بين زيارة ماكرون والتفجير.. حين تعيد الجماعة تشكيل مشاعرنا
أحمد عسيلي
جاءت زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى دمشق بوصفها حدثًا سياسيًا لافتًا، فهي أول زيارة لرئيس دولة غربية إلى سوريا منذ سقوط النظام السابق، وبعد سلسلة من الزيارات التي قام بها قادة ومسؤولون من دول أخرى، كأمير قطر ورئيس أوكرانيا، وقد حملت الزيارة رسالة واضحة مفادها أن سوريا تحاول العودة إلى محيطها الدولي واستعادة موقعها ضمن العلاقات الدبلوماسية الطبيعية، لكن الزيارة تزامنت مع تفجير إرهابي استهدف محيط مقر إقامة الوفد الفرنسي، في محاولة واضحة لفرض صورة مغايرة عن البلاد، ورغم تأكيد قصر “الإليزيه” أن الرئيس الفرنسي لم يسمع صوت الانفجار، وأن الزيارة استمرت كما هو مخطط لها، فإن ردود الفعل السورية لم تتوقف عند إدانة العملية الإرهابية، بل تجاوزها بعضها إلى الشماتة بعجز السلطة عن حماية ضيوفها، ووصل الأمر لدى بعضهم إلى التعبير عن الفرح وتمني وقوع عمليات جديدة.
قد يبدو هذا الانقسام سياسيًا في ظاهره، لكنه يطرح سؤالًا نفسيًا أكثر عمقًا: كيف يمكن لحدث واحد أن يثير الحزن لدى أشخاص، والارتياح لدى آخرين، والشماتة لدى فريق ثالث؟ وهل المشاعر التي نعتقد أنها شخصية تنبع فعلًا من داخلنا وحدنا؟
في كتابه “علم نفس الجماهير وتحليل الأنا”، يرفض سيغموند فرويد الفصل الحاد بين علم النفس الفردي وعلم النفس الاجتماعي، فالإنسان، في نظره، لا يعيش بمعزل عن الجماعة، بل يعيد باستمرار تشكيل مشاعره وأحكامه من خلال انتماءاته وروابطه العاطفية. الفرد لا يفقد شخصيته داخل الجماعة، لكنه لا يبقى أيضًا الشخص نفسه، إنه يتماهى مع جماعته، ويبدأ بالنظر إلى العالم من خلال منظومتها الرمزية والأخلاقية.
ولعل أهم ما يمكن إضافته إلى قراءة فرويد اليوم هو أن الجماعة لا تغيّر آراءنا فقط، بل تعيد رسم حدود ما نسمح لأنفسنا بأن نشعر به، فهي لا تحدد مَن الصديق ومَن العدو فحسب، بل تحدد أيضًا متى ينبغي أن نحزن، ومتى ينبغي أن نفرح، ومع مَن يحق لنا أن نتعاطف، ومَن لا يستحق التعاطف.
في المجتمعات السليمة، تبقى هناك حدود إنسانية مشتركة، لا تلغيها الخلافات السياسية ولا الحروب، قد يفرح إنسان بانتصار جيشه في معركة، أو بهزيمة خصم عسكري، أو تأهل فريق بلاده في كرة القدم وخسارة الفريق الخصم، نعم هذا طبيعي، لكن يبقى مقتل طفل، أو استهداف مدنيين، أو سقوط أبرياء، حدثًا مؤلمًا يتجاوز الانتماءات، هذه ليست مسألة رأي سياسي، بل تعبير عن وجود مساحة أخلاقية مشتركة لا تزال قادرة على جمع المختلفين، وقد شاهدنا تاريخيًا الكثير من الناس يخرجون في مظاهرات حاشدة ضد استهداف بلادهم لمدنيين آخرين حتى لو كانوا في الطرف الآخر، أشهرها ربما مظاهرات الأمريكيين ضد جرائم الجيش الأمريكي في حرب فيتنام.
المشكلة تبدأ عندما تنجح الجماعة في إعادة تعريف حتى هذه الحدود، عندها لا يعود الطفل طفلًا، بل يصبح “ابن الجماعة الأخرى”، ولا يعود المدني مدنيًا، بل يتحول إلى جزء من معسكر العدو، في هذه اللحظة لا نكون أمام اختلاف سياسي فقط، بل أمام تحول في البنية النفسية التي تنظّم الحالة الانفعالية، يصبح الإنسان أقل قدرة على رؤية الضحية بوصفها إنسانًا، وأكثر ميلًا إلى رؤيتها من خلال هوية الجماعة التي تنتمي إليها.
هذا ما يجعل بعض ردود الفعل على التفجير أكثر إثارة للقلق من التفجير نفسه، فهذا التفجير لم يُحدث ضحايا، وكان أقرب للحدث الصوتي الذي يهدف إلى إحداث بلبلة إعلامية، لكن يبدو أن الحرب الطويلة في بلادنا قد نجحت في ترك أثر أكثر خطورة، وهو أن تصبح مشاعرنا نفسها خاضعة بالكامل لمنطق الاصطفاف، فلا نسأل أولًا: ماذا حدث؟ أو من تضرر؟ بل نسأل: هل خسر فريقي أم ربح؟ وبعد الإجابة عن هذا السؤال، يبدأ الحزن أو الفرح.
لقد عاشت سوريا سنوات طويلة من الاستقطاب، حتى أصبح كثير من السوريين ينظرون إلى الحدث الواحد من خلال انتمائهم قبل إنسانيتهم، وهذا لا يخص طرفًا دون آخر، بل هو أحد أخطر الآثار النفسية التي تتركها الحروب الداخلية الطويلة، إذ تتحول الجماعة إلى المرجع الأول في تفسير الواقع، وفي تحديد المشاعر المقبولة والمرفوضة.
لذلك فإن إعادة بناء سوريا لا تبدأ فقط بإعادة إعمار المدن، ولا بإعادة العلاقات الدبلوماسية، ولا حتى ببناء المؤسسات، رغم أهمية كل ذلك، إنها تبدأ أيضًا بإعادة بناء مساحة نفسية مشتركة، يستطيع السوريون داخلها أن يحزنوا معًا على الضحايا، وأن يدينوا الإرهاب بوصفه اعتداء على المجتمع كله، لا مجرد حدث يخدم هذا الطرف أو يضر ذاك.
لا تبدأ نهاية الحرب عندما تتوقف التفجيرات، ولا عندما تتبادل الدول الزيارات الرسمية، بل عندما يستعيد المجتمع القدرة على الاحتفاظ ببعض المشاعر خارج الانتماءات الضيقة، أن يبقى الحزن على الأبرياء حزنًا، وأن يبقى الإرهاب مصدر خوف لا مناسبة للشماتة، وأن يبقى الطفل طفلًا قبل أن يكون ابن هذه الجماعة أو تلك، عندها فقط يمكن القول إن الحرب بدأت تغادر النفوس، لا المدن فقط.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





