
ساحة فرحات وكنيسة في حي الجديّدة بمدينة حلب - 2 تموز 2026 (عنب بلدي)

ساحة فرحات وكنيسة في حي الجديّدة بمدينة حلب - 2 تموز 2026 (عنب بلدي)
عنب بلدي – محمد ديب بظت
تقع ساحة “فرحات”، إحدى الساحات المعروفة بمدينة حلب، في حي الجديّدة القديم بين أزقة حجرية ضيقة، وبيوت قديمة، وكنائس تشكل جزءًا من هوية الحي التاريخية.
ورغم صغر مساحتها، بقيت الساحة واحدة من علامات المنطقة، لارتباطها بتمثال المطران جرمانوس فرحات وبالكنائس المحيطة بها.
وتحضر في أحاديث الحلبيين مقارنة متكررة بين حي الجديّدة وبعض الأحياء الإيطالية القديمة، لا بوصفها مقارنة دقيقة بقدر ما هي طريقة شعبية لوصف المكان، فالأزقة الضيقة والواجهات الحجرية والشرفات والأبواب الخشبية تمنح الحي صورة يصفها بعض سكان المدينة بأنها تشبه حيًا إيطاليًا منسوخًا داخل حلب.
يقع المكان خارج سور حلب القديم ضمن حي الجديّدة الذي تشكل على مدى قرون بوصفه أحد أبرز أحياء المسيحيين في المدينة، قبل أن يتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة العامة لحلب بما يتضمنه من بيوت تراثية وكنائس ومطاعم ومقاهٍ.
ولا تنفصل أهمية الساحة عن الاسم الذي تحمله، فـ”فرحات” ليست تسمية محلية، بل اسم يعود إلى المطران جرمانوس فرحات، وهو من الشخصيات التي ارتبط اسمها بتاريخ اللغة العربية والثقافة المسيحية في حلب خلال العصر العثماني.
ولد المطران جرمانوس فرحات عام 1670، وهو من أسرة مطر التي ارتحلت من قرية حصرون في لبنان إلى حلب.
وكان فرحات من الشخصيات التي وضعت أسسًا للنهضة في الشرق، إذ ارتبط بثقافة الغرب وعرف العربية والإيطالية واللاتينية والسريانية، كما درس المنطق والفلسفة وعلوم العرب والتاريخ الخاص والعام إلى جانب العلوم اللاهوتية، وله مشاركات في مجالات أخرى كالطب والكيمياء والفلك والطبيعيات.
رحل إلى روما عام 1711، ومنها إلى إسبانيا، حيث تفقد ما بقي من آثار العرب، وحصل على عدد من المخطوطات قبل أن يعود عام 1712 إلى لبنان.
وحين كان أسقفًا في حلب، أنشأ مكتبة عُرفت باسم “المكتبة المارونية” ضمت عددًا من المخطوطات العربية النفيسة.
وترك فرحات أكثر من مئة مؤلف في النحو والإعراب واللغة والعروض والأدب والمنطق والفلسفة، ومن كتبه المعروفة “بحث المطالب” في الصرف والنحو الذي تكرر طبعه وظل معتمدًا في المدارس حتى وقت قريب.
عاش فرحات في مرحلة كانت فيها حلب مدينة تجارة ومعرفة، تصل بين الأناضول وبلاد الشام والعراق وتستقبل التجار والرحالة وأهل العلم من مناطق متعددة.
وتولى مطرانية الموارنة في حلب بين عامي 1725 و1732، ولم يكن رجل دين فقط، إذ عُرف باهتمامه باللغة العربية وكتب فيها أعمالًا أدبية وتعليمية، وسعى إلى أن تكون العربية لغة معرفة وتواصل لدى أبناء الطائفة المارونية، في وقت كانت السريانية تؤدي دورًا أساسيًا في الطقوس الدينية.
وكتب فرحات في مسائل اللغة العربية بهدف تقديم مادة تساعد المتعلمين على فهم العربية وقواعدها بأسلوب مبسط، ولم يبقَ هذا الاهتمام داخل حدود حلب أو الكنيسة، إذ انتشرت بعض أعماله في المدارس العثمانية واستفاد منها لاحقًا عدد من أعلام النهضة العربية.
وحملت الساحة اسم المطران جرمانوس فرحات تكريمًا له، ووضع تمثاله فيها خلال ثلاثينيات القرن الماضي في ذكرى مرور قرنين على وفاته.
ومنذ ذلك الوقت، صار الاسم جزءًا من ذاكرة الحي، يستدعى مع الكنائس المحيطة به ومع الحكايات التي يرويها الحلبيون عن الجديدة بوصفه حيًا لا يشبه غيره.
تبدو ساحة “فرحات” أشبه بعتبة للكنائس، ففي محيطها تتجاور كاتدرائيات وكنائس تمثل طوائف مسيحية متعددة.
ومن أبرز هذه المعالم كاتدرائية “مار إلياس” المارونية، التي تقع في الساحة نفسها، وتعد من أبرز معالم حي الجديّدة.
بنيت الكاتدرائية عام 1873، وتميزت ببرجين وقبة مرتفعة، فيما يقع مذبحها الرخامي ذو الأعمدة الصفراء تحت القبة في جهتها الشرقية.
وفي عام 1914، أُنجزت أعمال إنشائية في الكنيسة وُصفت بأنها من أوائل استخدامات الأسمنت المسلح في حلب، كما ارتبطت ذاكرتها بساعة موسيقية في برجها كانت تعزف لحن “آفي ماريا” على فترات متقاربة.
وإلى جانبها، تحضر كاتدرائية انتقال السيدة للروم الملكيين الكاثوليك، وهي من الكنائس البارزة في الساحة ومحيطها، وتوجد كنائس أرمنية في حي الجديّدة، بينها كنيسة “الأربعين شهيدًا” للأرمن الأرثوذكس، التي تعود جذورها إلى أواخر القرن الـ15.
لا يمكن الحديث عن ساحة “فرحات” من دون الحديث عن حي الجديّدة، فالحي لا يقدم جماله دفعة واحدة، بل يكشفه تدريجيًا لمن يدخل أزقته.
ارتبط الجديّدة تاريخيًا بالحرفيين والتجار، وبحضور عائلات مسيحية لعبت دورًا في الحياة الاقتصادية والثقافية للمدينة، ومع مرور الزمن لم يبقَ الحي محصورًا بسكانه الأصليين، وإنما تحول إلى جزء من ذاكرة حلب يقصده الزوار لرؤية البيوت القديمة والكنائس والمطاعم والمقاهي التي نشأت في بعض مبانيه التراثية.
وقبل الحرب، عرفت المنطقة حركة ترميم واهتمامًا بالبيوت التاريخية وتحولت بعض الأبنية إلى فنادق صغيرة ومطاعم ومراكز ثقافية.
خلال سنوات الحرب، لم تبقَ ساحة فرحات خارج دائرة الدمار التي أصابت المدينة القديمة، إذ كان حي الجديّدة من المناطق التي تعرضت لأضرار واسعة، وأصيبت الكنائس والأبنية التاريخية المحيطة بالساحة بالقصف والاشتباكات.
وتضررت كاتدرائية “مار إلياس” المارونية بشكل كبير، حيث انهار سقفها تحت القصف عام 2012، ثم لحقت بها أضرار إضافية في السنوات اللاحقة.
كما أصيبت كاتدرائية “انتقال السيدة” للروم الملكيين الكاثوليك بأضرار كبيرة خلال المعارك، طالت القبة والمدخل وأجزاء من المبنى المجاور لها، وبعد توقف المعارك بدأت أعمال ترميم في أجزاء من حي الجديّدة وكنائسه.
رغم ارتباط ساحة “فرحات” بالوجود المسيحي في حلب، لا يمكن اختزالها في هوية دينية واحدة باعتبارها جزءًا من مدينة عُرفت، عبر تاريخها، بتعددها وبقدرة أحيائها على جمع أصوات مختلفة في مساحة واحدة.
ومن بين التفاصيل التي ارتبطت بالمكان، محل “أبو عبدو الفوال”، الذي يعرفه كثير من الحلبيين بوصفه إحدى محطات الحي إلى جانب الكنائس والبيوت القديمة والأزقة التي شكلت ذاكرة حلب الجديّدة.
وبين تاريخ الحي وصاحب الاسم الذي أُطلق على ساحته امتدادًا لآثار الحرب وأعمال الترميم، بقيت الساحة واحدة من الأماكن التي تحفظ جانبًا من صورة حلب القديمة، بما فيها من تنوع ديني واجتماعي وتفاصيل يومية لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي لدى سكانها.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى