الامتثال الأمني والمنطق المعكوس في الاتفاق اللبناني- الإسرائيلي
لمى قنوت
بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتوتر الإسرائيلي الذي نجم عن خفض التصعيد، وتجميد الحرب على إيران، وبنود تتعهد فيها واشنطن بمنع الاعتداء عليها، وعلى حليفها في لبنان (حزب الله)، وتمكينها من بيع نفطها والحصول على بعض أموالها المحتجزة، إضافة إلى خطة لإعادة إعمارها وتنمية اقتصادها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وقعت إسرائيل على اتفاق إطاري مع لبنان لا يشترط انسحابها من الأراضي التي احتلتها، إلا بعد أن تتحقق من قيام الجيش اللبناني في نزع “سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، لا سيما (حزب الله)”، وتفكيك بنيتها في كل أنحاء لبنان، تبدأ بمناطق تسمى “مناطق تجريبية” يحددها الاحتلال، رغم إدراك جميع الأطراف عجز الحكومة اللبنانية عن نزع سلاح الحزب، ما سيؤدي إلى بقاء الاحتلال لأجل غير مسمى، وسيفاقم الانقسام والتوتر السياسي والأهلي داخل لبنان، وسيتمسك الحزب بسلاحه أكثر. وبموجب الاتفاق حدد الاحتلال أول ثلاث مناطق تجريبية للانسحاب منها، تبين لاحقًا أنها غير محتلة.
المنطق المعكوس في الاتفاق الإطاري، والذي أراد منه الأطراف نزع الملف اللبناني من يد طهران، وخاصة بعد أن ذُكر لبنان في البند الأول من الاتفاق الأمريكي- الإيراني ثلاث مرات، وأرادت الحكومة اللبنانية أن تفاوض عن نفسها، وأبدت عزمها على نزع سلاح “حزب الله”، واحتكار الدولة للقوة، وقرار السلم والحرب، لكنها أبرمت اتفاقًا حوّل السيادة من حق أصيل إلى امتياز يمنحه الاحتلال تدريجيًا بعد إثبات حسن السلوك الأمني، وقَلب المشكلة، وما هو راسخ في القانون الدولي، والمنطق، من حق الدول في إنهاء الاحتلال باعتباره جذر المسألة، إلى قصور الدولة اللبنانية عن ضبط الأمن لمصلحة المستوطنين في الأراضي المحتلة. ويعد هذا التحول محورًا أساسيًا في النقد “الديكولونيالي” للاتفاقات غير المتكافئة، وخطاب الأمن الذي يوظَف لإضفاء الشرعية على ديناميات الاستعمار.
ومن هذه الزاوية، فقد خلا الاتفاق من جدول زمني لانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية، باعتباره مرهونًا بنزع السلاح و”تطهير المنطقة”، ومن ثم “التحقق من التطهير” كما جاء في نص المرحلة الأولى من المراحل الأربع الواردة في الملحق الأمني السري للاتفاق اللبناني- الإسرائيلي، والذي سربته إسرائيل، وهندس الامتثال الأمني بآليات ميدانية. واستعاض نص الاتفاق عن “انسحاب” الجيش الإسرائيلي بعبارة “إعادة انتشار تدريجي” لقواته، كما أن طرح مبدأ “المناطق التجريبية” كنهج أمني، لا تستعاد فيها السيادة على الأرض دفعة واحدة، وإنما تُقسم إلى وحدات جغرافية يختبرها الاحتلال تباعًا، سيحول الدولة ومؤسساتها إلى موضوع لتقييم أدائها، وبهذا المعنى، فإن الانسحاب، وفق ما ورد في الاتفاق والملحق من الناحية القانونية والسياسية، لم يعد التزامًا قانونيًا قائمًا بذاته، بل نتيجة عمليات أمنية.
لقد ربط الاتفاق الإطاري حقوق المدنيين وعودتهم إلى الجنوب وإعادة الإعمار، كما ورد في البند الثالث، بمسار أمني متدرج، يبدأ من “نجاح” عملية نزع سلاح “الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة”، وتفكيك بنيتها التحتية في المناطق الخاضعة للتجربة، عندئذ، يعيد الاحتلال انتشاره بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، وتوليه الأمن في تلك المناطق، وتبدأ إعادة الإعمار بجهد دولي، وفي المرحلة الأخيرة، يعود المدنيون المهجرون إلى مناطقهم.
يصف الاتفاق الحرب أو الصراع مع إسرائيل على أنها أزمة احتكار داخلي للقوة العسكرية في لبنان، لا علاقة استعمار ومُستَعمر، وتاريخية اجتياحات متكررة، وأطماع، ويقدم السيادة كمفهوم أمني من خلال قدرة الدولة على احتكار القوة وتحقيق أمن المستوطنات الشمالية. ومن جهة أخرى، يقدم البند الخامس مساحة تفسيرية، من وجهة النظر الإسرائيلية، بأن احتلالها، وعملياتها العسكرية في لبنان، ليست بسبب أطماعها أو “مطالب إقليمية في لبنان”، بل بسبب هجمات، وتهديدات، و”نيات” عدائية من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
تقدم المادة الثامنة في الاتفاق الإطاري أمن لبنان وإسرائيل، وأهالي جنوبي لبنان وسكان المستوطنات الإسرائيلية الشمالية بلغة متماثلة، أي خارج السياق التاريخي والسياسي الاستعماري، وتحجب جرائم حرب الاحتلال بصورة تامة. أما البند التاسع، فيضع لبنان تحت نظام مراقبة لـ”تنفيذ برنامج صارم قائم على الأداء”، وينشئ نظام مساءلة من طرف واحد، ويربط الامتثال المشروط بالمساعدات الأمريكية، والتي تقدم كأداة تحفيز وعقاب في آن واحد، وهنا، يعاد تعريف الاتفاق من اتفاق سياسي إلى منطق الحوكمة الأمنية المشروطة، إذ استُخدمت عبارات، غالبًا ما تُستخدم في برامج إصلاح القطاع الأمني، وفي بناء مؤسسات الدولة التي تدعمها جهات دولية، كعبارة “مراحل قابلة للتحقق”، و”إثبات النتائج”، و”آليات الرقابة والإشراف”.
ويمثل البند العاشر الشق الاقتصادي للاتفاق دون التزام قانوني ملزم في إعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد في صياغات عامة وفضفاضة، مثل: “ستعمل الولايات المتحدة على حشد الشركاء الدوليين لتقديم دعم”، و”بذل الجهد لحشد الدعم الدولي”، و”من المتوقع أن يشمل ذلك حشد مساعدات كبيرة”. كما يربط الاتفاق التعافي الاقتصادي بالتحقق من الامتثال الأمني، وفق ما ورد أعلاه، لا بمسؤولية قانونية تقع على الاحتلال الذي سبب الدمار. وتُخضع المادة الـ11 الأموال وأموال إعادة الإعمار إلى اعتبارات أمنية، وتُلزم كلًا من لبنان والولايات المتحدة بعدم وصولهما إلى أي جماعة مسلحة غير تابعة للدولة سواء كان “كيانًا أو منظمة أو فردًا مرتبطًا بأي جماعة مسلحة”، وبحظر جميع أنشطتها، ويمكن أن يخلق استخدام عبارة “أي فرد مرتبط” تفسيرات مفتوحة ومتعددة قد تطال مجتمعات بأكملها.
وقدم البند الـ12 الهدف النهائي للاتفاق ليكون عملية سياسية مفتوحة تقضي بعد توقيع الاتفاق على إنشاء مجموعات في لبنان وإسرائيل تُعِد “اتفاقًا شاملًا للسلام والأمن” يقدم فيه “السلام” كحلقة أخيرة، وثمرة للامتثال الأمني. ويعيد البند الـ13 ضبط وإعادة تشكيل الدور القانوني والدبلوماسي الخارجي للبنان، ويضمن “وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية”، وهو مساس بحقوق التقاضي ضد جرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال، وإخلال بالحقوق المنصوص عليها في القانون الدولي، وتشمل بالضرورة شكاوى مجلس الأمن، والتوجه لمجلس حقوق الإنسان، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وغيرها، كما أن استخدام عبارات فضفاضة كالأعمال “الضارة” هو مزيد من تقييد لبنان، وحرمانه من اللجوء إلى المحافل السياسية، والقانونية الدولية.
ختامًا، لقد اختفت سردية الاستعمار من الاتفاق الإطاري، واستعيض عنها بعبارات مثل: “النزاع”، “حسن الجوار”، “السلام”، “الأمن”، كما أن بنيان الاتفاق وملحقه جعلا من أمن الاحتلال معيارًا حاكمًا لمراحل التنفيذ وتدرجه، واستنادًا إلى ما سبق والواقع الحالي، تستمر عمليات الاحتلال العسكرية وانتهاكاته وجرائمه بالقدر الذي لا يؤثر فيه على خفض التصعيد بين واشنطن وطهران، إن استمر العمل بمذكرة التفاهم، ويستطيع نتنياهو توظيف الحرب في الانتخابات المقبلة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





