من مرفق عام إلى شركة خاصة.. تحول غامض لمجبل إسفلت الحسكة

camera iconأول عملية تزفيت في الحسكة تظهر فيها اسم شركة دجلة – 2 حزيران 2026 (هاوار)

tag icon ع ع ع

في تتبع لوثائق رسمية وإفادات مصادر محلية، تكشف عنب بلدي، عبر المعطيات المتعلقة بمجمعَي الإسفلت الواقعين عند المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة، شرق دوار البانوراما، عن سلسلة تغيّرات متسارعة في أسماء الجهات المشغلة والإطار الإداري والمالي، خلال الفترة الممتدة بين أواخر 2025 ومنتصف 2026، دون صدور أي إعلان رسمي يوضح طبيعة هذه التحولات أو أسسها القانونية.

وتُظهر المنشورات والوثائق التي راجعتها عنب بلدي، إلى جانب إفادات من داخل بلدية الحسكة (التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية”) وداخل المجبل، أن البنية التشغيلية للمرفق بقيت ثابتة، في حين تبدلت التسميات الإدارية والكيانات التي تتولى إدارته، من دون وضوح في آلية الانتقال أو تفسير رسمي يحدد طبيعة العلاقة بين هذه الجهات.

هذا التغيير بمجمله يشير إلى تحويل منشأة عامة إلى خاصة (أو مُستثمرة بعقد طويل الأمد) دون أسانيد قانونية أو عقود مُعلنة.

اختفاء شركة وظهور أخرى

ظل اسم شركة “الحسكة للمجبول الزفتي” حاضرًا في بيانات بلدية الشعب في الحسكة المتعلقة بمشاريع تعبيد الطرق، إذ كانت البلدية تشير حتى 27 من كانون الأول 2025 إلى تنفيذ المشاريع “بالتعاون مع شركة الحسكة للمجبول الزفتي”.

وفي المقابل، تُظهر وثيقة رسمية نشرتها بلدية الشعب في الحسكة، في 27 من تشرين الثاني 2025، بعنوان “إعلان استدراج عروض أسعار”، أن إدارة مجبلَي الإسفلت عند المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة، شرق دوار البانوراما، كانت تتبع إداريًا إلى “الشركة العامة للطرق والجسور” (ذاتها ما كانت تشير إليه بيانات البلدية بـ “الحسكة للمجبول الزفتي”)، وهي جهة تابعة لاتحاد البلديات، وتعمل ضمن نطاق بلدية الشعب في الحسكة. وحمل الإعلان توقيع الرئاسة المشتركة: نسرين أحمد وحسين يوسف.

لكن هذا النمط تغيّر بعد 27 من كانون الأول 2025، إذ اختفى اسم “شركة الحسكة للمجبول الزفتي” من جميع منشورات البلدية المتعلقة بالتزفيت بعد آخر إعلان في هذا التاريخ، دون أي توضيح رسمي حول مصيرها أو سبب توقف ذكرها، لتُظهِر الصيغ المنشورة البلدية كمنفذ لأعمال تزفيت الشوارع في مدينة الحسكة.

وبعد نحو خمسة أشهر، ظهر اسم جديد للمرة الأولى في 2 حزيران 2026، عبر تقرير نشرته وكالة “هاوار” المقرّبة من “قسد”، تحدث عن بدء أعمال مدّ المجبول الإسفلتي في شوارع مدينة الحسكة، مشيرًا إلى “شركة دجلة للإسفلت”، مع نقل تصريحات نسرين أحمد بصفتها الرئيسة المشتركة للشركة الجديدة، دون تقديم أي توضيح حول الإطار القانوني أو الإداري لانتقال الإدارة.

عقد استثمار ينقل إدارة المجبلين

لم تُظهر المراجعات الوثائقية وجود قرار معلن بحل “الشركة العامة للطرق والجسور” أو تغيير رسمي في تبعية المجبلين الواقعين شرق دوار البانوراما.

غير أن ثلاثة مصادر متقاطعة أفادت عنب بلدي أن التحول تم عبر عقد استثمار، مدته 49 عامًا، أبرمته بلدية الشعب في الحسكة خلال شباط 2026 مع جهة تحمل اسم “شركة دجلة” مشيرين إلى أنها شركة خاصة ظهرت من العدم.

وبحسب مصدر داخل البلدية، تحفظ على ذكر اسمه، فإن المجبلين كانا يتبعان قبل عام 2016 إلى دائرة الخدمات الفنية وشركة الرصافة، وهما جهتان حكوميتان سوريتان. وبعد سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” على مدينة الحسكة عام 2016، انتقلت الإدارة إلى “الشركة العامة للطرق والجسور” التابعة لـ “قسد” بهيكلها الخدمي (الإدارة الذاتية/ اتحاد البلديات).

وأضاف المصدر أن رئئسة البلدية السابقة، عنود دقوري، رفضت التوقيع على عقد الاستثمار رغم تعرضها لضغوط من قبل “كوادر حزب العمال الكردستاني المهيمنين على قرارات مؤسسات الإدارة الذاتية”، قبل أن تغادر منصبها بعد تقديم استقالتها، لتتولى سعدية كوتي، رئاسة البلدية لاحقًا وتوقع العقد في شباط 2026.

ويشير المصدر إلى أن الرئاسة المشتركة لشركة “دجلة” ضمّت الاسمين نفسيهما: نسرين أحمد وحسين يوسف، اللذين كانا يديران سابقًا “الشركة العامة للطرق والجسور”، ما يعزز حالة الاستمرارية الإدارية رغم تبدل التسمية، مع تأكيده أن الاسمين المذكورين كانا موظفين في بلدية الحسكة قبل نقلهما لإدارة المجبل قبل سنتين تقريبًا.

شركة خاصة برواتب من “قسد”

بحسب إفادات عاملين داخل المجبل، فإن التغيير لم يقتصر على الاسم الإداري، بل شمل طبيعة العلاقة الوظيفية.

وقال أحد العاملين (تحفّظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية) إن إدارة المجبل أبلغتهم خلال أيار 2026 بأن رواتبهم ستصبح عبر “شركة دجلة” باعتبارها شركة خاصة، وأن وضعهم الوظيفي سيتغير.

لكنه يؤكد أن هذا التغيير لم ينعكس عمليًا على رواتب العاملين الذين يتجاوز عددهم الـ40 عاملًا، إذ استمروا بتقاضي رواتب تتراوح بين مليون و300 ألف ليرة سورية ومليون و500 ألف ليرة سورية، في مواعيد تتطابق مع صرف رواتب موظفي بلدية الشعب في الحسكة.

وأشار المصدر إلى أن الرواتب كانت تُصرف من الكتلة المالية المخصصة للبلدية، رغم الإبلاغ بأنهم باتوا يتبعون لشركة خاصة.

كما امتد التغيير إلى ملف الدمج الإداري الذي بدأ بعد الاتفاق بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”، إذ تم استبعاد العمال من قوائم الدمج بحجة أنهم يتبعون لشركة خاصة، بينما أُدرج اسما نسرين أحمد وحسين يوسف ضمن القوائم.

تغييرات في الآليات والملكية

وأشار مصدر إداري آخر داخل المجبل إلى أن التحول الإداري رافقه تغيير في وضع الآليات بين شباط وأيار 2026.

فقد تم تغيير لوحات كافة الآليات من خضراء (تشير إلى أملاك عامة) إلى لوحات حمراء وزرقاء، ما فُهم داخل الموقع على أنه تغيير في صفة الملكية أو التبعية.

كما سُحبت الوثائق الأصلية للآليات من السائقين واستُبدلت بنسخ مصورة فقط، ما حال دون التحقق من الجهة المالكة.

ويقدّر المصدر أن الإنتاج اليومي يتراوح بين 25 و30 ألف دولار من المجبول الإسفلتي، ما يجعل الموقع أحد أبرز مصادر مواد الطرق في مدينة الحسكة.

كما أشار إلى وجود ثلاث كسارات في منطقة جبل عبد العزيز قرب قرية “الغرة”، تُستخدم لتأمين المواد الأولية.

وفي سياق آخر، يذكر المصدر وجود مجبل ثالث كان تابعًا لجهة عسكرية مرتبطة بـ”قوات سوريا الديمقراطية”، وكان يديره شخص اسمه أحمد تمر، يتبع لمالية “قسد”، قبل تفكيكه بالكامل ونقله إلى القامشلي في شباط 2026 دون توضيحات رسمية.

كما أشار إلى شخصية تنظيمية تُدعى “عكيد”، وهو وفق وصف المصدر “من كوادر حزب العمال الكردستاني، وكان مسؤولًا عن ملف البلديات قبل أن ينتقل لإدارة المجبلين عقب تعثر مشروع تعبيد شارع المفتي”، ثم غادر لاحقًا ضمن “تغييرات إدارية”.

إنتاج مرتفع وموقع واحد يتحكم بالمدينة

يُعد مجبل الإسفلت شرق دوار البانوراما من أبرز المرافق الحيوية لتعبيد الطرق في الحسكة، إذ تعتمد عليه مشاريع البلدية بشكل أساسي.

وتعتمد العملية الإنتاجية على معدات ثقيلة وثلاث كسارات في منطقة جبل عبد العزيز، إضافة إلى شبكة نقل وتوريد مترابطة بين أكثر من موقع داخل المحافظة.

إدارة واحدة بأسماء تتغير

تُظهر الوثائق التي راجعتها عنب بلدي، أن نسرين أحمد وحسين يوسف كانا يديران “الشركة العامة للطرق والجسور” في تشرين الثاني 2025، قبل أن يعود اسم نسرين أحمد للظهور في حزيران 2026 كرئيسة مشتركة لـ“شركة دجلة للإسفلت”.

وتشير مصادر داخل المجبل إلى أن شخصية “عكيد” لعبت دورًا في ترتيب التعاقدات والإشراف الإداري، قبل مغادرته المنطقة لاحقًا إلى جبال قنديل في سياق تغييرات إدارية مرتبطة بتفاهمات بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”.

كما يبرز اسم المهندس درويش عباس، وهو موظف حكومي متقاعد كان يشرف على المجبل قبل عام 2016، ليعود مجددًا للإشراف الفني على التشغيل، مع استمرار تقاضيه راتبًا تقاعديًا من الحكومة السورية إضافة إلى أجر من إدارة المجبل.

حقائق متقاطعة وأسئلة مفتوحة

تُظهر المعطيات أن التحولات في اسم الجهة المشغلة لمجبلَي الإسفلت بدأت مع “الشركة العامة للطرق والجسور”، وصولًا إلى “شركة دجلة للإسفلت”، دون صدور أي إعلان رسمي يوضح طبيعة هذا الانتقال.

كما تشير الإفادات إلى استمرار دفع الرواتب من موازنة بلدية الشعب في الحسكة، رغم وصف العمال بأنهم تابعون لشركة خاصة، إضافة إلى استبعادهم من مسار الدمج.

وفي المقابل، بقيت البنية التشغيلية ثابتة، مع استمرار الإنتاج في موقع واحد بطاقة تتراوح بين 25 و30 ألف دولار يوميًا، ما يجعل المرفق أحد أهم مراكز إنتاج الإسفلت في المدينة.

تحولات بلا توضيح

تُظهر هذه المعطيات، المستندة إلى وثائق وإفادات متقاطعة، وجود سلسلة من التحولات الإدارية في مجبلَي الإسفلت شرق دوار البانوراما، دون وجود إطار قانوني معلن يشرح طبيعة هذه التغييرات أو أسسها.

ورغم تعدد التسميات والجهات المشغلة، فإن العناصر التشغيلية الأساسية، بما فيها المواقع والأسماء الإدارية والبنية الفنية، تبدو مستمرة بدرجات مختلفة من التبدل وإعادة التنظيم.

وفي ظل غياب توضيحات رسمية من بلدية الشعب في الحسكة أو الجهات ذات الصلة، تبقى الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين الكيانات المتعاقبة، وحدود الملكية والتشغيل، وآليات تصنيف العمال والآليات، مفتوحة أمام مزيد من التوضيح.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة