تنظيم 314 ضبطًا لقطع الأشجار في ستة أشهر

الاحتطاب الجائر يهدد غابات اللاذقية

ضبط ومصادرة دراجات نارية محملة بالأحطاب في ريف جبلة بمحافظة اللاذقية - 3 حزيران 2026 (مديرية الزراعة في اللاذقية)

camera iconضبط ومصادرة دراجات نارية محملة بالأحطاب في ريف جبلة بمحافظة اللاذقية - 3 حزيران 2026 (مديرية الزراعة في اللاذقية)

tag icon ع ع ع

اللاذقية – آلاء شعبو

تتزايد مخالفات الاحتطاب في غابات اللاذقية، في وقت تربط فيه مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي الظاهرة بالضغوط المعيشية وظهور تجار ينظمون عمليات قطع الأشجار وتهريبها، بينما يحذر مختصون من أن استمرار التعديات، ولا سيما في المناطق التي تعرضت للحرائق، يهدد قدرة الغابات على التجدد.

وتشير بيانات حصلت عليها عنب بلدي من مديرية الزراعة إلى تسجيل ارتفاع في مخالفات قطع الأشجار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، بالتزامن مع استمرار الإجراءات الرسمية لضبط المخالفين، في حين يرى خبراء أن الحد من الظاهرة يتطلب حلولًا تنموية إلى جانب الإجراءات القانونية.

بالأرقام.. ارتفاع في المخالفات

وفقًا لبيانات حصلت عليها عنب بلدي من مديرية الزراعة، ارتفع عدد مخالفات الاحتطاب المسجلة خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.

وسجلت المديرية 314 ضبطًا لقطع الأشجار و146 ضبط مصادرة، أسفرت عن حجز عشرات الآليات المستخدمة في عمليات القطع والتهريب، إلى جانب مصادرة كميات من الأخشاب والحطب والفحم وورق الغار.

وتظهر المقارنة مع الفترة نفسها من عام 2025 ارتفاعًا في ضبوط قطع الأشجار من 102 ضبط إلى 314 ضبطًا، في حين انخفض عدد ضبوط المصادرة من 166 إلى 146، وفق بيانات المديرية.

حددت المديرية أبرز المناطق التي تشهد تعديات مستمرة ومكثفة على الغابات، والتي تحولت إلى بؤر ساخنة للمواجهات بين الضابطة الحرجية والمحتطبين، وجاءت كالآتي:

  • منطقة الشعرة الحدودية: المتاخمة لمحافظة حماة، وتحديدًا المنطقة المتداخلة مع منطقة جبلة، نظرًا إلى طبيعتها الجغرافية الوعرة التي تسهل عمليات التهريب.
  • المواقع الحرجية في قرية بشيلي: حيث تتعرض الغابات هناك لعمليات قطع جائر وممنهج.
  • المواقع المحروقة سابقًا: وتركزت التعديات فيها بريف المحافظة الشمالي، حيث تستهدف الشبكات الأشجار المتفحمة أو تلك التي بدأت بالنمو مجددًا.

تجار يستغلون الأزمة

تعزو مديرية الزراعة الأسباب الكامنة وراء تفاقم هذه الظاهرة إلى الارتفاع الحاد في تكاليف الحياة المعيشية للمواطنين، ما دفعهم للاعتداء على الغابات وتغطية مصاريف الرعاية الصحية والتعليم، وليس فقط للاحتياجات المنزلية والطهو.

وأشارت المديرية إلى أن الأمر لم يعد يقتصر على سكان القرى الحرجية المحيطة، بل امتد ليشمل سكان المدن أيضًا، بالتوازي مع ظهور فئة من التجار امتهنت تنظيم عمليات القطع والتهريب بهدف الربح المادي السريع دون الاكتراث بالآثار التدميرية على الغطاء النباتي.

في المقابل، يرى المستشار والخبير الزراعي الدكتور عبد الرحمن قرنفلة، في حديث إلى عنب بلدي، أن انتشار الفقر والعوز يفسر تجاوز الناس للقوانين لتوفير لقمة العيش، لكنه يضع جزءًا كبيرًا من المسؤولية على “قصور البرامج الحكومية”.

وأوضح قرنفلة أن هذا الواقع يشير بوضوح إلى غياب الخطط الاستثمارية الحكومية للغابات، بما في ذلك المساحات المحروقة، والتي يفترض أن تُستغل لتوفير منافع مادية قانونية للسكان من خلال تشغيلهم في خدمات حماية الغابة وصيانتها.

أما بخصوص وجود شبكات من التجار تنظم التعدي على الغابات بهدف الربح المادي، فقد لفت الخبير الزراعي إلى أن استمرار المخالفات وتصاعدها يثبت أن العقوبات الحالية الواردة في قانون الحراج رقم “39” لعام 2023 غير رادعة بالشكل الكافي للحد من نشاط هذه الفئة، وتحتاج إلى مراجعة وتشديد فوري.

المناطق المحروقة.. تدمير فرصة “التعافي الطبيعي”

حذر الدكتور عبد الرحمن قرنفلة من الخطورة “الكارثية” لممارسة الاحتطاب في المساحات التي سبق أن تعرضت للحرائق وتحاول تجديد نفسها طبيعيًا.

وأوضح أن الغابة نظام بيئي متكامل تتفاعل فيه المكونات الحية وغير الحية في توازن دقيق، مؤكدًا أن دخول المحتطبين إلى المساحات المحروقة يدمر النمو الحديث والخلفات التجديدية للنباتات والأشجار المحروقة، ويقضي تمامًا على أي فرصة للتعافي الطبيعي.

وعن إمكانية عودة الغابات للحياة، بيّن قرنفلة أن ذلك يتوقف على ثلاثة عوامل هي: درجة فاعلية الحماية، وشدة الحريق السابق، والظروف المناخية (جفاف، حرارة، رطوبة) في سنوات ما بعد الحريق.

وأشار إلى أنه في حال توفر الحماية المشددة، وكانت الحرائق السابقة من ضعيفة إلى متوسطة، فإن الغابة قادرة على إعادة تجديد ذاتها تلقائيًا، مستدركًا بأن ذلك يحتاج إلى فترة زمنية ترتبط بطبيعة المنطقة والغطاء النباتي السائد.

إجراءات رسمية.. خبير يدعو إلى حل مستدام

تعتمد مديرية الزراعة في مواجهة مخالفات الاحتطاب على تنظيم الضبوط وإحالة المخالفين إلى القضاء، إلى جانب حجز وسائط النقل، وإذاعة البحث بحق المتوارين عن الأنظار، وكمائن ليلية ونهارية، والتنسيق مع الجهات الأمنية لضبط المخالفين.

من جانبه، أكد الدكتور قرنفلة أن الإجراءات الحالية، رغم أهميتها، تحتاج إلى أن تترافق مع سياسات تنموية وإدارية طويلة الأمد، للحد من الظاهرة، واقترح مجموعة من الإجراءات:

  • المشاركة التنموية: وضع سياسات تضمن مشاركة السكان المحليين في استثمار منتجات الغابة وتنميتها، ليتحول المواطن من مخرّب ومحتطب غير قانوني إلى حامٍ وشريك مستفيد من الثروة الحرجية.
  • الإدارة العلمية: الانتقال من عقلية “الملاحقة والقمع” إلى عقلية الإدارة والاستثمار العلمي الحقيقي للغابات لضمان تجددها.
  • نقل التجارب الدولية: إيفاد المهندسين والفنيين في دوائر الحراج بالمحافظات إلى دول تمتلك أنظمة متطورة في حماية الغابات، للاطلاع على تجاربها وبناء أنظمة مشابهة تصلح للتطبيق في سوريا.

ماذا يعني استمرار الاحتطاب؟

يرى قرنفلة أن استمرار قطع الأشجار بالمعدلات الحالية قد ينعكس على الغطاء الحرجي في سوريا، من خلال تراجع قدرة الغابات على التجدد، وزيادة أخطار انجراف التربة، وتراجع التنوع الحيوي، إضافة إلى التأثير في قدرة الغابات على الاحتفاظ بالمياه.

وأكد أن الحد من هذه التداعيات لا يقتصر على تشديد العقوبات، بل يتطلب إدارة مستدامة للغابات، وإشراك المجتمعات المحلية في حمايتها والاستفادة منها، بما يحقق توازنًا بين احتياجات السكان والحفاظ على الثروة الحرجية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة