“ثم أزهر الحزن”.. صمود المرأة بمواجهة الفقد والفقر
في رواية “ثم أزهر الحزن”، يرصد الكاتب السوري فاضل السباعي حياة عائلة رزحت تحت وطأة فقدان الأب، تاركًا امرأة بلا معيل وخمس بنات لكل منهن حكايتها الخاصة داخل مجتمع مغلق.
تبدأ الحكاية من بيت صغير يشهد العديد من الخسائر التي تبدأ بمرض الأب ومن ثم وفاته، قبل أن يرى ابنه الذكر المنتظر، لتبقى الزوجة “كوثر” وحيدة أمام مسؤولية ثقيلة عن بناتها وجنينها الذي يأتي إلى الحياة بعد رحيل والده.
تتحول البطلة “كوثر” إلى أساس ومركز ثقل العائلة، لتجمع بين العمل في الخياطة وتربية أولادها، ومواجهة نظرة مجتمع لا يرحم، فيما تتراكم المآسي مع موت خطيب الابنة الكبرى “نورة” على الحدود ثم رحيلها لاحقًا بمرض عضال، ليغدو البيت أقرب إلى حلقة مترابطة من الحزن المتواصل لا إلى بيت عائلة تقليدية.
ومن رحم هذا المسار القاسي، تتناول الرواية لحظات أمل وإن بدت محدودة عبر ولادة الابن “علاء”، واستمرار البنات في التعليم والزواج لاحقًا.
واللافت في النص أنه يقدم المرأة بوصفها محور الصمود، ويعيد قراءة الألم الاجتماعي كأنه جزء من المصاير الفردية داخل بيئة محافظة ومليئة بالقيود، إذ لا تملك الأم سوى الصبر والعمل ومواجهة مجتمع لا يرحم بعد أن فقدت سندها.
ومع مرور الوقت تتكشف ملامح الحياة الجديدة داخل العائلة، حيث تكبر البنات الخمس في بيئة مضطربة، وتبدأ كل واحدة منهن برسم مسار مختلف، بين زواج مبكر أو صراع عاطفي أو استسلام تدريجي لسطوة الواقع.
الرواية تقدم شخصياتها كنماذج اجتماعية تعكس أثر الفقر على مصير الأفراد، وكيف يمكن لغياب المعيل أن يعيد تشكيل العلاقات داخل البيت وخارجه.
كما أن الرواية تقوم على ثنائية واضحة بين الفقد والاستمرار، لأن الموت يفتتح الحكاية، غير أن الحياة اليومية بكل ما تقدمه من قسوة هي التي تصنع امتدادها.
تبدو “ثم أزهر الحزن” واحدة من الروايات التي تشتغل على الواقعية الاجتماعية، إذ إن المأساة تظهر بتقاطع الحياة نفسها داخل بيت صغير في مدينة كبيرة مثل حلب، فالواقعية تأتي من تتبع مصير عائلة حلبية تكابد الفقر.
ولم تبقَ الرواية ضمن حدود الورق، إذ اقتُبس منها لاحقًا مسلسل تلفزيوني حمل اسم “البيوت أسرار” من 24 حلقة، أخرجه علاء الدين كوكش.
حافظ المسلسل على حكاية “أم علاء” الأرملة التي تكافح لتربية أطفالها من عملها في الخياطة، قبل أن تتشعب الحكاية إلى بيوت أخرى كشفت معها تداخل العلاقات العائلية وثقل الفقر.
مَن فاضل السباعي؟
فاضل أبو السعود السباعي (1929-2020)، كاتب قصصي وروائي سوري من مواليد مدينة حلب، نال شهادة الحقوق من جامعة “القاهرة” عام 1954، وعمل لاحقًا في التدريس والمحاماة بين عامي 1954 و1958.
يعتبر أحد الأعضاء المؤسسين لاتحاد الكتّاب العرب في دمشق، وأصدر عددًا من المجموعات القصصية والروايات، من أبرزها: “الشوق واللقاء”، “مواطن أمام القضاء”، “الليلة الأخيرة”، “حزن حتى الموت”، “الألم على نار هادئة”، إضافة إلى روايتيه “ثم أزهر الحزن”، و”رياح كانون”، فضلًا عن دراسته التاريخية عن إبراهيم هنانو وثورته ومحاكمته.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :