قراءة في مذكرة التفاهم الأمريكية- الإيرانية

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

في غضون 48 ساعة من الإعلان عن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، خرج طيف واسع ومتشعب من الانتقادات لها، بين رافض للحرب التي شنتها واشنطن وإسرائيل من أساسها، ورافض لما جاء في بنودها الـ14، والجامع بينهما أن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، وأن إيران خرجت بأوراق لم تكن تملكها قبل الحرب. ومن بين التصريحات العاصفة ضد المذكرة تلك التي شبهها المحلل في “القناة 12” الإخبارية الإسرائيلية نير دفوري، بأن ما حدث هو “7 أكتوبر الدبلوماسي”، ووصفها توماس فريدمان بلحظة “بيع سياسي“، لم تهدف لحماية الحلفاء أو إعادة تشكيل ميزان القوى، بل هي إنقاذ لحسابات داخلية ضيقة.

وقبل قراءة ما ورد في بنود مذكرة التفاهم، فإن ما يلفت الانتباه هو ما استُبعد منها، والتي كانت أهدافًا معلنة من قبل واشنطن وإسرائيل عند شن الحرب على إيران، كتغيير النظام، وتفكيك شامل للبرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، لكن استهداف منشآت النفط والناقلات، وتحكم إيران بمضيق هرمز، كسلاح جديد مؤثر، ثم محاصرته أمريكيًا، وتوسيع نطاق الحرب، خلق تداعيات على الاقتصاد العالمي، وبالأخص على امدادات الطاقة، ما غيّر أهداف الحرب، وفقًا لتبعاتها.

وأتت المذكرة، بما فيها من غموض مدروس، كرغبة من الطرفين في إنهاء الحرب، وتحديدًا بالنسبة لترامب، فإنهاؤها مهم قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، واحتمال خسارته في الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان وبنسلفانيا وجورجيا، وبالتالي من الممكن أن يخسر الحزب الجمهوري مجلس النواب، وربما الشيوخ أيضًا.

شمل البند الأول في المذكرة “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان”، وتكررت جبهة لبنان في البند ثلاث مرات، وهو اعتراف بحليف إيران، أي “حزب الله”، ومناقض لسياسة واشنطن المعلنة بتقليص نفوذ إيران الإقليمي، ناهيك بأن الاتفاق منحها الإمساك بجزء من الملف اللبناني، وبالفعل خُصصت الجولة الأولى من مفاوضات جنيف بين واشنطن وإيران للبحث في الجبهة اللبنانية، في الوقت الذي شجعت ورعت فيه واشنطن الحكومة اللبنانية مفاوضاتها مع إسرائيل.

ألزم البند الثاني الطرفين باحترام سيادة بعضهما، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية، وهذا البند وأد فكرة “تغيير النظام” في إيران، الذي كان واحدًا من أهداف الحرب عليها، وهو يجسد فجوة بين الأهداف والنتائج.

منح البند الثالث الطرفين 60 يومًا للتفاوض على اتفاق نهائي قابل للتمديد بالتراضي، وهو ترتيب يؤجل جميع القضايا الرئيسة، كملف إيران النووي، التي سُوِقت لها الحرب، بينما حصلت إيران على فوائد اقتصادية قبل تلك القضايا.

التزمت واشنطن في البند الرابع برفع الحصار البحري عن إيران فور توقيع الاتفاق، مع عودة الملاحة لمستويات متناسبة مع ما كانت عليه قبل الحرب، وتعهدت واشنطن أيضًا بسحب قواتها في غضون 30 يومًا من الاتفاق النهائي، ما يعني أن القوات الأمريكية ستبقى خلال الـ60 يومًا أو أكثر في حال التمديد، وعليه فهي ورقة ضغط بيد واشنطن، وقد تكون مصدر احتكاك يعرقل الاتفاق.

يتناول البند الخامس أن تبذل إيران “قصارى جهدها لتوفير المرور الآمن للسفن التجارية مجانًا، ولمدة 60 يومًا فقط”، وإزالة العوائق التقنية والعسكرية، وإجراء إيران محادثات مع سلطنة عمان، بالتنسيق مع الدول المطلة على الخليج، “لتحديد الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز”، وتكمن الإشكالية في نقطتين، الأولى في اختيار صياغة الجملة بـ”ستبذل أقصى جهدها” بدل “تضمن” أو “تلتزم”، والثانية “بلا رسوم”، ما يعني أن الرسوم ممكنة بعد الـ60 يومًا. وبالفعل تسعى إيران بالتوافق مع عمان، إلى فرض رسوم “خدمات ملاحية” تحت مسمى تكاليف تشغيلية متعلقة بالأمن البحري وحماية البيئة وإدارة الملاحة، بينما رفضت دول الخليج وواشنطن “فرض أي رسوم أو ضرائب أو محاولات لفرض السيطرة على المضيق” في البيان المشترك الصادر عن دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة في 25 من حزيران الحالي.

ويعيد هذا البند تعريف “ورقة هرمز”، التي لن تتنازل عنها إيران، من تصنيف دولي اعتبره تهديدًا غير مشروع للملاحة والاقتصاد إلى “إدارة مشتركة” مع عُمان وجميع دول الخليج، الأمر الذي سيمنحها نفوذًا مستدامًا معترفًا به إقليميًا ودوليًا.

ونص البند السادس على تعهد الولايات المتحدة بالتعاون مع شركائها الإقليميين بوضع خطة ل، وتنميتها الاقتصادية بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار أمريكي، “وسيتم وضع اللمسات الأخيرة على آلية تنفيذ هذه الخطة كجزء من اتفاق نهائي في غضون 60 يومًا”، مع منح التراخيص والإعفإعادة إعمار إيراناءات اللازمة. وفي مضمون هذا البند لا تحدد كلمة “لا تقل” عن سقف مالي عما تعهدت به واشنطن، وستموله دول الخليج، أو من سيهتم بالاستثمار داخل إيران، وقد أتى التوضيح الأمريكي عن هوية الجهة التي ستدفع الأموال بعد عاصفة غضب اشتعلت في الولايات المتحدة حول هذا البند.

أما البند السابع فيضمن التزامًا أمريكيًا بإنهاء جميع أنواع العقوبات على إيران، وبضمنها قرارات مجلس الأمن وقرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، “وفقًا لجدول زمني متفق عليه كجزء من الاتفاق النهائي”، وهو أوسع بكثير مما جاء في خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) لعام 2015، والتي انسحب منها ترامب في ولايته الأولى.

وبموجب البند العاشر، حصلت إيران بعد توقيع مذكرة التفاهم، وحتى رفع العقوبات، على إعفاءات تسمح لها بتصدير نفطها الخام والمنتجات البترولية ومشتقاتها، وبضمنها جميع الخدمات المرتبطة والمعاملات المصرفية والتأمين والنقل وغيرها.

وفي البند الثامن، جددت إيران التزامها بعدم انتاج أسلحة نووية، وسيتم معالجة مصير المواد المخصبة، واحتياجات إيران النووية في الاتفاق النهائي. وتعهدت إيران في البند التاسع بالمحافظة على الوضع الراهن لبرنامجها النووي، وبالمقابل لن تفرض واشنطن عقوبات جديدة عليها، ولن تعزز قواتها في المنطقة.

كما تعهدت واشنطن في البند الـ11، ووفق التقدم المحرز في المفاوضات نحو الاتفاق النهائي، بالإفراج عن الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة الخاصة بإيران، وإتاحتها بالكامل. وبموجب البند الـ12، اتفق الفريقان على إنشاء “آلية للإشراف على التنفيذ الناجح للاتفاق النهائي والالتزام المستقبلي به”.

ويلزم البند الـ13 بعد توقيع المذكرة، وبدء تنفيذ أربعة بنود من المذكرة (4 و5 و10 و11)، أي بعد وقف إطلاق النار، ورفع الحصار الأمريكي عن المضيق، والسماح بمرور السفن التجارية فيه، وإعفاءات تمكن إيران من تصدير نفطها، والإفراج عن أموالها وأصولها المجمدة، ببدء الطرفين مفاوضات الاتفاق حول البنود الأخرى، وبهذا الترتيب الجوهري المركز، تكون إيران قد حصلت على فوائد وحوافز اقتصادية آنية، قبل التفاوض على البنود الصعبة كالملف النووي، وآلية التفتيش التي تُركت للاتفاق النهائي، وأخيرًا، أقر البند الـ14 بأن يقوم مجلس الأمن باعتماد الاتفاق النهائي بموجب قرار ملزم.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة