
أحد الطرق الدولية للنقل في سوريا - 4 أيار 2026 (وزارة النقل السورية)

أحد الطرق الدولية للنقل في سوريا - 4 أيار 2026 (وزارة النقل السورية)
أعادت الحكومة السورية فتح ملف الاستثمار في البنية التحتية عبر إعلان مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، معاذ نجار، تحديث دراسات الجدوى الاقتصادية لمحوري “شمال-جنوب” و”شرق-غرب”، تمهيدًا لتنفيذهما كطرق مأجورة وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT).
ويمتد محور “شمال- جنوب” من الحدود الأردنية جنوبًا إلى الحدود التركية شمالًا على مسار يقع شرق الطريق الحالي بعدة كيلومترات، أما محور “شرق- غرب”، فيربط مرفأ طرطوس بمنفذ التنف على الحدود العراقية.
ويأتي ذلك في وقت تراهن فيه الحكومة على أن هذه المشاريع ستخفض تكاليف النقل، وتنعش حركة الترانزيت، وتدعم إعادة الإعمار، في ظل محدودية الموارد العامة والحاجة إلى جذب استثمارات جديدة.
ويرى خبراء اقتصاد أن نجاح هذه الخطوة لا يرتبط بإنشاء الطرق فحسب، بل بقدرة الدولة على بناء نموذج استثماري يوازن بين مصالح المستثمرين والمواطنين ويضمن تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
يمثل التوجه نحو الطرق المأجورة تحولًا لافتًا في أدوات تمويل مشاريع البنية التحتية، إذ تعتمد الحكومة على الشراكة مع القطاع الخاص بدلًا من التمويل المباشر من الخزينة العامة.
وقال أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” الدكتور عبد الرحمن محمد، إن هذه الخطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا قسريًا نحو هندسة مالية جديدة لإدارة الأصول العامة”، موضحًا أنها تعكس انتقال الحكومة من إدارة الأزمة إلى البحث عن أدوات تمويل مستدامة.
وأضاف أن أهمية المشروع لا تقتصر على توفير التمويل، بل تمتد إلى تحسين جودة البنية التحتية من خلال إلزام المستثمر بصيانة الطريق طوال مدة العقد، فضلًا عن تطبيق مبدأ “المستخدم يدفع”، بحيث يتحمل تكلفة الخدمة من يستفيد منها مباشرة، بدلًا من تحميلها لجميع دافعي الضرائب.
كما يرى أن المشروع يبعث برسالة إيجابية إلى المستثمرين بأن سوريا تتجه نحو قبول آليات الشراكة مع القطاع الخاص، وهو ما قد يفتح الباب أمام استثمارات جديدة في قطاعات أخرى.
أما الباحث الاقتصادي محمد السلوم، فيرى أن مشروع الطرق الدولية المأجورة، رغم حداثة طرحه في السوق السورية، ليس فكرة جديدة على الاقتصاد العالمي، بل يمثل أحد النماذج الحديثة في تمويل وإدارة البنى التحتية.
وقال إن سوريا، بحكم موقعها الجغرافي، تمتلك فرصة نادرة لتكون عقدة لوجستية تربط الخليج والعراق وتركيا والأردن وشرق المتوسط، إذا ما جرى استثمار هذه الميزة بطريقة احترافية.
وفي حديثه عن أهمية المشروع، أكد السلوم لعنب بلدي، أنه “قناة مساعدة فائقة السرعة”، لنقل السلع ذات القيمة المرتفعة والبضائع الحساسة زمنيًا، مثل المنتجات الطبية والصناعية والحاويات الجافة، إضافة إلى دوره في توفير مسارات بديلة عند تعرض بعض الطرق البحرية للاختناقات أو المخاطر.
جاء إعلان المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية مترافقًا مع التأكيد على تنفيذ المشروع وفق نظام “BOT”، وهو نموذج استثماري يعتمد على تمويل القطاع الخاص للمشروع مقابل تشغيله لفترة زمنية قبل نقل ملكيته إلى الدولة.
ويرى الدكتور محمد أن هذا النموذج يعد الأنسب للواقع السوري الحالي، لأن الحكومة تعاني من محدودية السيولة وعدم قدرتها على تمويل مشاريع بمليارات الدولارات، بينما يسمح النظام بنقل جزء كبير من مخاطر الإنشاء والتشغيل إلى المستثمر، إضافة إلى استقطاب الخبرات الفنية والإدارية.
لكنه شدد على أن جذب المستثمرين يتطلب توفير بيئة قانونية مستقرة، تبدأ بتحصين العقود من التغييرات التشريعية، مرورًا بإتاحة التحكيم الدولي في حال النزاعات، ووصولًا إلى ضمان حرية تحويل الأرباح، وربط رسوم العبور بآليات تحمي المستثمر من تقلبات التضخم وسعر الصرف.
وقال إن تقديم ضمانات سيادية للمشروعات، وضمان حد أدنى من الإيرادات في المراحل الأولى، قد يكونان عنصرين حاسمين في جذب الشركات العالمية.
أما الباحث السلوم فقال إن نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) يعد اليوم أحد أكثر الخيارات واقعية بالنسبة لسوريا، في ظل الاحتياجات الهائلة لإعادة الإعمار والقيود التي تواجه المالية العامة.
وأضاف أن الاعتماد على التمويل الحكومي وحده سيؤدي إلى تأخير تنفيذ مشاريع البنية التحتية لسنوات طويلة، في حين يتيح هذا النموذج استقطاب رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا دون تحميل الخزينة العامة أعباء مالية كبيرة.
لكن السلوم لفت إلى أن المستثمر الأجنبي لا يشتري فكرة المشروع فحسب، بل يشتري بيئته أيضًا، ولذلك فإن الضمانات المطلوبة لا تقتصر على تحقيق الأرباح، وإنما تبدأ من الاستقرار الأمني والسياسي، ووضوح التشريعات، ووجود منظومة قانونية مستقرة وآليات تحكيم فعالة، وصولاً إلى حرية تحويل الأرباح والقدرة على التنبؤ بالسياسات الاقتصادية في المدى الطويل.
ما الطرق المأجورة؟نظام BOT (البناء والتشغيل ونقل الملكية) هو أحد نماذج الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، تتولى بموجبه شركة خاصة تمويل المشروع وإنشاءه وتشغيله لفترة زمنية محددة تسترد خلالها تكاليفها وتحقق عائدًا من الإيرادات، قبل أن تنقل ملكيته وإدارته إلى الدولة عند انتهاء مدة العقد، وفق الشروط المتفق عليها بين الطرفين. الطرق المأجورة هي طرق تُنفذ وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، إذ تتولى شركة خاصة تمويل وإنشاء الطريق وتشغيله لفترة محددة، مقابل تحصيل رسوم عبور من المستخدمين، قبل أن تنتقل ملكيته وإدارته إلى الدولة بعد انتهاء مدة العقد. |
إعلان المؤسسة عن تحديث دراسات الجدوى الاقتصادية يعكس إدراكًا بأن نجاح المشروع يعتمد على دقة التقديرات قبل التنفيذ، خصوصًا أن الطرق المأجورة ترتبط بحجم الحركة المرورية وقدرة المستخدمين على دفع الرسوم.
وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن أي دراسة جدوى يجب ألا تقتصر على احتساب تكاليف الإنشاء، وإنما تشمل تحليلًا لحركة المرور الفعلية، واستعداد المستخدمين لدفع الرسوم، والطلب المتوقع الذي يمكن أن تولده الطرق الجديدة.
كما ينبغي أن تقيس الدراسة الأثر الاقتصادي الأوسع، مثل الوفر في استهلاك الوقود، وتقليص زمن الرحلات، وخفض تكاليف صيانة المركبات، وتقليل الحوادث، وتأثير ذلك على النشاط الاقتصادي.
ويقترح اعتماد نظام تسعير مرن يراعي نوع المركبة والمسافة المقطوعة، مع مراجعة دورية للرسوم، إضافة إلى إخضاع تكاليف المشروع لتدقيق مستقل يضمن عدم تضخيمها.
بينما تحدث السلوم عن أهمية بناء دراسات الجدوى الاقتصادية على أسس أوسع من مجرد احتساب تكلفة إنشاء الطريق وقيمة رسوم العبور.
فالمشروع، بحسب رأي الباحث، يجب أن يقاس بقدرته على تحفيز النشاط الاقتصادي المحيط به، وخلق مناطق لوجستية وموانٍ جافة ومراكز تخزين وخدمات مساندة، إضافة إلى قدرته على جذب حركة الترانزيت الإقليمية وتخفيض تكاليف النقل وتحريك الاستثمارات في المناطق التي يمر بها.
وقدم السلوم تصورًا لتسعير رسوم العبور يقوم على مبدأ بسيط: “أن تكون كلفة استخدام الطريق أقل من قيمة الوقت والمخاطر والتكاليف التي يوفرها لمستخدميه”.
ويرى أن التسعير المرن، الذي يراعي نوع الحمولة والمسافة المقطوعة وطبيعة البضائع المنقولة، سيكون أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين مصالح المستثمرين ومصالح الاقتصاد الوطني.
وفيما يتعلق بانعكاس ربط شبكات النقل مع دول الجوار كالأردن وتركيا والعراق على الأسواق المحلية، أكدت المؤسسة أن ربط هذه الشبكات بطرق ذات مواصفات فنية عالية سيشجع حركة الترانزيت مع دول الجوار، ويسهم مباشرة في تخفيض تكاليف تشغيل المركبات وتقليل زمن الرحلة، وبالتالي خفض الكلفة النهائية للمنتج.
لكن فرض رسوم على استخدامات الطرق الدولية، يثير تساؤلات حول أثرها على المواطنين وقطاع النقل المحلي.
وفيما يتعلق بالتأثير المحتمل على حركة النقل المحلية، يحذر الباحث السلوم من أن سوء تصميم المشروع قد يحول رسوم العبور إلى عبء إضافي على الاقتصاد السوري، لكنه استدرك بالقول، إن هذا الأثر يمكن الحد منه إذا جرى الإبقاء على الطرق المجانية الحالية وتأهيلها بصورة مستمرة، ومنح حسومات وإعفاءات للشاحنات الوطنية التي تنقل المواد الأساسية والمنتجات الزراعية والمواد الداخلة في العملية الإنتاجية.
وأضاف أن الهدف الحقيقي من الطرق المأجورة يجب ألا يكون تحصيل الرسوم من المواطن السوري، بل استقطاب حركة التجارة العابرة، وتحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر للدخل وفرص العمل وتدفقات القطع الأجنبي.
بينما أشار الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن الصورة ليست أحادية، فبالنسبة لشركات النقل، فإن الطريق الحديث يوفر وقودًا، ويقلل الأعطال، ويختصر زمن الرحلة، وهو ما قد يعوض رسوم العبور ويزيد إنتاجية الشاحنات.
في المقابل، يرى أن أصحاب الشاحنات الصغيرة وذوي الدخل المحدود قد يتحملون عبئًا ماليًا مباشرًا، لأنهم سيدفعون الرسوم نقدًا بينما تتحقق وفورات التشغيل لاحقًا.
واقترح لتخفيف هذا الأثر الإبقاء على الطريق المجاني الحالي بوصفه خيارًا بديلًا، إلى جانب تقديم اشتراكات مخفضة للناقلين النظاميين، وإعفاء مركبات الإسعاف والدفاع المدني وبعض وسائل النقل العام من الرسوم.
تراهن الحكومة على أن هذه الطرق ستدعم التجارة الداخلية، وتربط سوريا بالأردن والعراق وتركيا، بما يعزز حركة الترانزيت ويخفض تكاليف نقل البضائع.
ويرى الدكتور محمد أنه في حال نجاح المشروع، فإن أثره قد يكون تحوليًا خلال السنوات المقبلة، إذ سيسهم في توحيد السوق السورية، وتنشيط التجارة بين المحافظات، وخلق ممرات اقتصادية جديدة تضم مراكز لوجستية ومستودعات ومحطات خدمات، فضلًا عن توفير آلاف فرص العمل.
كما قد يشكل نجاح أول مشروع طريق مأجور رسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب، ويفتح الباب أمام استثمارات في المطارات والمواني والطاقة.
وعن النتائج المتوقعة خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، يرى الباحث محمد السلوم أن نجاح هذه المشاريع قد يضع سوريا مجددًا على خريطة النقل الإقليمي، ويخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ويعزز إيرادات الدولة، ويحفز قيام مناطق صناعية ولوجستية جديدة، فضلًا عن تنشيط التجارة الخارجية ورفع جاذبية الاقتصاد السوري أمام المستثمرين.
ورغم التفاؤل، حذر الخبير الاقتصادي من أن المشروع يواجه تحديات معقدة، في مقدمتها تقلبات سعر الصرف والتضخم، وما قد تسببه من تآكل في عوائد المستثمرين، إضافة إلى الحاجة إلى استقرار أمني طويل الأمد يضمن استمرار حركة النقل.
كما لفت إلى أن الفساد وضعف الحوكمة قد يؤديان إلى تضخيم التكاليف أو فقدان ثقة المستثمرين، في حين قد تواجه الحكومة رفضًا اجتماعيًا إذا اعتبر المواطنون الطرق المأجورة عبئًا جديدًا دون تحسن ملموس في مستوى الخدمة.
ويخلص الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن نجاح التجربة لن يقاس بعدد الكيلومترات المنفذة، بل بقدرة الحكومة على إدارة شراكة طويلة الأمد مع القطاع الخاص، وبناء عقد اجتماعي يضمن للمواطن خدمة ذات جودة عالية مقابل رسوم عادلة، مع الحفاظ على بديل مجاني.
ويرى أن هذه المشاريع قد ترسم ملامح جديدة للاقتصاد السوري إذا أُديرت بكفاءة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عبء مالي وسياسي إذا غابت الحوكمة والتخطيط السليم.
| مشاريع الطرق المأجورة قد ترسم ملامح جديدة للاقتصاد السوري إذا أُديرت بكفاءة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى عبء مالي وسياسي إذا غابت الحوكمة والتخطيط السليم
الدكتور عبد الرحمن محمد |
السلوم يعتقد أن هناك تحديات كبيرة قد تعوق تحقيق النتائج المتوقعة، أبرزها استمرار بعض المخاطر الأمنية، وضعف البنية التحتية المساندة، والمنافسة الإقليمية من الممرات البديلة، فضلًا عن الحاجة إلى إصلاحات تشريعية ومؤسساتية عميقة.
قال مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، معاذ نجار، إن هناك مشروعًا لإنشاء فرع ثانٍ للطريق الدولي الممتد بين دمشق وتدمر ودير الزور.
ولفت إلى أن الطريق الحالي هو طريق مجاني متاح للجميع من مواطنين وفعاليات اقتصادية بالإضافة لحركة الترانزيت.
أما الفرع الثاني للطريق الدولي بين دمشق ودير الزور فيسهم في خفض تكاليف نقل المواد الأولية ودعم مشاريع إعادة الإعمار وخلق فرص عمل مباشرة لأبناء المناطق الشرقية، بحسب ما قاله نجار في حديث مع قناة “الإخبارية السورية“، في 3 من تموز.
وأوضح نجار أن المحور يربط دمشق بالمناطق الشرقية الغنية بالثروات النفطية والمعدنية والزراعية، مما يسرّع حركة التبادل التجاري الداخلي.
كما يسهم في خفض تكاليف نقل المواد الأولية، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، وخلق فرص عمل مباشرة لأبناء المناطق الشرقية، فضلًا عن تسهيل وصول الخدمات الأساسية، وتشجيع الاستقرار السكاني، والتمهيد لإقامة مناطق صناعية وتنموية جديدة على طول المسار.
الباحث الاقتصادي محمد السلوم اعتبر أن هذا المشروع لا يقل أهمية عن الطرق المأجورة نفسها.
وقال إن المنطقة الشرقية تمثل خزانًا اقتصاديًا مهمًا لسوريا، نظرًا لما تمتلكه من موارد زراعية ونفطية ومعدنية، كما أنها ستكون في قلب مشاريع إعادة الإعمار خلال السنوات المقبلة.
ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء فرع ثانٍ للطريق الدولي سيسهم في تخفيض تكاليف نقل المواد الأولية، وتخفيف الضغط على الطريق القائم، وتسريع حركة البضائع والاستثمارات، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة.
وختم السلوم قائلًا، “إذا نجحت سوريا في بناء شبكة طرق حديثة وربطها بموانٍ جافة ومناطق لوجستية متطورة، فإنها لن تكون قد شيدت طرقًا جديدة فحسب، بل ستكون قد وضعت الأساس لاقتصاد جديد يقوم على استثمار الجغرافيا وتحويلها إلى مصدر مستدام للنمو والدخل وفرص العمل، وهي فرصة تاريخية قد لا تتكرر كثيرًا”.
| إنشاء فرع ثانٍ للطريق الدولي الممتد بين دمشق وتدمر ودير الزور، سيسهم في تخفيض تكاليف نقل المواد الأولية، وتخفيف الضغط على الطريق القائم، وتسريع حركة البضائع والاستثمارات، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة
محمد السلوم باحث اقتصادي |
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى