الملف النقابي للصحفيين السوريين.. النيات والمحاذير
علي عيد
يحتاج الملف النقابي للصحفيين في سوريا إلى نوع من الجسارة الصادقة، في ضوء ما يشهده واقع القطاع من تداخل في الصلاحيات، والتباس في طبيعة عمل النقابات وعلاقتها بالسلطة التنفيذية.
ولا أخص جماعة تدير تجمعًا مهنيًا في قطاع الصحافة بعينه، مع التركيز على جسمين أساسيين هما اتحاد الصحفيين، الذي تأسس بمرسوم تشريعي عام 1974، ثم أُعيد تنظيمه بموجب القانون رقم “1” لعام 1990، ورابطة الصحفيين السوريين التي تأسست عام 2012، وضمت مئات الصحفيين الذين انخرطوا في الثورة ضد النظام البائد عمومًا، وقوانينه الجائرة في المجال الإعلامي.
يتحدث كل من الاتحاد والرابطة عن نيات التعاون، وربما الاندماج، فيما تُطرح خيارات أخرى مثل إفساح المجال لترخيص الرابطة كجسم نقابي، إذا تعذر الاندماج.
ليس من الملزم وجود نقابة واحدة للصحفيين، كما هو الحال في معظم الدول ذات التجربة المتقدمة في العمل النقابي، ومنها تركيا كأقرب مثال.
لمست قناعة لدى كثير من الزملاء الذين التقيتهم من أعضاء الرابطة والوسط الصحفي في سوريا وخارجها، رغبة في الاندماج، إذا لم تكن هناك مبررات لتعدد النقابات في المهنة نفسها، قياسًا لنقابات سوريا الأخرى، ومنها “المحامين” و”المهندسين” و”الأطباء”.
لا يخفى أن تنظيم العمل النقابي للصحفيين أمر بالغ الأهمية، نظرًا إلى حساسية موقف الصحافة ودورها خلال المرحلة، وهو ما يلحظ تأخره، ولا أريد أن أتهم طرفًا أو أشخاصًا بالتعطيل، لكن أسعى لتحليل ظروف وبيئة هذه الحالة.
من حيث المبدأ، يخضع اتحاد الصحفيين، حتى اللحظة، لقانون اتحاد الصحفيين في الجمهورية العربية السورية رقم “1” لعام 1990، وهو ما استند إليه القرار “53”، الصادر عن رئيس مجلس الوزراء في 6 من شباط 2025، والذي نصّ على “حل المؤتمر العام لاتحاد الصحفيين”، وتشكيل “مكتب مؤقت” (المكتب التنفيذي الحالي).
مشكلة اليوم هي أن أحدًا في الحكومة لم يبادر إلى تطبيق القانون الذي استند إليه، كما لم يبادر إلى إيجاد نوع من الحل، أو الدمج أو التلاقي بين أعضاء الجسم الصحفي في نقابة واحدة، وقد يكون الأمر متعلقًا بخطوات تنتظرها الحكومة عبر المجلس التشريعي (مجلس الشعب).
ولكي أكون صريحًا أكثر، سمعت من وزيري الإعلام، الحالي، خالد زعرور، والسابق، حمزة المصطفى، ما يشير إلى رغبة في إنجاز خطوة باتجاه إنهاء الملف، مع تأكيد وتفهّم من الوزيرين لضرورة أن يكون التدخل الحكومي في حدوده الدنيا، أي تحضير البيئة لعمل نقابي غير خاضع لجهة تنفيذية، وهو الأصل، لكن شيئًا لم يحصل.
المشكلة، بحسب رأي قسم من الإعلاميين، أنه رغم مرور نحو عام ونصف، لم يلزم أحد “المكتب المؤقت” بأي تعهدات تتوافق والقانون الذي تم تعيينه استنادًا إليه، إذ تنص المادة “49” الفقرة “أ” على أنه “في حال حل مجلس الاتحاد أو المكتب يتولى رئيس مجلس الوزراء دعوة المؤتمر العام خلال 15 يومًا من صدور قرار الحل لانتخاب مجلس ومكتب جديدين وفقًا لأحكام هذا القانون”.
كما تنص الفقرة “ب” على أنه “في حال حل المؤتمر العام أو عدم دعوته للاجتماع خلال المدة المذكورة في الفقرة السابقة يسمى بقرار من رئيس مجلس الوزراء مكتب مؤقت للاتحاد، وفقًا لأحكام هذا القانون، يمارس اختصاصات المكتب والمجلس المبينة فيه”.
والخلاصة في الفقرة “ج” التي تقول: “يتولى المكتب المؤقت للاتحاد خلال أسبوع من تسميته تعيين أعضاء مكاتب الفروع، ويدعو الوحدات لانتخاب ممثليها في المؤتمر العام، وانعقاد المؤتمر في دورة انتخابية جديدة، خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، واستكمال انتخاب مجلس ومكتب جديدين”. و”يقوم (وفق الفقرة د) مؤقتًا بمهام المؤتمر العام ويمارس صلاحياته المبينة في هذا القانون، مجموع أعضاء مكتب الاتحاد المؤقت ومكاتب الفروع المعنية”.
بالنظر إلى القانون، نجد أن الاتحاد تجاوز ولايته المشروعة، ولم يدعُ إلى انتخابات ولا حتى أصدر بيانًا أو حصل على تفويض جديد ينجز بموجبه ما يلزم.
يقدم زملاء حججًا حول تأخر الدعوة للانتخابات، تتعلق بمخاوف من سيطرة أعضاء قدامى، قد يكونون متهمين بالولاء للنظام البائد، أو مارسوا ما يدينهم، وفق القوانين، وهو سبب معقول، لكنها قد تبدو طريقة مناسبة للتسويف، وربما هندسة جسم نقابي يناسب مجموعة أو أفرادًا بعينهم.
من جانب آخر، فإن وجود خلل محتمل في عضوية الاتحاد لا يلغي احتمال وجود خلل يقابله في عضوية “رابطة الصحفيين”، ما يعني أن أي اندماج أو حتى اعتراف بجسمين، يستدعي عملية هيكلة في الجسمين، تقضي الالتزام بتعريف الصحفي نقابيًا، لأن النقابات يشكلها أصحاب المهن، ويمولونها من وارداتهم، لتقوم بدورها في حمايتهم، وضمان شيخوختهم، أو تأمين خدمات تليق بهم.
إن استناد تقييم العمل النقابي الصحفي إلى تعريف سياسي، قبل صدور تشريعات تقضي بمحاسبة أدوات الدعاية للسلطة، ودون مبالغة، هو أمر بالغ الخطورة، فالنقابات لا تمارس السياسة، ولا تدفع بمرشحين لانتخابات حزبية، وعندما يتطلب الأمر مواجهة مع الحكومة من أجل مصالح أعضائها فهي ملزمة بالمواجهة.
كما أن إبقاء مئات الصحفيين خارج جسم نقابي معترف به داخل الدولة، قد يفسّر على أنه توجه عدائي ضد مجموعة من أبناء المهنة، بينهم من اعتقل ومن شرّد ومن أسهم في تفكيك سرديات نظام الأسد طوال سنوات الثورة.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




