خبراء يحللون الأثر السياسي والاقتصادي

تفجيرات دمشق.. توقيت حساس يختبر قدرات الدولة

قوى الأمن الداخلي تفرض طوقًا أمنيًا بعد انفجار عبوتين ناسفتين بدائيتي الصنع في العاصمة دمشق - 7 تموز 2026 (عنب بلدي)

camera iconقوى الأمن الداخلي تفرض طوقًا أمنيًا بعد انفجار عبوتين ناسفتين بدائيتي الصنع في العاصمة دمشق - 7 تموز 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – يزن قر

أعادت التفجيرات التي شهدتها العاصمة السورية دمشق خلال أيام متقاربة الملف الأمني إلى واجهة الاهتمام مجددًا، بعدما جاءت في توقيت حساس تشهده البلاد على المستويين الداخلي والخارجي، وأثارت تساؤلات حول طبيعة التهديدات الأمنية الراهنة، وقدرة الأجهزة المختصة على احتوائها ومنع تكرارها.

في غضون أقل من أسبوع، شهدت دمشق حادثتين منفصلتين، الأولى تمثلت بانفجار عبوة ناسفة استهدف مقهى “المشيرية” بشارع النصر، في 2 من تموز الحالي، وأسفر عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص، قبل أن تهتز العاصمة مجددًا، في 7 من الشهر نفسه، بانفجار عبوتين ناسفتين في محيط فندق “فورسيزونز” ومنطقة الحلبوني، بالتزامن مع الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى سوريا، ما منح الحادثة أبعادًا أمنية وسياسية لافتة.

وأعلنت السلطات السورية آنذاك أن العبوتين انفجرتا في أثناء محاولة الوحدات المختصة تفكيكهما، مؤكدة أن موقعهما كان خارج النطاق الأمني المخصص لمقر إقامة الرئيس الفرنسي، وأن الزيارة استمرت وفق برنامجها المقرر.

وفي وقت أثار فيه توقيت التفجيرين ومكانهما تساؤلات حول الرسائل التي حملتها العملية والجهات التي قد تكون سعت إلى التأثير في المشهد الأمني والسياسي، كشفت التحقيقات لاحقًا عن تطورات جديدة، فقد أعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، العميد أحمد الدالاتي، إلقاء القبض على كامل أفراد الخلية المتورطة في تفجيرات 7 من تموز.

وقال إن التحقيقات أظهرت تبعية الخلية لتنظيم “الدولة الإسلامية”، وإن العملية الأمنية نُفذت بشكل متزامن في عدة مناطق بدمشق وريفها بعد تتبع منفذي الهجوم عبر التسجيلات وكاميرات المراقبة، ما قاد إلى تفكيك الخلية بالكامل.

ورغم إعلان السلطات هوية الجهة التي تقول إنها تقف وراء التفجيرين، لا تزال العملية تثير نقاشًا أوسع بشأن قدرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على تنفيذ هجمات داخل العاصمة، ودلالات اختيار التوقيت والمكان، وانعكاسات هذه التطورات على الوضع الأمني الداخلي وصورة سوريا أمام المجتمع الدولي، في وقت تشهد فيه البلاد حراكًا دبلوماسيًا متزايدًا.

اختبار الجاهزية الأمنية

رغم إعلان السلطات السورية تفكيك الخلية المتورطة في تفجيرات دمشق وانتمائها إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، لا تزال الحادثتان تثيران تساؤلات بشأن مستوى التهديدات الأمنية في العاصمة، وقدرة الأجهزة المختصة على منع تكرارها، وانعكاساتها على شعور المواطنين بالأمان، وجهود تثبيت الاستقرار، إضافة إلى تأثيرها المحتمل في مناخ الاستثمار.

يرى الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) لورانس الشمالي، أن التهديدات الأمنية في سوريا لم تتوقف خلال المرحلة الماضية، سواء في الجنوب أو الشرق السوري، إلا أن التطور اللافت يتمثل في انتقال بعض مظاهر هذا التهديد إلى قلب العاصمة دمشق.

وقال الشمالي لعنب بلدي، إن طبيعة التفجيرين وقوة العبوات المستخدمة لا توحيان بأن الجهة المنفذة تمتلك خبرة كبيرة في تصنيع المتفجرات، معتبرًا أن الهدف لم يكن إحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية، بقدر ما تمثل في توجيه ضربة إلى حالة الاستقرار وإثارة القلق داخل العاصمة.

وفي تقييمه للأداء الأمني، أوضح الباحث أن التفجير الذي وقع قرب وزارة السياحة لا يمكن اعتباره خرقًا للطوق الأمني المفروض لتأمين زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إذا ما نُظر إليه باعتباره استهدافًا للزيارة نفسها.

لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الأجهزة الأمنية السورية تحتاج إلى تعزيز قدراتها في مجال الردع الاستباقي، موضحًا أن احتواء التهديد بعد وقوعه لا يكفي، إذ تعتمد الأجهزة الأمنية في الدول المتقدمة على منع الهجمات قبل تنفيذها.

 

 الأجهزة الأمنية السورية تحتاج إلى تعزيز قدراتها في مجال الردع الاستباقي. احتواء التهديد بعد وقوعه لا يكفي، إذ تعتمد الأجهزة الأمنية في الدول المتقدمة على منع الهجمات قبل تنفيذها.

لورانس الشمالي

باحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد)

 

انعكاسات أمنية واقتصادية محتملة

بشأن تداعيات التفجيرات على الوضع الداخلي، قال الشمالي إن مفهوم الأمن واسع ويصعب تحقيقه بصورة كاملة حتى في الدول المتقدمة، إلا أن من الطبيعي أن تتراجع مستويات الشعور بالأمان لدى السكان في بيئة تتعرض لمحاولات متكررة تستهدف زعزعة استقرارها.

وتوقع الباحث أن تدفع هذه التطورات السلطات إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية تعمل منذ إعادة هيكلتها على تطوير أدواتها ورفع كفاءتها بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة، مرجحًا إطلاق عمليات أمنية جديدة تستهدف بؤر التهديد في دمشق وريفها خلال المرحلة المقبلة.

وفيما يتعلق بالاستقرار العام، اعتبر الشمالي أن هذه التفجيرات لن تترك أثرًا كبيرًا على الاستقرار السياسي، لأنها لا تحمل طابعًا جماعيًا أو مطالب سياسية، لافتًا إلى أن تأثيرها كان سيكون مختلفًا لو استهدفت شخصيات سياسية أو رموزًا دينية.

ورغم ذلك، حذر من التداعيات الاقتصادية لتكرار مثل هذه الحوادث، موضحًا أن رأس المال يبحث دائمًا عن بيئة مستقرة تحافظ على الأصول وتضمن استدامة الاستثمار.

وأضاف أن استمرار الاعتداءات، خاصة إذا طالت مناطق حيوية، قد ينعكس سلبًا على حركة الاستثمار وثقة المستثمرين، فضلًا عن تأثيره في حركة المدنيين داخل البلاد.

من المستفيد؟

لا تقتصر قراءة التفجيرات على الجهة المنفذة فقط، بل تمتد إلى البحث في السياق السياسي والأمني المحيط بها، والجهات التي قد تحقق مكاسب من نتائجها، خصوصًا في ظل توقيت العملية ومكان تنفيذها داخل العاصمة دمشق.

يرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية الدكتور عبد الرحمن الحاج، أن هناك أكثر من طرف يمكن أن يستفيد من التفجيرين اللذين شهدهما وسط دمشق، إلا أن الاستفادة من نتائج العملية لا تعني بالضرورة الوقوف خلف تنفيذها.

وقال الحاج، في حديث إلى عنب بلدي، إن أبرز الجهات التي تحقق مكاسب من هذه التفجيرات تشمل فلول النظام السابق، وتنظيم “الدولة الإسلامية”، و”الشبيبة الثورية” التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، إضافة إلى إسرائيل، و”حزب الله”، وميليشيا الشيخ حكمت الهجري، بحسب وصفه.

وأضاف أن القاسم المشترك بين هذه الأطراف هو الاستفادة من زعزعة استقرار السلطة الجديدة، وعرقلة مسار العدالة الانتقالية، وإثارة مخاوف المستثمرين، فضلًا عن إضعاف ثقة المجتمع الدولي بقدرة القيادة السورية على فرض الاستقرار.

توقيت التفجيرات يحمل رسائل سياسية

اعتبر الحاج أن توقيت التفجيرين، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى دمشق، يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ يعكس محاولة لإيصال رسالة إلى المجتمع الدولي، وفي مقدمته فرنسا، مفادها أن سوريا لا تزال غير آمنة، وأن الظروف الأمنية لا تسمح بتطبيع العلاقات أو تكثيف الانفتاح الدبلوماسي.

وأضاف أن هذا النوع من الرسائل يتقاطع مع مصالح عدد من الأطراف التي تراهن على استمرار الضغوط الدولية على دمشق.

وفيما يتعلق بالجماعات التي تضم مقاتلين فرنسيين، مثل “جماعة الغرباء”، استبعد الحاج أي دور لها في هذه التفجيرات، مؤكدًا أن وجودها يقتصر على مناطق حدودية بعيدة، ولا تمتلك القدرة على الوصول إلى دمشق أو تنفيذ عمليات فيها.

وأضاف أن هذه الجماعات معروفة للأجهزة الأمنية، كما أنها تمتلك خبرة كبيرة في تصنيع العبوات الناسفة، الأمر الذي يجعل استخدام عبوات بدائية في مثل هذه العملية لا ينسجم مع أسلوبها، ويعزز فرضية عدم ضلوعها فيها.

التفجيرات لا تعطل الانفتاح الدبلوماسي

أثارت التفجيرات الأخيرة تساؤلات حول تأثيرها المحتمل على مسار الانفتاح الدبلوماسي مع سوريا، في ظل توقيتها المتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى دمشق، وما إذا كانت هذه الحوادث قد تعيد حسابات الدول الراغبة بتوسيع علاقاتها مع الحكومة السورية، أو تبقى ضمن إطار التحديات الأمنية التي يمكن احتواؤها.

اعتبر الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية يمان زباد، أن التفجيرات الأخيرة لن تُحدث تحولًا كبيرًا في صورة سوريا أمام المجتمع الدولي، معتبرًا أن الحكومة السورية حققت خلال العام ونصف الماضي تقدمًا في إعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية، وهو ما انعكس في استمرار الزيارات الدولية رغم التطورات الأمنية.

وقال زباد، في حديث إلى عنب بلدي، إن استمرار زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق بعد التفجيرين، إلى جانب وصول وفد من لجنة التحقيق الدولية المستقلة في اليوم التالي، يشير إلى أن هذه الحوادث لم تنجح في تعطيل مسار التواصل الدولي مع سوريا.

وأضاف أن التفجيرات قد تدفع الوفود الأجنبية إلى إجراء مراجعات أمنية وتشديد تدابير الحماية، إلا أنها لن توقف مسار الانفتاح الدبلوماسي، لأن هذا المسار تحكمه اعتبارات سياسية واقتصادية أوسع من الحوادث الأمنية المنفردة.

وبحسب رأيه، فإن استمرار زيارة ماكرون رغم التفجيرات بعث برسالة مفادها أن التواصل مع دمشق لم يعد هشًا كما كان في السابق، وإن كانت بعض الدول قد تتجه إلى تباطؤ إجرائي أو تعزيز إجراءاتها الأمنية.

وفي قراءته لتوقيت أحد التفجيرين، اعتبر زباد أن تزامنه مع زيارة الرئيس الفرنسي يحمل دلالة سياسية، إذ يمكن فهمه على أنه محاولة لإرباك لحظة رمزية تمثلت في استقبال دمشق لأول رئيس من دول الاتحاد الأوروبي منذ سنوات.

 

إن فشل التفجير في تعطيل الزيارة، أضعف الرسالة التي سعت الجهة المنفذة إلى إيصالها، وعزز في المقابل صورة الدولة، كما عزز الانطباع لدى المجتمع الدولي بوجود أطراف متضررة من استقرار سوريا وانفتاحها الخارجي.

يمان زباد

أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية

 

الحذر الأمني قد ينعكس على الاستثمار

حول مستقبل الحضور الدبلوماسي، أوضح زباد أن الدول ستصبح أكثر حذرًا فيما يتعلق بإجراءات الحماية وتأمين وفودها، لكن ذلك لن يمنعها بالضرورة من إرسال بعثات رسمية، لافتًا إلى أن العمل الدبلوماسي يجري غالبًا في بيئات معقدة أمنيًا وسياسيًا، وليس فقط في الدول التي تتمتع باستقرار كامل.

أما على الصعيد الاقتصادي، فيرى أن التفجيرات تمثل مؤشرًا سلبيًا بالنسبة للمستثمرين، ولا سيما في القطاعات التي تعتمد على الاستقرار الميداني، إلا أن قرار الاستثمار لا يرتبط بالوضع الأمني وحده، بل يتأثر أيضًا بحجم السوق، وفرص إعادة الإعمار، وموقف الدول الكبرى من الانفتاح على سوريا.

واستشهد في هذا السياق بمشاركة شركات ورجال أعمال ضمن الوفد الفرنسي، معتبرًا أن ذلك يعكس استمرار الاهتمام الفرنسي بالفرص الاقتصادية في سوريا رغم التحديات الأمنية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة