قوافل العودة إلى ريف حماة.. الطريق مفتوح لكن المنازل مهدمة

موكب قافلة العودة الطوعية باتجاه كفرزيتا واللطامنة من مخيمات الشمال السوري - 2 تموز 2026 (محافظة حماة)

camera iconموكب قافلة العودة الطوعية باتجاه كفرزيتا واللطامنة من مخيمات الشمال السوري - 2 تموز 2026 (محافظة حماة)

tag icon ع ع ع

انطلقت قافلة عودة طوعية من مخيمات الشمال السوري باتجاه بلدتي كفرزيتا واللطامنة بريف حماة، ضمت أكثر من 50 عائلة من الأسر الراغبة بالاستقرار في مناطقها الأصلية.

وترعى القافلة محافظة إدلب، وبتعاون بين مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة “مزن” والهلال الأحمر السوري.

لكن هذه العودة التي تبدو خطوة نحو الاستقرار، تصطدم بواقع ميداني في ريف حماة، حيث تواجه العائلات دمارًا بنيويًا وغيابًا شبه كامل لخطط الإيواء، لتتحول العودة من حلم إلى عبء جديد يقع على عاتق الأهالي وحدهم.

تنسيق متأخر ومعاناة على الطرقات

الناشط المدني محمد العبيد، مدير المكتب الإعلامي للجنة المجتمعية بريف حماة، رافق القافلة الأخيرة، ووثق تفاصيلها في شهادة خاصة لعنب بلدي، كاشفًا عن ثغرات إدارية وتنظيمية أثرت على سير الرحلة.

وأوضح العبيد أن القافلة شهدت تنسيقًا وُصف بـ”المقبول” من الناحية الأمنية واللوجستية، حيث رافقتها سيارات الدفاع المدني والفرق الطبية وأمن الطرقات والمرور، لكنه استدرك أن التنسيق مع الهيئات المحلية جاء متأخرًا بشكل لافت.

وأضاف أن التنظيم واجه الإشكاليات ذاتها التي كانت تقع فيها القوافل السابقة، متمثلة في التأخر الملحوظ في الانطلاق، واشتراط سير الحافلات والشاحنات ككتلة واحدة مترابطة، موضحًا أن هذا الأسلوب “استنزف وقتًا طويلًا جدًا على الطرقات، وتسبب بمشقة وتعب كبيرين للأهالي والنساء والأطفال طوال مسير الرحلة”.

مساعدات عينية.. تخفيف لأعباء السفر لا أكثر

اتسمت العودة بـ”الطوعية”، حيث كانت العائلات قد اتخذت قرارها مسبقًا وبدأت بالتجهيز له، لتأتي المبادرة الرسمية كعامل مساعد لتخفيف النفقات.

وأوضح العبيد أن القافلة أسهمت في نقل أمتعة وأغراض العائدين مجانًا، ووفرت لهم بعض المساعدات العينية المادية عند الوصول، مثل السلال الإغاثية والفرش وبعض أساسات المنزل البسيطة.

ويرى العبيد أن هذه المساعدات “مقبولة نوعًا ما” وتخفف العبء المالي المباشر عن كاهل النازح العائد إلى بلدته من جديد، لكنه شدد على أنها لا تكفي لبدء حياة مستقرة.

دمار يلامس 90%.. وكهوف للمأوى

تأتي هذه العودة إلى مدن ريف حماة الشمالي لتعيد فتح ملف “إعادة الإعمار” الغائب، حيث قال العبيد إن نسبة الدمار البنيوي في المناطق التي عاد إليها النازحين، لتصل إلى 90% وربما تفوق ذلك في بعض بلدات ريف حماة الشمالي.

وأمام هذا الركام، تباينت حلول الأهالي “ضمن الإمكانيات المتاحة”، فمن كان لديه بقايا منزل قابل للترميم قام بإصلاحه، بينما لجأت عائلات أخرى لبناء الخيام فوق الأنقاض.

بينما اضطرت بعض العائدين للسكن داخل الكهوف والمغارات الجبلية، أو تشارك عدة عائلات من الأخوة والأقارب منزلًا واحدًا متضررًا ومتصدعًا.

وعن حجم القافلة الفعلي بالأرقام، بحسب ما وثقه العبيد، فهو 41 عائلة توزعت بين مدينتي اللطامنة وكفرزيتا، واستقرت منها 18 عائلة في مدينة اللطامنة.

أرزاق مباعة ووعود خجولة

في ظل غياب خطط إيواء واضحة ومدروسة من قبل المنظمات الإنسانية أو الجهات الحكومية المحلية، تُرك الأهالي لمواجهة تكاليف الترميم بمفردهم، وهو ما دفع بعضهم لخيارات اقتصادية قاسية.

وأشار العبيد إلى أن القدرة على الترميم أصبحت مقتصرة على أصحاب الدخل المرتفع، أو من اضطروا لبيع ممتلكاتهم وعقاراتهم نتيجة توقف الخدمات الإغاثية داخل المخيمات، ضاربًا مثالًا شخصيًا على ذلك، إذ قال إنه اضطر لبيع دونمين ونصف من أرضي الزراعية، وهي مصدر رزقه، ليقوم بترميم منزله.

ومع ذلك، فإن المبالغ التي جناها لم تكفِ لإنهاء الأعمال، وقال العبيد، “أنا بحاجة لمبلغ مماثل تمامًا ليكون المنزل جاهزًا للسكن.. الأسعار مرتفعة بزيادة والأهالي يبيعون أراضيهم ليعمروا جدرانًا”.

وعن الدور المنظماتي المستقبلي، كشف العبيد عن وعود بمشروعين قادمين عبر “المفوضية” ومنظمة “سوليديريتي” (Solidarités) لترميم المنازل في ريف حماة، إلا أن هذه المشاريع بمجملها لن تتجاوز 250 منزلًا، وهو ما يصفه العبيد بـ”الدعم الخجول” الذي لا يغطي سوى 2% إلى 3% فقط من الاحتياج الفعلي لمدينة مدمرة كليًا.

مخاطر صحية وبنية تحتية غائبة

ونبه العبيد إلى المخاطر المباشرة المترتبة على حلول السكن البدائية، فالسكن في المنازل المتصدعة يعرض الأهالي لخطر الانهيارات الجدارية، كما أن السكن في المغارات يرفع معدل الإصابة بالأمراض الجلدية بسبب الرطوبة العالية والحرارة.

وأكد أن نجاح أي خطة عودة يتطلب بالضرورة “مشروعًا ضخمًا لإعادة البناء” وليس مجرد ترميم خجول، بالتوازي مع إصلاح البنية التحتية من شبكات صرف صحي وكهرباء ومياه شرب، إذ لا يمكن إفراغ المخيمات نحو مدن تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية.

العودة ليست خيارًا.. والمخيم يظل أرحم

في المقابل، روى حسن محمود العمر، وهو أحد سكان ريف حماة الشمالي، لا يزال مقيمًا في مخيمات الشمال السوري، واقعًا مختلفًا يفسر لماذا لا يستطيع كثيرون ركوب قوافل العودة أصلًا.

وقال العمر لعنب بلدي إنه لا يزال في الخيام ولا يستطيع العودة إلى قريته، لأن البيوت مدمرة بالكامل ولا توجد إمكانية للسكن فيها، واصفًا وضعه في المخيمات بأنه “سيئ وصعب للغاية”.

لكنه استدرك بالقول إنه إذا عاد إلى بلدته من دون مأوى، فإن الوضع “سيزداد سوءًا”، معتبرًا أن هذه القوافل لن تعيد إلا العائلات التي تملك منازل قابلة للترميم، أما من دُمرت بيوتهم بالكامل ولا يملكون مأوى، فسيفضلون حتمًا البقاء في المخيمات على العودة والعيش بلا منزل وسط الركام، ليظل المخيم خيارًا أرحم من واقع لا يوفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.

60% عادوا

في اجتماع نظم في حلب، منتصف حزيران الماضي، قال وزير الإشغالات العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، أن آلية العمل لدى اللجنة المسؤولة عن إعادة تأهيل المناطق المتضررة، وإعادة المهجرين والنازحين، وإنهاء ملف المخيمات، تتمثل بمعالجة ملف البنى التحتية والخدمات ثم تقديم المنح المالية.

المعايير التي تسير عليها اللجنة هي إحصاء عدد السكان في كل تجمع ومكان العودة والخدمات المتوفرة فيه، من طرق وبنى تحتية ومدارس ومراكز صحية.

وبعد جمع البيانات، تبين أن 60 إلى 70% من المشاكل يمكن أن تحل من خلال ترميم البنى التحتية وتقديم الخدمات، في حين أن النسبة المتبقية يكمن في ترميم المنازل.

وأوضح عبد الرزاق أن ترميم المنازل يتعلق بضعف الإمكانيات، حيث أن الإيرادات لا تغطي النفقات، لكنهم يحاولون معالجتها من خلال تحصيل قروض من بعض الجهات وتقديمها تحت إشراف الحكومة.

وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، قال في الاجتماع إن 60% من سكان المخيمات عادوا إلى مناطقهم، مشيرًا إلى أن عودتهم ارتبطت بعمليات إعادة تأهيل للبنى التحتية، في حين بقيت الحلقة الأضعف من المهجرين، بسبب أن بيوتهم مدمرة أو لتضاعف أعداد العائلات.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة