
الأخوان ملص في مشهد من مسرحية "كل عار وأنتم بخير" - 20 تشرين الأول 2025 (الأخوان ملص)

الأخوان ملص في مشهد من مسرحية "كل عار وأنتم بخير" - 20 تشرين الأول 2025 (الأخوان ملص)
عنب بلدي – أمير حقوق
منذ بدايات تجربتهما المسرحية، اختار الأخوان محمد وأحمد ملص الذهاب بالمسرح إلى مساحة مختلفة، مساحة لا تعتمد فقط على خشبة العرض التقليدية، بل على علاقة مباشرة بين الفنان والواقع الذي يعيشه، فارتبط اسمهما بمشروع “مسرح الغرفة” الذي أسساه عام 2011، كفكرة تقوم على تقديم المسرح خارج القوالب الإنتاجية المعتادة، وتحويل المكان الخاص إلى فضاء فني مفتوح على الجمهور والأسئلة.
جاءت تجربة الأخوين ملص من اهتمام طويل بالمسرح كأداة للتعبير عن الإنسان قبل الحدث، وعن التناقضات التي يعيشها المجتمع قبل أن تكون مجرد انعكاس للسياسة، لذلك ركزت أعمالهما على الشخصيات المهمشة، والصراعات الداخلية، والعلاقة بين الفرد والسلطة والواقع المحيط به.
وفي حوارهما مع عنب بلدي، تحدث الأخوان ملص عن تجربتهما المسرحية ومسار مشروع “مسرح الغرفة”، وتناولا دور الفن في المرحلة السورية الجديدة، وعلاقة المسرح بالذاكرة والهوية، إضافة إلى حرية الفنان، وعلاقته بالسلطة، والتحديات التي تواجه المسرح المستقل في سوريا.
منذ انطلاق تجربتهما المسرحية، اختار الأخوان ملص الذهاب نحو شكل مختلف من العمل المسرحي، يقوم على تقليص المسافة بين الفنان والجمهور، والابتعاد عن النموذج التقليدي للإنتاج، فجاء مشروع “مسرح الغرفة” كمساحة فنية تسعى إلى خلق علاقة جديدة مع المسرح، حيث لا يكون العرض مجرد لحظة مشاهدة، بل تجربة قائمة على المشاركة والبحث.
يرى الأخوان ملص أن “مسرح الغرفة” يرتبط بفكرة التمرد على نمط الإنتاج السائد، فالفنان لا ينتظر وجود مؤسسة جاهزة تقدم له المكان والإمكانات، بل يتحمل مسؤولية العمل كاملة، من الإخراج والتمثيل إلى “السينوغرافيا” وتفاصيل الفضاء المسرحي.
وأكدا أن هذا المشروع يمثل محاولة لصناعة منبر حر ومستقل، يسمح للفنان بالتجريب والتعبير بعيدًا عن الشروط التي قد تحد من طبيعة العمل الفني.
كما أشارا إلى أن استمرار هذه التجربة لم يكن ممكنًا دون الجمهور، الذي أصبح جزءًا أساسيًا من نجاحها، رغم اختلاف طبيعة المشاهدة في هذا النوع من المسرح القريب والمباشر.
لا يتعامل الأخوان ملص مع المسرح باعتباره منفصلًا عن التحولات التي يعيشها المجتمع السوري، بل يرونه مساحة لمواجهة الأسئلة التي تتركها الأحداث الكبرى.
ويتجلى ذلك في أعمالهما الأخيرة، كـ”حديقة الحيوان” و”قتال شوارع” و”كل عار وأنتم بخير”، التي تتناول الألم السوري المستمر بعد سقوط النظام السابق.
وهنا أوضح الأخوان أن انتهاء مرحلة سياسية لا يعني انتهاء آثارها، وأن ما يعيشه السوريون يحتاج إلى مواجهة حقيقية عبر العدالة والاعتراف بالضحايا.
وشدد محمد ملص على أن أي نقطة دم تسقط خارج إطار العدالة الانتقالية لا يجب تجاهلها، لأن تجاوز آلام الناس قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها، فالمجتمع الذي لا يحاسب على الانتهاكات قد يجد نفسه أمام دائرة جديدة من العنف.
ويرفض الأخوان ملص اختزال وظيفة الفن في تقديم رسائل مباشرة أو مواقف جاهزة، ويعتبران أن قيمة المسرح تكمن في قدرته على طرح الأسئلة.
ومن هذا المنطلق، تحاول أعمالهما تفكيك المجتمع السوري، والبحث في علاقاته وتناقضاته وتحولاته، بدلًا من تقديم قراءة مغلقة لما يحدث.
وكان الأخوان ملص من بين الفنانين السوريين الذين أعلنوا مواقف داعمة للثورة السورية، وانخرطا في التعبير عن أسئلة المرحلة وتحولاتها من خلال المسرح.
أي نقطة دم تسقط خارج إطار العدالة الانتقالية لا يجب تجاهلها، لأن تجاوز آلام الناس قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها، وهذا يفرض أن يكون المسرح مساحة لمواجهة أسئلة التحولات السورية.
الأخوان ملص
ممثلان مسرحيان
تشكل الهوية السورية أحد المحاور الأساسية في تجربة الأخوين ملص، خصوصًا في ظل التحولات العميقة التي مر بها المجتمع خلال السنوات الماضية.
ويرى الأخوان ملص أن الفن لا يستطيع تجاهل اللحظة التاريخية التي يعيشها الإنسان، ويستعيدان هنا مقولة سعد الله ونوس، حول أن إدارة الفن ظهره للأحداث الجارية قد تكون شكلًا من أشكال التضليل.
بالنسبة إليهما، العلاقة مع الفن تقوم على محاولة الاقتراب من الواقع والشعور به، لا الاكتفاء بوصفه من الخارج، فالفن يمكن أن يسهم في المصارحة المجتمعية عندما يمتلك حريته ولا يُفرض عليه ما يجب أن يقوله.
تعد علاقة الفنان بالسلطة من القضايا التي يوليها الأخوان ملص اهتمامًا كبيرًا، إذ يريان أن العلاقة الطبيعية بين الطرفين لا تقوم على التبعية، بل على وجود مساحة للنقد والمساءلة.
وأكدا أن السلطة التي لا تواجه النقد قد تتحول إلى سلطة مغلقة، وأن الفنان يمتلك دورًا أساسيًا في طرح الأسئلة التي قد تغيب عن الخطاب العام.
كما أوضحا أن النقد لا يعني الخصومة، بل يمكن أن يكون جزءًا من عملية بناء المجتمع عندما يكون هدفه الإصلاح وليس الهدم.
بالمقابل، مساحة الحرية أصبحت أكبر مقارنة بالمرحلة السابقة، لكن ذلك لا يعني اختفاء القيود بشكل كامل، بحسب تعبيرهما، فالمشكلة بالنسبة لهما لا ترتبط فقط بالرقابة المباشرة، بل أيضًا بقدرة المؤسسات الثقافية على دعم الفن المستقل دون فرض شروط عليه.
وتحدثا عن تجربتهما مع عرض “كل عار وأنتم بخير”، موضحين أن العمل واجه إشكالات في السابق، لكنهما تمسكا باستمراره مع الحفاظ على رؤيته الفنية وشروطه وعدم التغيير في النص بحسب ما طُلب منهما.
نقد السلطة لا يعني الخصومة، بل يمكن أن يكون جزءًا من عملية بناء المجتمع.
الأخوان ملص
ممثلان مسرحيان
في رؤيتهما للمستقبل، أكد الأخوان ملص أن المسرح السوري يحتاج إلى دعم حقيقي للفنانين الشباب، وإلى بيئة تسمح للمسرحي بالاستمرار والتجريب.
وشددا على أهمية وجود مؤسسات مستقلة تدعم الفن، لأن استقلالية المسرح تمنحه القدرة على التعبير والنقد.
وفي النهاية، يرى الأخوان ملص أن التغيير لا يمكن أن تقوم به تجربة واحدة مهما كانت أهميتها، بل يحتاج إلى حركة مسرحية واسعة تضم فرقًا وفنانين يمتلكون الجرأة على البحث والمواجهة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى