نجحت السلطات فيها بتحويلها إلى “براند” يرتبط بالفخامة والسياحة الراقية، لكن واقع أبنائها مختلف تمامًا، و قد زرت هذا البلد في 2016، وتحدثت مع الناس هناك، ورأيت بيوتهم ومستوى البؤس الذي يعيشون فيه، لدرجة أن الجميع كان يحسد سوريا على الحرب الدائرة فيها، لأن أوروبا وقتها كانت تقبل لجوء جميع السوريين، فمعظم أبناء المالديف كانوا يريدون الهرب من تلك الجنة السياحية.
لهذا، فإن نجاح المشروع لا يقاس بعدد المستثمرين الذين يزورون دمشق، ولا بعدد المؤثرين الذين يصورون الساحل السوري، بل بقدرة السوري نفسه على الشعور بأن حياته بدأت تتغير فعلًا، عندها فقط لن يكون الاستثمار مجرد خبر، بل جزءًا من تجربة يومية، ولن تصبح السياحة مجرد حملة ترويجية، بل انعكاسًا لبلد استعاد استقراره.
ربما تكون محاولة إعادة تقديم سوريا للعالم ضرورة في هذه المرحلة، وربما يكون الانتقال من خطاب الحرب إلى خطاب الاقتصاد تحولًا يستحق الاهتمام، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمرات واللقاءات، فالصورة تستطيع أن تفتح الباب، أما الهوية فلا يصنعها إلا الواقع، وبين “البراند” والهوية، تقف المهمة الأصعب التي تنتظر السوريين جميعًا.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




