مع استمرار انقطاع مياه "علوك"

الآبار المنزلية تستنزف المياه الجوفية بالحسكة

حفر بئر أمام منزل في أحد أحياء الحسكة - 18 حزيران 2026 (عنب بلدي)

camera iconحفر بئر أمام منزل في أحد أحياء الحسكة - 18 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – الحسكة

تتواصل في مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا، ظاهرة حفر الآبار المنزلية بوتيرة متسارعة، بعد سنوات من أزمة المياه التي تفاقمت مع توقف وصول المياه من محطة “علوك” بريف مدينة رأس العين/سري كانيه، المصدر الرئيس لمياه الشرب في مدينتي الحسكة وتل تمر وأريافهما، إضافة إلى المخيمات المنتشرة في المنطقة.

وباتت حفارات الآبار مشهدًا مألوفًا في أحياء المدينة، مع سعي السكان إلى إيجاد بديل يخفف من الاعتماد على صهاريج المياه مرتفعة التكلفة، في وقت يحذر فيه مختصون من أن هذا الحل الاضطراري يحمل أخطارًا بعيدة المدى، تتمثل في استنزاف المخزون الجوفي وتراجع جودة المياه، فضلًا عن عدم صلاحية معظمها للشرب بسبب ارتفاع نسبة الكلس والأملاح فيها.

سنوات من الانقطاع

تعاني الحسكة من انقطاعات متكررة للمياه منذ سنوات، قبل أن يدخل الانقطاع الأخير شهره الـ12 تقريبًا، ما دفع آلاف العائلات إلى البحث عن وسائل بديلة لتأمين احتياجاتها اليومية.

وتعتبر محطة “علوك” المصدر الأساسي لمياه الشرب في المحافظة، إلا أن توقفها المتكرر أدى إلى اعتماد السكان على شراء المياه المنقولة بالصهاريج أو اللجوء إلى حفر الآبار داخل الأحياء السكنية.

وخلال العامين الأخيرين، انتشرت حفارات الآبار في مختلف أحياء المدينة، فيما تحولت قوائم الانتظار لدى أصحاب الحفارات إلى مشهد اعتيادي نتيجة ارتفاع الطلب، بالتزامن مع دخول فصل الصيف وازدياد الاستهلاك اليومي للمياه.

مهنة تنتعش مع تفاقم الأزمة

عبد الله السلمان صاحب حفارة للآبار، قال لعنب بلدي، إن الإقبال على حفر الآبار ازداد بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية، إلى درجة أنه بات يسجل أسماء الراغبين بالحفر وفق قوائم انتظار.

وأضاف أن عمق البئر يتراوح عادة بين 30 و50 مترًا، بينما تبلغ أجرة الحفر ستة دولارات لكل متر، إضافة إلى تحمل صاحب المنزل تكاليف الوقود اللازم لتشغيل الحفارة.

وأشار إلى أن عملية الحفر قد تستغرق بين 12 و15 ساعة، بحسب طبيعة التربة والعمق المطلوب، لافتًا إلى أن صاحب الحفارة يتقاضى أجرة العمل كاملة حتى في حال عدم العثور على المياه في الموقع الذي يختاره صاحب المنزل.

ويعكس هذا الواقع حجم المخاطرة التي يتحملها السكان، إذ قد ينفقون مئات الدولارات على حفر بئر لا تنتج أي مياه، ثم يضطرون إلى إعادة التجربة في مكان آخر.

شراء المياه.. عبء إضافي

رغم انتشار الآبار، لا تزال نسبة كبيرة من سكان الحسكة تعتمد على شراء مياه الشرب من الصهاريج، لأن معظم مياه الآبار غير مناسبة للاستهلاك البشري.

وتصل تكلفة تعبئة خزان منزلي بسعة خمسة براميل إلى نحو 40 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يشكل عبئًا ماليًا على كثير من الأسر، خاصة مع الحاجة إلى تعبئة الخزانات أكثر من مرة خلال أشهر الصيف.

ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الاستهلاك المنزلي للمياه، ما يضاعف الإنفاق الشهري على شراء المياه، في ظل تراجع القدرة الشرائية للسكان.

الأهالي بين تكلفة الصهاريج ومياه الآبار

قال أحمد الجار الله من سكان حي الطلائع، إن المياه لم تصل إلى الحي عبر شبكة المياه منذ فترة طويلة، مضيفًا أن ارتفاع أسعار الصهاريج يدفع العائلات أحيانًا إلى استخدام مياه الآبار للشرب رغم إدراكها أنها ليست الخيار الصحي المناسب.

وأضاف أن كثيرًا من الأسر تجد نفسها مضطرة للموازنة بين شراء المياه بأسعار مرتفعة أو الاعتماد على مياه الآبار لتغطية جزء من احتياجاتها اليومية، في ظل غياب أي بديل آخر.

أما علي السلمان من سكان حي غويران، فقال إن الحي بات يضم مئات الآبار المنزلية، مضيفًا أن تكلفة إنشاء بئر لا تقتصر على الحفر فقط، إذ يحتاج كل متر إلى قميص بلاستيكي تبلغ تكلفته ستة دولارات أيضًا، إضافة إلى شراء الغطاس وخط المياه والتمديدات الكهربائية.

وأشار إلى أن التكلفة النهائية لحفر وتجهيز بئر بعمق يتراوح بين 30 و40 مترًا تصل إلى ما بين 500 و600 دولار، وهو مبلغ كبير بالنسبة لمعظم العائلات، لكنه أصبح استثمارًا ضروريًا لتأمين المياه.

وأضاف أن الآبار شهدت خلال الصيف الماضي انخفاضًا كبيرًا في منسوب المياه، حتى جف عدد منها بالكامل، إلا أن الأمطار التي هطلت خلال الشتاء الماضي أسهمت في إعادة تعبئة جزء كبير منها وتحسن مستوى المياه نسبيًا.

من جهته، قال جاسم الكمر من حي النشوة، إن الحصول على بئر يحتاج بداية إلى انتظار الدور لدى صاحب الحفارة، ثم استخراج موافقات من مجلس الحي وبلدية الحسكة للحصول على رخصة الحفر.

وأضاف أن الحصول على الترخيص لا يضمن نجاح عملية الحفر، إذ إن بعض المواقع لا تحتوي على مياه، ما يضطر أصحاب المنازل إلى تكرار عمليات الحفر في أكثر من نقطة، وهو ما يرفع التكلفة بشكل كبير.

وأشار إلى أن أغلبية الآبار تُحفر على الأرصفة أو بمحاذاة الشوارع أمام المنازل، لافتًا إلى أن بدايات الأزمة شهدت الاعتماد على حفارات يدوية لا يتجاوز عمقها عشرة أمتار، إلا أن تلك الآبار جفت مع مرور السنوات نتيجة انخفاض منسوب المياه، ما دفع الأهالي إلى الاتجاه نحو الحفر بآليات كبيرة وبأعماق تبدأ من 25 مترًا وقد تتجاوز 50 مترًا في بعض المواقع.

تحذيرات من استنزاف المياه الجوفية

يرى الخبير الجيولوجي عامر الصالح أن انتشار الآبار المنزلية يعكس حجم أزمة المياه في الحسكة، لكنه في الوقت نفسه ينذر بمشكلات بيئية ومائية قد تصبح أكثر تعقيدًا خلال السنوات المقبلة إذا استمر الحفر والاستخراج بالمعدلات الحالية.

وقال الصالح، إن جميع الآبار الموجودة داخل مدينة الحسكة هي آبار سطحية، ولا توجد آبار ارتوازية تستمد مياهها من خزانات جوفية عميقة أو من أحواض مائية بعيدة، ما يعني أن مصدر تغذيتها الأساسي يتمثل في مياه الأمطار والسيول، إضافة إلى التسربات القادمة من نهري الخابور والجغجغ.

وأضاف أن هذه الطبيعة الهيدرولوجية تجعل المخزون الجوفي داخل المدينة محدودًا وسريع التأثر، إذ يعتمد على التجدد الموسمي، ولذلك فإن أي زيادة في كميات الضخ والاستخراج دون وجود تغذية مائية كافية تؤدي إلى انخفاض سريع في مناسيب المياه.

وأشار إلى أن الانخفاض الكبير الذي شهدته الآبار خلال الصيف الماضي لم يكن نتيجة الجفاف فقط، بل جاء أيضًا بسبب الارتفاع الكبير في أعداد الآبار المنزلية التي تستجر المياه من الطبقة الجوفية نفسها، ما خلق ضغطًا غير مسبوق على المخزون المائي.

ولفت إلى أن الأمطار الأخيرة أسهمت في إعادة إنعاش الطبقات السطحية ورفعت مناسيب المياه في كثير من الآبار، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة، لأن هذه الكميات قد تنخفض مجددًا مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك خلال فصل الصيف.

وحذر الصالح من أن استمرار الحفر العشوائي دون دراسة جيولوجية أو تنظيم لعمليات الاستخراج قد يؤدي مستقبلًا إلى انخفاض دائم في مستوى المياه الجوفية، الأمر الذي سيجعل الوصول إليها أكثر صعوبة ويتطلب الحفر إلى أعماق أكبر، مع ارتفاع التكلفة المالية وتراجع الإنتاجية.

وأضاف أن انخفاض منسوب المياه لا يقتصر أثره على الكمية فقط، بل ينعكس أيضًا على النوعية، إذ يؤدي الهبوط المستمر في مستوى المياه إلى زيادة تركيز الأملاح والمواد المعدنية الذائبة، لتصبح المياه أكثر قساوة مع مرور الوقت.

وأكد أن معظم مياه الآبار داخل مدينة الحسكة مياه كلسية، وهي غير مناسبة للشرب بصورة مباشرة، موضحًا أن ارتفاع نسبة الكلس والأملاح فيها قد يتسبب، مع الاستهلاك المستمر، بمشكلات صحية، كما يؤدي إلى ترسبات داخل شبكات المياه والأجهزة المنزلية والخزانات.

وشدد على ضرورة قصر استخدام هذه المياه على أغراض الغسل والتنظيف والاحتياجات المنزلية الأخرى، وعدم الاعتماد عليها كمصدر دائم لمياه الشرب إلا بعد إخضاعها لتحاليل مخبرية ومعالجة تضمن مطابقتها للمواصفات الصحية.

ويرى أن الحل الحقيقي لأزمة الحسكة لا يكمن في زيادة أعداد الآبار، وإنما في استعادة مصادر الإمداد الرئيسة بالمياه، وتنظيم استثمار المياه الجوفية وفق خطط فنية تضمن الحفاظ على المخزون المائي للأجيال المقبلة، لأن استمرار الحفر العشوائي سيؤدي في النهاية إلى استنزاف مورد طبيعي محدود يصعب تعويضه خلال فترات زمنية قصيرة.

لا تعليق رسميًا

عنب بلدي تواصلت مع المديرية العامة لمياه الشرب والصرف الصحي للاستفسار عن واقع المياه في مدينة الحسكة، وموعد إعادة تشغيل محطة “علوك”، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا حتى موعد نشر هذا التقرير.

وتتواصل أعمال تأهيل محطة “علوك” منذ عدة أشهر، بدعم من منظمات دولية ومحلية، في إطار مساعٍ لإعادة تشغيلها واستئناف ضخ المياه إلى مدينة الحسكة ومدينة تل تمر وأريافهما، إضافة إلى المخيمات التي تعتمد عليها كمصدر رئيس لمياه الشرب، دون الإعلان عن جدول زمني واضح لإنجاز أعمال التأهيل أو استئناف الضخ.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة