
"فقهاء الظلام".. عائلة تطاردها خطايا الماضي

"فقهاء الظلام".. عائلة تطاردها خطايا الماضي
في رواية “فقهاء الظلام”، يفتتح سليم بركات حكايته بزواج الملا بيناف، رجل الدين الكردي، من برينا ابنة مهرّب التبغ عفدي ساري، لتجمع المصاهرة عالمين متناقضين بين التدين والتهريب، فيما يبتعد بركات عن السرد الواقعي التقليدي في الرواية، ليبني عالمًا تتداخل فيه الأسطورة والذاكرة الشعبية.
ومن هذا الزواج يولد بيكاس، الطفل الذي لا يخضع لقوانين الزمن، إذ يكبر خلال ساعات قليلة، فيتحدث منذ ولادته، ويبلغ الـ30 قبل انقضاء يومه الأول، ويتسارع عمره بصورة خارقة، في واحدة من أبرز صور الواقعية السحرية التي تقوم عليها الرواية، أما والحال تلك، فيقف والده، الملا بيناف، عاجزًا عن تفسير ما يحدث، بينما تتحول ولادة ابنه إلى حدث يتجاوز حدود العائلة لتصبح حديث المجتمع بأكمله.
ويعد الطفل الشخصية المحورية في النص، ومن خلال ولادته الاستثنائية وكسر قوانين الزمن، فإن هذه الرواية تؤسس منذ بدايتها للطابع الغرائبي الذي يحكم الرواية منذ صفحاتها الأولى.
ولا يتوقف خرق الواقع عند بيكاس، بل يتزامن ميلاده مع سلسلة جرائم يقودها خاله مجيدو، الذي يقتل أحد منافسيه في تجارة التهريب، ثم يلاحق أفراد عائلته في مجزرة تهدف إلى قطع طريق الثأر.
ومع اتساع دائرة العنف، تبدأ اللعنة بالتسلل إلى الأسرة، فيتحول بيكاس إلى حضور غامض يطارد أفرادها، بينما يفقد مجيدو وعمه ثم عفدي ساري توازنهم النفسي، ويغدو الجنون جزءًا من مصير العائلة.
ومن خلال هذه الحكاية، يربط بركات بين مصير الأسرة والسؤال الكردي، إذ يتحول تقلص المكان وضيق الجغرافيا إلى هاجس يلاحق الشخصيات باستمرار، فالحوار لا يدور حول حدود مرسومة على الخرائط فحسب، وإنما حول أرض تنكمش وهوية تبحث عن موطئ قدم، فيما يبدو الزمن نفسه مختلًا، يتسارع أحيانًا ويتوقف أحيانًا أخرى.
لا يعتمد بركات على حبكة تقليدية أو تسلسل زمني، وإنما ينسج عالمه من حكايات متشابكة، تمتزج فيها الوثيقة التاريخية بالفانتازيا، والرؤى الشعبية بالنزعة الصوفية، لتغدو الرواية أقرب إلى محاولة لإعادة تخيل تاريخ الجزيرة السورية من خلال الأسطورة لا من خلال الوقائع وحدها.
وتدفع الرواية عناصر الواقعية السحرية إلى أقصاها، ففي أحد أكثر مشاهدها غرابة، يقطع عفدي ساري أصابع معلم اشتراكي بعد اكتشاف سخريته من الدين، ثم يدفنها في باحة المنزل، قبل أن تنبت من جديد كالنبات، وبذلك تمتزج الأسطورة بالحياة اليومية، ويصبح العجيب جزءًا من الواقع.
سليم بركات شاعر وروائي سوري، ولد عام 1951 في قرية موسيسانا التابعة لمدينة عامودا بريف القامشلي.
انتقل عام 1970 إلى دمشق لدراسة الأدب العربي، لكنه غادرها بعد عام إلى بيروت، حيث أقام حتى عام 1982، وخلال تلك الفترة أصدر عددًا من دواوينه الشعرية وكتب في السيرة والمذكرات.
لاحقًا انتقل إلى قبرص، حيث عمل مديرًا لتحرير مجلة “الكرمل” الثقافية الفلسطينية التي كان يرأس تحريرها الشاعر محمود درويش، قبل أن يستقر عام 1999 في السويد، حيث يواصل تجربته الأدبية.
تعد “فقهاء الظلام” أول رواية لسليم بركات، وهي أيضًا من أكثر أعماله حضورًا في الدراسات النقدية، لما تقدمه من لغة كثيفة وبناء رمزي، وتجربة سردية تجمع بين التاريخ والأسطورة والخيال.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى