تعا تفرج

حديث الكرة والمونديال

tag icon ع ع ع

خطيب بدلة

أحب الفرجة على مباريات كرة القدم، ولا أحب الحديث عنها، ولكنني أصبحت، من خلال الأصدقاء الذين يعلقون عليها، عليمًا بكثير من دهاليزها وخفاياها، وأعتقد أنني أستطيع التعليق على بعض أحداثها، بطريقتي الخاصة طبعًا.

إذا أنت أمضيت نصف ساعة من الزمان، تقلب صفحات “الفيسبوك”، في أثناء هذا المونديال الأخير، لخرجت بانطباع غريب جدًا، وهو أن الشخص الذي يتفرج، ليس متفرجًا عابرًا، بل أمضى قسمًا كبيرًا من حياته لاعبًا، أو مدربًا، أو معلقًا تلفزيونيًا، أو حكم ساحة، وبفضل “الفيسبوك” الذي يتيح للمرء الكتابة والنشر، في اللحظة التي يختارها، تجد التعليقات الناقدة لما يجري في الملعب، تنشر ابتداء من الدقائق الأولى لانطلاق كل مباراة. فمثلًا، يوم الثلاثاء الماضي، بعدما صد حارس مرمى منتخب مصر، مصطفى شوبير، ضربة الجزاء التي نفذها مهاجم الأرجنتين ميسي، وصد، بعدها، كرة خطيرة، بدأت المطالبات بإقامة تمثال لمصطفى، على السريع، وبعد الهدفين المصريين، أيقن الإخوة المعلقون “الفيسبوكيون” أن مصر تأهلت للدور القادم، وبدأوا يتساءلون عن الفريق الذي سيواجه الفريق المصري، في دور الثماني، يا ترى الكولومبي، أم السويسري؟

كان المعلق الرياضي الراحل، عدنان بوظو، يتحدث في البديهيات، ولكنه يعطيها زخمًا لفظيًا وكأنها معلومات مأخوذة من مصادر خاصة، أو من داخل الكواليس. ففي كل مباراة، تقريبًا، كان يخبرنا أن حكم الساحة هو “الميقاتي” الوحيد في المباراة، ونحن كنا نصدقه، ونردد عبارته، مع أنها بديهية، فمن غير المعقول أن ينهي المباراة حكم التماس، أو الفتى الذي يجمع الكرات، أو أحد أفراد الجمهور. وما يجري، في المونديال الأخير، وبفضل “الفيسبوك”، أصبح المتفرجون حكامًا، لا يقترحون، بل يقررون أن اللاعب الفلاني كان يستحق الطرد، وأن ضربة الجزاء التي أعطيت للفريق الفلاني غير صحيحة، وكتب أحدهم أن نتيجة الـ3-2 كان يستحقها الفريق المصري، وليس الأرجنتيني، ولكن “الحكم عرصا”.

في السنوات الأخيرة، قبل مغادرتي سوريا، كنت أحضر، برفقة صديقي الأديب الراحل تاج الدين الموسى، كل مباريات فريق أمية التي تقام في الملعب البلدي بإدلب. كانت الفرجة على الجمهور، بالنسبة إلي، لا تقل أهمية عن الفرجة على وقائع المباراة، وخلال تلك الفرجات الكثيرة، ترسبت في قعر ذاكرتي معلومة كان الجمهور ينشدها، مع صفقة ثلاثية متكررة، هي “الحكم عرصا”، وفي كثير من الأحيان كانت الجماهير تغتاظ من الحكم إلى درجة لا توصف، ومع ذلك كانت تتركه بحاله، وتسب على أخته! ولم يكن في مقدوري، أو مقدور أي فرد آخر في هذه البلاد المناضلة، أن يعاند الجماهير، أو أن يستفسر منها عن صحة مقولة رددتها، كأن يسألهم: يا ترى الحكم عنده أخت، أم أنه وحيد؟ وإذا كان هو الذي أنذر لاعب فريقنا، دون وجه حق، أو أعطى الفريق الآخر ضربة جزاء، ما علاقة أخته بالموضوع؟ وهناك سؤال افتراضي آخر، قد يبدو غريبًا بعض الشيء، وهو: إذا كان الحكم عرصا، بالفعل، ما الذي يمنع من أن يكون تحكيمه جيدًا؟ ألا يوجد فرق جدي، بين المهنة، والهواية؟



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة