سوريا.. استعصاء القطيع
غزوان قرنفل
ليست المشكلة في سوريا أن أبواب الحظيرة ما زالت مغلقة، بل تكمن المشكلة الأعمق في أن كثيرين لا يريدون مغادرتها أصلًا بعد أن فُتحت!
لقد تمكن الاستبداد منا على امتداد أكثر من ستة عقود، إذ عملت منظومات السلطة الاستبدادية على تحويل المجتمع من جماعة مواطنين إلى مجرد قطيع كبير، حيث لم يكن يراد من الفرد أن يفكر، بل أن يطيع، ولم يكن مطلوبًا منه أن يشارك في صناعة حياته ومستقبله، بل أن يتلقى التعليمات المتعلقة بهما ويمتثل لها. وبمرور الزمن، لم يعد الاستبداد مجرد نظام حكم، بل تحول إلى ثقافة عامة تسللت إلى المدارس والجامعات والمؤسسات والعائلات والأحزاب وحتى إلى الكيانات المعارضة نفسها!
مع تفجر غضب السوريين واندلاع ثورتهم بعد طول مكابدة وصبر، بدا المشهد وكأنه لحظة تحرر تاريخية عندما أسقط الناس حاجز الخوف الذي ظن كثيرون أنه خالد وأبدي، ولأول مرة منذ عقود فُتح باب الحظيرة على مصراعيه، لكن الحقيقة التي لم يرغب كثيرون، وأنا منهم، رؤيتها، هي أن فتح الباب شيء ومغادرة الحظيرة شيء آخر تمامًا، فالحرية ليست حدثًا سياسيًا وتاريخيًا يقع في الشارع، بل حالة وعي تتشكل داخل الإنسان، فالثورة ليست مجرد إسقاط سلطة، بل القدرة على إنتاج بديل أخلاقي وفكري وسياسي عنها قادر على تعزيز تماسك الرابطة الوطنية، وهذا تحديدًا ما لم يحدث بالقدر الكافي أو كما يجب في سوريا.
كانت شرارة الثورة وموجباتها سورية بلا أدنى شك، لكن مسار التغيير لم يكن كذلك، فالتغيير الذي يقرره ويصنعه شعب لنفسه يفترض وجود رؤية مشتركة حول الدولة التي يريد بناءها بعد سقوط النظام القديم، كما يفترض وجود حد أدنى من الاتفاق على معنى المواطنة، وعلى طبيعة العقد الاجتماعي الجديد، وعلى كيفية إدارة التنوع الديني والطائفي والقومي الذي يتسم به المجتمع السوري، لكن ما طفا على السطح كان شيئًا مختلفًا تمامًا، فبمجرد أن ضعفت قبضة السلطة، انفجرت الهويات الفرعية دفعة واحدة، وانكفأ الناس إلى طوائفهم وقومياتهم وعشائرهم ومذاهبهم، وصاروا يجدون فيها ملاذًا بعدما لم يجدوا مساحات التقاء مع مشروع دولة يطمئنهم على حقوقهم ومصايرهم، لقد بدا الأمر وكأن المجتمع لم يكن ينتظر فرصة لبناء دولة جديدة، بل فرصة لإحياء انقساماته ما دون الوطنية.
لم يغادر كثير من السوريين الحظيرة، بل انتقلوا من حظيرة إلى أخرى واستبدلوا صورة “القائد الرمز” بصورة “القائد المحرر” أو زعيم الجماعة أو ممثل الطائفة! أما المواطن الحر صاحب الرأي المستقل فقد ظل حالة نادرة وسط كل هذا الصخب، ولهذا يمكن فهم السرعة التي انكفأ فيها كثير من السوريين إلى الاصطفافات الطائفية والعشائرية والمناطقية، فعندما يغيب مشروع الدولة يتحول الانتماء الأولي إلى بديل عنه، فالإنسان الذي لم يتعلم معنى المواطنة ويفتقد منطق الشراكة الوطنية ويجد أن ما يُطرح أمامه هو مشروع الرعيّة سيبحث دائمًا عن ملاذ أصغر يحتمي به، والأخطر من ذلك أن قسمًا من النخب السياسية والثقافية التي كان يفترض أن تقود عملية الانتقال نحو مجتمع المواطنين اندمجت هي الأخرى في هذه البنى التقليدية وراحت تستثمر فيها، وبدلًا من الدفاع عن فكرة الدولة راحت تبرر سلوك الجماعات، وبدلًا من بناء مساحة مشتركة بين السوريين أسهمت في توسيع الخنادق التي تفصل بينهم!
إن ما نشهده اليوم من دفاع أعمى عن السلطات الجديدة أو القديمة، ومن استعداد واسع لتبرير الأخطاء والانتهاكات إذا صدرت عن الجهة التي ننتمي إليها، يكشف أن المشكلة لم تكن يومًا في الأشخاص وحدهم، فالمشكلة حقًا أعمق من ذلك بكثير، إنها مشكلة ثقافة سياسية ما زالت تنظر إلى السلطة بوصفها غنيمة لا مسؤولية، وتنظر إلى الولاء بوصفه فضيلة أعلى من النقد.
لقد نجحت الثورة في إسقاط هيبة الخوف، لكنها لم تنجح بعد في بناء هيبة المواطن، لقد نجحت في كسر جدار الصمت، لكنها لم تنجح في إنتاج خطاب وطني يشكل الهوية السورية، نجحت في فتح أبواب الحظيرة لكنها اكتشفت أن القطيع ما زال مستعصيًا، وأن الخروج منها يحتاج إلى الوعي أكثر مما يحتاج إلى مجرد الشجاعة، لهذا فإن معركة سوريا الحقيقية لم تعد معركة إسقاط نظام أو استبدال سلطة بأخرى، إنها معركة الانتقال من مجتمع الرعايا إلى مجتمع المواطنين، ومن الطائفة إلى الدولة، ومن العصبية إلى القانون، وإلى أن يتحقق ذلك سيظل الباب مفتوحًا، وسيظل كثيرون يحدقون نحو العالم الخارجي بتوجس وخوف مفضلين البقاء في الحظيرة التي اعتادوها على حرية لا يعرفون كيف يمارسونها أو يعيشون في فضائها الرحيب.
يقول المفكر الكبير عبد الرحمن الكواكبي في منتجه العظيم “طبائع الاستبداد”: “وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوّل ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفّل، بحيث لو دُفعت إلى الرفعة لأبت وتألمت كما يتألم الأجهر من النور، وإذا أُلزمت بالحرية تشقى وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أُطلق سراحها، وعندئذ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة، فلا ينفكّ عنها حتى تموت ويموت هو بموتها”.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





