tag icon ع ع ع

أمير حقوق | محمد ديب بظت | يزن قر

بعد عام على أحداث تموز 2025، لا تزال السويداء تواجه تداعيات أزمة تجاوزت حدود المواجهات الأمنية، لتشمل المشهد السياسي والواقع الخدمي ومسار العدالة والمحاسبة.

وعلى الرغم من تراجع حدة الاشتباكات واستعادة بعض المؤسسات والخدمات جزءًا من نشاطها، بقيت آثار النزوح، وضعف البنية التحتية، وتعدد مراكز النفوذ، واستمرار أزمة الثقة، تحديات حاضرة في المحافظة.

وخلال العام الماضي، طُرحت مبادرات سياسية، وشُكلت هيئات محلية، وأُطلقت لجنة تحقيق وطنية، إلا أن مسارات الحل والتعافي بقيت تواجه تعقيدات داخلية وتشابكات إقليمية، في ظل استمرار الجدل حول مستقبل المحافظة وآليات استعادة الاستقرار.

في هذا الملف، ترصد عنب بلدي واقع السويداء بعد عام من الأحداث عبر ثلاثة محاور رئيسة، يتناول الأول التحولات السياسية والأمنية والعوامل المؤثرة في مسار الأزمة، ويستعرض الثاني مسار العدالة والمحاسبة وما يحيط به من تحديات وتساؤلات، فيما يرصد الثالث واقع الخدمات والمعيشة، بين ما تحقق من تعافٍ جزئي وما بقي من أزمات تؤثر في الحياة اليومية للسكان.

سياسيًا..  لا حلول وتداخل في الحسابات المحلية والخارجية

لم تعد أزمة السويداء مجرد ملف أمني مرتبط باشتباكات متقطعة أو خلافات محلية، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد السوري خلال المرحلة الانتقالية.

وعلى الرغم من تراجع حدة المواجهات مقارنة بالأشهر الأولى التي أعقبت الأحداث، فإن جذور الأزمة بقيت قائمة، مع استمرار أزمة الثقة بين الدولة وجزء من المجتمع المحلي، وتعدد مراكز القرار، وانتشار السلاح، وتباطؤ مسار الحلول السياسية، إلى جانب استمرار تأثير الأطراف الإقليمية والدولية على مسار الأزمة.

وخلال الأشهر الماضية، طُرحت مبادرات عدة، كان أبرزها خارطة الطريق التي أُعلن عنها برعاية سورية- أردنية- أمريكية، كما شهدت المحافظة تشكيل مجالس وهيئات محلية، إلا أن أيًا من هذه الخطوات لم تنجح في إنهاء حالة الجمود، ما أبقى السويداء أمام مشهد يتداخل فيه السياسي بالأمني والاجتماعي.

معلمون في مدينة السويداء يتظاهرون للمطالبة بصرف رواتبهم - 2 تشرين الأول 2025 (السويداء 24)

معلمون في مدينة السويداء يتظاهرون للمطالبة بصرف رواتبهم – 2 تشرين الأول 2025 (السويداء 24)

أحداث السويداء

بدأت أحداث السويداء في 12 من تموز 2025، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية، وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، تطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات متبادلة.

تدخلت الحكومة السورية، في 14 من تموز، لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.

في 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، ما أعقبه انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، الأمر الذي أدى إلى إرسال أرتال عسكرية على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم.

من توتر أمني إلى أزمة مفتوحة

رغم اختلاف زوايا النظر، يتفق الخبراء على أن أحداث تموز غيّرت طبيعة الأزمة في السويداء، ونقلتها من احتجاجات وتوترات محلية إلى أزمة سياسية تتجاوز حدود المحافظة.

يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن السويداء أصبحت تمثل “عقدة سياسية مركبة” تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، موضحًا أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالشق الأمني، بل تشمل أزمة ثقة بين الدولة وجزء من المجتمع المحلي، وأزمة تمثيل محلي، وانتشار السلاح، إلى جانب تدخلات خارجية.

وقال العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، إن اختزال المشهد في مواجهة بين الدولة ومجموعات خارجة عليها لا يعكس الواقع، إذ تتداخل فيه قوى محلية مسلحة بنت روايتها الخاصة حول أحداث تموز، في مقابل سلطة مركزية لم تستطع، بحسب رأيه، إنتاج خطاب سياسي جامع يطمئن أبناء المحافظة ويعيد بناء الثقة، وأطراف خارجية تريد استخدام ما يجري في السويداء كورقة تفاوض إقليمية.

 

اختزال المشهد في مواجهة بين الدولة ومجموعات خارجة عليها لا يعكس الواقع.

الدكتور سمير العبد الله

باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”

 

من جانبه، يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن” عمار جلو، في حديث إلى عنب بلدي، أن السويداء دخلت بعد الأحداث في حالة من العزلة السياسية، معتبرًا أنها أصبحت رهينة لسلطة أمر واقع عطلت فرص التفاهم مع دمشق، إذ طغت الاعتبارات الشخصية والأيديولوجية والطموحات السياسية على المشهد العام.

أما المتحدث الإعلامي باسم “التيار الثالث”، كنان مسعود، فيعتبر أن أحداث تموز كشفت حجم الفراغ السياسي والمؤسساتي في المحافظة، وأظهرت هشاشة العلاقة بين المجتمع والدولة، مؤكدًا أن السويداء لا يمكن النظر إليها باعتبارها منطقة منفصلة عن سوريا.

وشدد مسعود، في حديث إلى عنب بلدي، على أنه لا يجوز اختزالها بخيارات الانفصال أو التخوين أو فرض الأمر الواقع، بل ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع وطني يقوم على دولة عادلة، ومؤسسات فاعلة، ولا مركزية إدارية حقيقية، ومحاسبة كل من تورط في الانتهاكات.

تنازع على شرعية السلاح والسيادة

رغم انخفاض مستوى التصعيد مقارنة بما شهدته المحافظة عقب أحداث تموز، فإن الاشتباكات المتفرقة بين الأمن الداخلي و”الحرس الوطني” لا تزال تتكرر.

ويرى العبد الله أن هذه الاشتباكات تعبر عن تنازع على شرعية السلاح والسيادة، إذ تتمسك الدولة بحقها في احتكار القوة وفرض الأمن، بينما تقدم القوى المحلية نفسها باعتبارها حامية للمجتمع بعد أحداث تموز، وهو ما يجعل الصدام يتجاوز طبيعته العسكرية ليعكس خلافًا حول طبيعة السلطة ومن يمتلك السيادة.

أما جلو فيرى أن هذه الاشتباكات تؤكد استمرار القطيعة بين دمشق وسلطة الأمر الواقع في السويداء، لكنه يستبعد أن تتطور إلى صراع واسع، معتبرًا أن الأزمة دخلت مرحلة “التجميد”.

المجالس المحلية.. بين سد الفراغ وتعدد المرجعيات

في ظل غياب رؤية حكومية واضحة تجاه مستقبل المحافظة، برز خلال العام الماضي تشكيل مجالس وهيئات محلية حاولت إدارة بعض الملفات، كتشكيل الشيخ حكمت الهجري “اللجنة القانونية”، التي حُلّت وشُكّل نيابة عنها “مجلس الإدارة في جبل باشان”، كذلك إنشاء “التيار الثالث” كتجمع مدني وطرف ثالث بين الحكومة والجهات المحلية، إلا أن تقييم دورها لا يزال محل تباين بين الخبراء.

وقال الدكتور سمير العبد الله، إن تشكيل هذه المجالس يعكس محاولة لملء الفراغ السياسي والإداري الذي خلّفته الأزمة، لكنه يرى في الوقت ذاته أنه يحمل خطر غياب خطاب حكومي يوضح الرؤية لمستقبل المحافظة.

أما متحدث “التيار الثالث”، كنان مسعود، فيميز بين العمل الأهلي والعمل السياسي، معتبرًا أن تنظيم المجتمع نفسه عبر تجمعات مدنية أمر طبيعي وضروري بعد عقود من تعطيل الحياة السياسية.

لكنه ينتقد ما وصفه بمحاولات فرض هيئات تحتكر القرار وتمثل أجندات محددة، الأمر الذي يجعلها، بحسب رأيه، أقرب إلى أدوات لاحتواء المجتمع وفرض القرار عليه، بدلًا من أن تكون مؤسسات تعبر عن مختلف شرائح المحافظة.

بدوره، يربط عمار جلو تراجع فاعلية المجتمع المدني بسيطرة سلطة الأمر الواقع، معتبرًا أن المؤسسات المدنية التي لعبت دورًا بارزًا عقب سقوط النظام تراجع حضورها تدريجيًا، نتيجة تغليب المصالح الشخصية والطموحات السياسية، وهو ما انعكس سلبًا على قدرة المجتمع المحلي على إنتاج مبادرات مستقلة لمعالجة الأزمة.

تعثر الحلول.. بين تضارب المصالح وغياب الثقة

بعد عام على الأحداث، لا يبدو أن الأزمة اقتربت من تسوية سياسية رغم تدخل أطراف دولية.

وكان الإعلان عن خارطة طريق برعاية أردنية وأمريكية من أبرز المحطات السياسية التي أعقبت أحداث تموز.

ونصت خارطة الطريق على جملة من الإجراءات العاجلة، من أبرزها:

  • دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة للتحقيق في الأحداث التي شهدتها السويداء.
  • محاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وفق القانون السوري.
  • استمرار إدخال المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحافظة.
  • نشر قوات شرطية مؤهلة على طريق السويداء- دمشق لتأمين حركة المواطنين والتجارة.

إلا أنها لم تنجح في إحداث اختراق حقيقي على الأرض، وسط اختلاف الخبراء في تفسير أسباب تعثرها.

وعزا الدكتور سمير العبد الله تعثر الحل الدولي إلى تباين أولويات القوى الخارجية، فالأردن ينظر إلى الملف من زاوية أمن الحدود، بينما تركز الولايات المتحدة على منع التصعيد وترتيبات الجنوب، في حين بقيت الحكومة السورية عاجزة، بحسب رأيه، عن إطلاق مبادرة سياسية قادرة على استعادة الثقة.

كما أشار إلى أن الخارطة تضمنت عناوين تتعلق بالمحاسبة، وتثبيت الأمن، وعودة المهجرين، لكنها افتقرت إلى الضمانات التنفيذية وآليات الرقابة، كما اصطدمت بانعدام الثقة بين الأطراف، واستمرار التدخلات الخارجية، الأمر الذي حدّ من فاعليتها.

أما الدكتور كنان مسعود فيرى أن ملف الجنوب السوري خرج إلى حد كبير من الإطار السوري، وأصبح جزءًا من تفاهمات إقليمية أوسع، زادت الحرب الإسرائيلية- الإيرانية من تعقيدها، وهو ما أدى إلى تجميد الوضع القائم وتأجيل أي حلول مباشرة.

ويربط تعثر خارطة الطريق بتحول ملف الجنوب السوري إلى جزء من مفاوضات أمنية وإقليمية أوسع، تشمل أمن الحدود مع إسرائيل وترتيبات الجبهة الجنوبية، وهو ما جعل تنفيذها مرهونًا بتفاهمات لم تنضج بعد.

التدخل الإسرائيلي.. ورقة ضغط أم مشروع استراتيجي؟

يحضر الدور الإسرائيلي في قراءات الخبراء بوصفه أحد أبرز العوامل المؤثرة في استمرار الأزمة، خاصة أن تل أبيب تدخلت عسكريًا منذ بدء الأحداث بذريعة حماية الدروز في سوريا.

ويرى العبد الله أن إسرائيل تعاملت مع السويداء كورقة ضغط إقليمية، مستخدمة شعار حماية الدروز لإبقاء الجنوب السوري في حالة هشاشة، ومنع تشكل سلطة سورية قوية على مقربة من حدودها.

ويذهب جلو إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن التدخل الإسرائيلي يرتبط بتحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد عملية “طوفان الأقصى”، إذ تسعى إسرائيل، بحسب رأيه، إلى توسيع المناطق العازلة في جنوبي سوريا، مستفيدة من ورقة حماية المجتمع الدرزي.

كما حذر من أن التعويل على الحماية الخارجية يبقى رهنًا بتبدل المصالح الدولية، مستشهدًا بتجارب سورية سابقة تغيرت فيها مواقف القوى الداعمة مع تغير الظروف السياسية.

 

إسرائيل تسعى إلى توسيع المناطق العازلة في جنوبي سوريا مستفيدة من ورقة حماية المجتمع الدرزي.

عمار جلو

باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن”

 

أما مسعود فيعتبر أن إسرائيل تستخدم بعض الأصوات والشعارات المرتبطة بحماية الدروز لخدمة أهدافها في إضعاف النسيج الاجتماعي السوري، مؤكدًا أن المحافظة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة في مشاريع إقليمية.

تجمع متظاهرين في ساحة الكرامة بمدينة السويداء خلال وقفة احتجاجية تحت شعار “أولياء الدم” - 11 نيسان 2026 (عنب بلدي)

تجمع متظاهرين في ساحة الكرامة بمدينة السويداء خلال وقفة احتجاجية تحت شعار “أولياء الدم” – 11 نيسان 2026 (عنب بلدي)

خدميًا.. كيف تبدل الواقع في السويداء؟

غيّرت أحداث تموز 2025 ملامح الحياة اليومية في السويداء، بعدما خلّفت أضرارًا واسعة في البنية التحتية وأدت إلى موجة نزوح كبيرة، لتدخل القطاعات الخدمية في واحدة من أصعب أزماتها خلال السنوات الأخيرة.

منذ الهجوم الذي شهدته المحافظة، في 13 من تموز 2025، واجه السكان انقطاعًا في المياه والكهرباء، ونقصًا في الخبز والمحروقات، بالتزامن مع إغلاق الطرق الرئيسة وتراجع وصول الإمدادات الإنسانية. وبعد عام، استعادت بعض الخدمات جزءًا من نشاطها وتحسنت أوضاع عدة قطاعات مقارنة بالأشهر الأولى، إلا أن التعافي بقي جزئيًا، ولا تزال آثار النزوح وضعف البنية التحتية والأزمة المعيشية حاضرة في حياة السكان.

المياه.. الأزمة الأكثر تعقيدًا

كان قطاع المياه الأكثر تضررًا، بعدما خرجت عشرات الآبار عن الخدمة، وفي مقدمتها تجمع آبار الثعلة الذي كان يؤمّن بين 60 و70% من مياه الشرب لمدينة السويداء.

وبحسب ما ذكرته مؤسسة المياه في تصريح سابق لعنب بلدي، تعرضت المحطة الرئيسة في الثعلة للحرق والتخريب، كما خرج 98 بئرًا عن الخدمة في أنحاء المحافظة، ما أدى إلى انهيار منظومة الضخ خلال الأيام الأولى.

وللتخفيف من الأزمة، وزع الهلال الأحمر السوري مئات خزانات المياه، كما نفذت منظمات محلية مشاريع لتشغيل بعض الآبار بالطاقة الشمسية.

ورغم هذه الجهود، بقيت الأزمة مستمرة، إذ إن أقل من نصف الآبار المغذية للمدينة عاد إلى العمل، بينما بقيت الآبار الأعلى إنتاجية خارج الخدمة، ما خفّض كمية المياه المنتجة إلى أقل من ربع الاحتياج اليومي. وخلال الأشهر الأخيرة، نُفذت مشاريع طاقة شمسية لتشغيل آبار في عدد من القرى، إلا أنها لم تنهِ الأزمة بشكل كامل.

الكهرباء.. تحسن محدود

تعرض قطاع الكهرباء لأضرار واسعة نتيجة استهداف محطات التحويل وخطوط التغذية، وخلال الفترة التي تلت الأحداث لم تتجاوز التغذية الكهربائية ساعتين يوميًا مقابل نحو 20 ساعة انقطاع، بعد خروج الخط الرئيس (230 ك.ف) عن الخدمة، واعتماد المحافظة على الخط الاحتياطي (66 ك.ف) حتى أواخر عام 2025.

وامتدت آثار الأزمة إلى مختلف القطاعات، فتأثرت محطات ضخ المياه والمستشفيات والمراكز الصحية والأفران. ورغم تحسن التغذية مقارنة بفترة الحصار، لا تزال ساعات التقنين الطويلة تؤثر في الحياة اليومية للسكان.

الخبز.. من الأزمة إلى الاستقرار النسبي

تحتاج السويداء إلى نحو 120 طنًا من الطحين يوميًا، إلا أن الكميات الواصلة خلال فترة الحصار كانت أقل بكثير، في ظل تعطل مطاحن أم الزيتون وتأخر القوافل الإنسانية.

واعتمدت المحافظة حينها على الطحين المقدم من برنامج الأغذية العالمي عبر قوافل الهلال الأحمر السوري، لكن الأزمة تجددت مع انتهاء عقد البرنامج في أيلول 2025، ما أدى إلى توقف الأفران وارتفاع سعر ربطة الخبز الحر إلى نحو 20,000 ليرة سورية، ودفع كثيرين للاعتماد على الخبز السياحي أو الخبز المنزلي.

ومع بدء إدخال الطحين عبر القنوات الحكومية وتنظيم التوزيع محليًا، بدأت الطوابير تتراجع وتحسن توفر المادة في معظم الأحياء.

فتح الطرق.. نهاية العزلة وبداية أزمة الأسعار

خلال الأسابيع الأولى بعد الأحداث، عاشت السويداء عزلة شبه كاملة إثر إغلاق طريق دمشق- السويداء وتوقف الحركة التجارية، ما تسبب بنقص حاد في المواد الغذائية والدوائية والمحروقات وارتفاع أسعارها.

ومع إعادة فتح الطريق تدريجيًا في أواخر آب 2025، بدأت القوافل الإنسانية ثم التجارية بالدخول، وعادت الأسواق لاستقبال المواد الأساسية، كما استأنفت مؤسسات خدمية عدة عملها وتوفرت المحروقات للأفران والمستشفيات ومحطات المياه.

إلا أن فتح الطرق لم ينهِ الأزمة المعيشية، بل نقلها من مرحلة نقص المواد إلى مرحلة ارتفاع الأسعار، وهي المشكلة التي لا تزال تؤثر في السكان حتى اليوم.

عنصر من قوات الأمن السورية قرب مدخل مدينة السويداء - 15 تموز 2025 (AFP)

عنصر من قوات الأمن السورية قرب مدخل مدينة السويداء – 15 تموز 2025 (AFP)

النزوح.. آثار مستمرة

كان النزوح من أقسى نتائج أحداث تموز، إذ اضطر أكثر من 170 ألف شخص إلى مغادرة مناطقهم وفق تقديرات الأمم المتحدة، فيما وثقت إحصائيات محلية عدد المتضررين بنحو 192 ألف شخص.

واتجهت أغلبية العائلات نحو مدينة السويداء وشهبا وصلخد وعدد من القرى الآمنة نسبيًا، وفي ذروة الأزمة تجاوز عدد مراكز الاستضافة 90 مركزًا استقبلت أكثر من 1700 عائلة.

ومع مرور الوقت تراجع عدد المقيمين داخل المراكز، إلا أن الأزمة لم تنتهِ، إذ لا تزال 1212 عائلة تقيم في 75 مركزًا موزعة بين المدينة وريفها.

أزمة السكن ومراكز الاستضافة.. تراجع الدعم

في البداية اعتمدت العائلات النازحة على المبادرات الأهلية والتبرعات المحلية، قبل أن تتدخل المنظمات الإنسانية والهلال الأحمر والكنيسة لتقديم الغذاء والمياه والفرش والمستلزمات الأساسية، إضافة إلى المطابخ الميدانية.

لكن المساعدات تقلصت تدريجيًا مع تراجع التمويل وتحول اهتمام بعض المنظمات إلى مناطق أخرى.

ويقول القائمون على المراكز، إن كثيرًا من العائلات باتت تعتمد على مواردها المحدودة لتأمين غذائها، فيما تشكل مستلزمات الطبخ والغاز والمواد الصحية عبئًا إضافيًا، إلى جانب النقص في حليب الأطفال والمكملات الغذائية وأدوية الأمراض المزمنة.

وأدى انتقال آلاف العائلات إلى مدينة السويداء خلال فترة قصيرة إلى ضغط كبير على سوق العقارات، الذي كان يعاني أصلًا من محدودية المعروض السكني.

وارتفعت الإيجارات إلى أكثر من مليون ونصف مليون ليرة شهريًا في بعض الحالات، فيما تجاوزت إيجارات الشقق المفروشة مليوني ليرة، وفقًا لرصد أجرته عنب بلدي.

كما اشتكى مستأجرون من طلب دفعات مسبقة وتأمينات مرتفعة، في وقت أصبح العثور على منزل مناسب أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

الرواتب والدخل.. انفراج محدود

امتدت تداعيات الأحداث إلى مصادر الدخل، إذ أدى تعطل المؤسسات المالية والصرافات الآلية إلى حرمان كثير من الموظفين والمتقاعدين من رواتبهم خلال الأشهر الأولى، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار.

واعتمدت أسر كثيرة على الاستدانة أو الحوالات المالية القادمة من الأقارب المغتربين. وخلال العام الحالي، ظهرت مؤشرات انفراج تدريجي، مع استئناف صرف رواتب عدد من العاملين في المؤسسات العامة والعاملين بعقود مؤقتة، إضافة إلى صرف مستحقات بعض المدرسين الوكلاء بعد أشهر من التأخير.

الأسواق.. وفرة السلع وضعف القدرة الشرائية

استعادت الأسواق جزءًا كبيرًا من نشاطها، وعادت معظم السلع الأساسية إلى الرفوف بعد أشهر من النقص.

لكن المشكلة لم تعد مرتبطة بتوفر المواد بقدر ما أصبحت مرتبطة بضعف القدرة الشرائية وندرة السيولة. ويقول سكان إن الخضار والمواد الغذائية متوفرة، لكن شراءها يتطلب حسابات دقيقة، فيما أصبحت اللحوم غائبة عن موائد كثير من الأسر.

كما تشهد بعض مواد البناء والتجهيزات الكهربائية نقصًا متكررًا نتيجة ارتفاع تكاليف النقل وتقلبات سعر الصرف.

الشارع المحوري في محافظة السويداء - 23 نيسان 2026 (عنب بلدي)

الشارع المحوري في محافظة السويداء – 23 نيسان 2026 (عنب بلدي)

التعليم.. تحديات مستمرة

كان قطاع التعليم من أكثر القطاعات تأثرًا بالأحداث، إذ توقفت العملية التعليمية لأسابيع وتحولت بعض المدارس إلى مراكز إيواء، ما أدى إلى انقطاع آلاف الطلاب وتأخر استكمال المناهج.

وكان طلاب الشهادة الثانوية الأكثر تضررًا، بعد توقف امتحاناتهم قبل تنظيم دورة تعويضية في تشرين الثاني 2025 أُعلنت نتائجها في شباط الماضي، بينما بقي ملف الاعتراف الرسمي بالشهادات معلقًا.

ومع اقتراب امتحانات العام الحالي، أثار قرار نقل المراكز الامتحانية الخاصة بطلاب السويداء إلى دمشق وريفها موجة اعتراض محلية، في ظل مخاوف من الأعباء الأمنية والمادية، فيما أعلنت محافظة السويداء استعدادها لتأمين وسائل النقل والإقامة للطلاب المتقدمين خارج المحافظة.

“المحافظة”: تعثر الخدمات مرتبط بالوضع الأمني

قال المكتب الإعلامي في محافظة السويداء لعنب بلدي، إن الحكومة السورية تبذل جهودًا لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الواقع الخدمي، مشيرًا إلى أن أعمال إعادة الإعمار شملت مناطق في الريفين الشمالي والغربي، وأن عددًا من القرى أُنجزت فيها أعمال التأهيل بشكل كامل.

وأضافت المحافظة أن الحكومة تواصل تزويد المؤسسات الحكومية بالمستلزمات والخدمات اللازمة، مؤكدة وجود خطط استراتيجية للنهوض بالواقع الخدمي في المحافظة.

وأرجعت أبرز أسباب تعثر عودة الخدمات إلى عدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق، نتيجة وجود مجموعات وصفتها بـ”الخارجة عن القانون”، معتبرة أن ذلك يعرقل عمل المؤسسات ويؤخر استعادة الخدمات إلى مستواها الطبيعي.

وفي ملف التعليم، قالت المحافظة إن التحديات لا ترتبط فقط بالكوادر أو الأبنية والامتحانات، بل تتصل أيضًا بالوضع الأمني، مشيرة إلى حادثة اقتحام مديرية التربية وإجبار مديرها الجديد على الاستقالة.

كما أكدت أن مطالب الأهالي تتركز على ضبط الوضع الأمني والحد من السرقات وأعمال التخريب التي طالت منشآت المياه والآبار وشبكات الاتصالات، وأثرت في استمرار تقديم الخدمات.

ونفت المحافظة وجود أي عرقلة لدخول المواد التموينية والمحروقات والطحين إلى السويداء، مؤكدة أن جميع المواد تدخل بعد استكمال إجراءات التدقيق القانونية، وأن التنسيق مع الجهات المحلية واللجان الأهلية يتم عبر المؤسسات الحكومية المختصة.

بسطة لبيع المحروقات في السويداء - 20 نيسان 2026 (عنب بلدي)

بسطة لبيع المحروقات في السويداء – 20 نيسان 2026 (عنب بلدي)

 عام مضى.. أي طريق للخروج من الأزمة؟

رغم اختلاف التشخيص، تتقاطع آراء الخبراء في أن استمرار الوضع الراهن لا يمثل حلًا، وأن تجاوز الأزمة يتطلب معالجة تتجاوز المقاربة الأمنية إلى مسار سياسي ومجتمعي أوسع.

ودعا الدكتور سمير العبد الله إلى الاعتراف بالمظلومية التي خلّفتها أحداث تموز، وإعلان نتائج التحقيقات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عودة المهجرين، إلى جانب إطلاق إدارة محلية حقيقية، وتحويل السلاح إلى مؤسسات منضبطة ضمن إطار الدولة، معتبرًا أن السويداء تمثل اختبارًا لقدرة سوريا الجديدة على بناء دولة تقوم على العدالة والشراكة الوطنية.

أما الباحث عمار جلو فيرى أن الحل يمر عبر إنهاء حالة القطيعة القائمة، ووجود ممثلين حقيقيين عن المجتمع المحلي يجلسون إلى طاولة الحوار مع الدولة، بالتوازي مع انفتاح أكبر من دمشق على التنوعات الاجتماعية.

بدوره، أكد الدكتور كنان مسعود أن معالجة الأزمة تبدأ بالاعتراف بحجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الأحداث، وإجراء محاسبة شفافة لكل المتورطين في الانتهاكات، وتعويض المتضررين، وتأمين عودة آمنة للمهجرين من جميع المكونات، وصولًا إلى إعادة بناء التفاهمات المحلية على قاعدة أن السويداء جزء من الدولة السورية، وأن استقرارها لا يتحقق إلا ضمن دولة القانون والمؤسسات، بعيدًا عن مشاريع الانقسام أو فرض الأمر الواقع.

قانونيًا.. عدالة لا تزال قيد الاختبار

اتخذت السلطات السورية خطوات عدة على المستوى القانوني خلال العام الماضي، بدءًا من تشكيل لجنة تحقيق وطنية معنية بأحداث السويداء، مرورًا بتمديد عملها، وصولًا إلى إعلان إحالة عدد من الملفات إلى القضاء.

وأعلنت اللجنة، في 3 من تموز الحالي، أن محكمة الجنايات العسكرية في دمشق بدأت عقد جلسات محاكمة علنية اعتبارًا من 1 من تموز، بعد إحالة عدد من المتهمين إلى قاضي التحقيق، مؤكدة أن الإجراءات تجري وفق الأصول القانونية وضمانات المحاكمة العادلة.

وأثار الإعلان عن بدء المحاكمات، بالتزامن مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للأحداث، تساؤلات حول دلالات توقيت هذه الخطوة ومدى اكتمال التحقيقات، وما إذا كانت تمثل بداية فعلية لمسار عدالة شامل يضمن محاسبة جميع المسؤولين وإنصاف الضحايا.

أبرز محطات لجنة التحقيق في أحداث السويداء:

31  من تموز 2025: أصدرت وزارة العدل القرار رقم “1287” بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في أحداث السويداء، وكشف ملابساتها، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات وإحالتهم إلى القضاء.

17  من آذار 2026: سلّمت اللجنة تقريرها النهائي إلى وزير العدل، بعد تحقيق استمر عدة أشهر، وتضمن التقرير توثيقًا لتسلسل الأحداث بين 11 و20 من تموز 2025، وإحصاء للقتلى والجرحى والمفقودين والنازحين، وتحديد الجهات التي ارتكبت الانتهاكات، مشيرًا إلى مسؤولية أطراف متعددة، بينها عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية، ومجموعات مسلحة محلية ومسلحون من العشائر، إلى جانب توصيات بإحالة جميع المتورطين إلى القضاء، وحماية مواقع المقابر الجماعية، وجبر ضرر الضحايا وتعزيز المصالحة المجتمعية وجمع السلاح غير المرخص.

3  من تموز 2026: أعلنت اللجنة إحالة عدد من المتهمين إلى القضاء، وكشفت أن محكمة الجنايات العسكرية في دمشق باشرت عقد جلسات محاكمة علنية اعتبارًا من 1 من تموز.

مسار يفتقر إلى الاستقلالية والاكتمال

بناء على ما سبق، يرى مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، أن مسار التحقيق الوطني في أحداث السويداء لا يزال “منقوصًا وغير مكتمل”، ويعاني من غياب الشفافية والاستقلالية، معتبرًا أن التحقيق في أحداث بهذا الحجم يفترض أن تتولاه جهة مستقلة، لا سلطة تُوجه إليها اتهامات بارتكاب جزء من الانتهاكات.

وقال الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، إن تشكيل لجنة التحقيق من قبل الحكومة السورية يطرح إشكالية تتعلق بالحياد، مضيفًا أن أحد أبرز أوجه القصور يتمثل في عدم تمكن اللجنة من الوصول إلى جميع الضحايا، ولا سيما في المناطق التي قُتل فيها عدد كبير من أبناء الطائفة الدرزية على يد عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية ومسلحين من العشائر، بحسب قوله.

وأضاف أن محدودية الوصول إلى بعض المناطق أثرت في اكتمال التحقيق، مقارنة بما جرى في أحداث الساحل، التي شهدت وصولًا ميدانيًا أوسع للجنة التحقيق، رغم وجود ملاحظات أيضًا على نتائجها.

بدء المحاكمات خطوة أولى.. نجاح مرهون باستكمال المساءلة

اعتبر الحقوقي المعتصم الكيلاني أن انتقال ملف أحداث السويداء من مرحلة التحقيق إلى الإحالة للقضاء يمثل تطورًا إيجابيًا من حيث المبدأ، باعتباره يشير إلى أن التحقيقات تجاوزت مرحلة جمع المعلومات ووصلت إلى مستوى يسمح بتوجيه اتهامات إلى عدد من المشتبه بهم.

وقال الكيلاني، في حديث إلى عنب بلدي، إن بدء أولى المحاكمات العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال تموز الحالي يعكس وجود إرادة لعدم تجاوز تلك الانتهاكات دون مساءلة، إلا أن تقييم جدية هذه الخطوة لا يرتبط بمجرد انطلاق المحاكمات، وإنما بمدى التزامها بمعايير العدالة وسيادة القانون.

وأضاف أن المساءلة الحقيقية تقاس بشمول التحقيق لجميع الانتهاكات وجميع المسؤولين عنها، بغض النظر عن مواقعهم أو الجهات التي ينتمون إليها، إلى جانب ضمان استقلال القضاء واحترام حقوق الضحايا وعلنية الإجراءات، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في المسار القضائي وجبر الضرر.

ويرى أن ما جرى حتى الآن يمثل بداية لمسار العدالة وليس نهايته، مشددًا على أن الحكم على نجاح هذا المسار يبقى مرهونًا بصدور أحكام قضائية مستقلة، والتأكد من عدم استثناء أي طرف تثبت مسؤوليته.

وقفة احتجاجية في السويداء تطالب بحق تقرير المصير - 11 نيسان 2026 (عنب بلدي)

وقفة احتجاجية في السويداء تطالب بحق تقرير المصير – 11 نيسان 2026 (عنب بلدي)

“اعتبارات سياسية أكثر من قانونية”

عن تزامن الإعلان عن الإجراءات القضائية مع الذكرى السنوية للأحداث، يرجح بسام الأحمد أن يكون التوقيت مرتبطًا باعتبارات سياسية أكثر منه باستكمال المسار القانوني، معتبرًا أن السلطات سبق أن استخدمت نهجًا مشابهًا في التعامل مع ملف أحداث الساحل، عبر توظيف خطوات قضائية لإيصال رسائل إلى الخارج بشأن وجود إجراءات للمساءلة.

ويرى أن التحدي الأساسي لا يقتصر على سير التحقيقات، وإنما يبدأ من آلية تشكيل اللجنة نفسها، موضحًا أن أي تحقيق مستقل كان سيعتمد على تصنيف الانتهاكات بحسب الجهات المسؤولة عنها، سواء تلك التي ارتكبتها قوات من وزارتي الدفاع والداخلية، أو مجموعات درزية استهدفت العشائر العربية، أو مجموعات عشائرية نفذت هجمات لاحقة.

وأضاف أن أخطر ما خلّفته الأحداث هو الشرخ المجتمعي بين أبناء الطائفة الدرزية والعشائر العربية.

واعتبر الأحمد أن الانتهاكات التي رافقت الأحداث تضمنت “مجازر وانتهاكات جسيمة”، وقال إن بعض الوقائع قد تحمل مؤشرات تستوجب التحقيق في احتمال ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم استهدفت أشخاصًا على أساس هويتهم الطائفية، وهو أمر يتطلب، وفق رأيه، تحقيقًا مستقلًا وشاملًا يحدد التكييف القانوني لكل واقعة.

 

معالجة آثار الأحداث لا تزال ممكنة، إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية تقوم على الاعتراف بالأخطاء، ومحاسبة المسؤولين، وكشف الحقيقة، وتعويض الضحايا.

 بسام الأحمد

مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”

 

التوقيت وحده لا يحكم على جدية المساءلة

أما الكيلاني فيعتقد أن التأخير قد يكون مبررًا من الناحية القانونية إذا احتاجت لجنة التحقيق إلى وقت لاستكمال جمع الأدلة والتحقق من الشهادات، وإعداد ملفات اتهام متماسكة خاصة في القضايا التي تتضمن عددًا كبيرًا من الضحايا وتعددًا في الوقائع والمتهمين.

 

تزامن الإعلان عن بدء المحاكمات مع الذكرى السنوية قد يحمل رسالة تؤكد استمرار إجراءات المساءلة، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلًا على فعاليتها.

 المعتصم الكيلاني

حقوقي وباحث في القانون الدولي

 

وأضاف أن القيمة القانونية لهذه الإجراءات لا ترتبط بتوقيت الإعلان، وإنما باستقلال القضاء، وشفافية المحاكمات، وإمكانية مراقبتها، وتنفيذ الأحكام التي ستصدر عنها.

الوصول المحدود لا يبطل التحقيق

عن اعتماد لجنة التحقيق على شهادات وأدلة جُمعت عن بعد في بعض المناطق، قال الكيلاني، إن عدم تمكن المحققين من الوصول إلى جميع مواقع الأحداث لا يؤدي تلقائيًا إلى بطلان التحقيق، إذ تتيح القواعد الحديثة في التحقيقات الجنائية إلى جانب الممارسات الدولية، الاعتماد على وسائل متعددة لإثبات الوقائع، مثل شهادات الشهود والتسجيلات المصورة والصور الفضائية والتقارير الطبية والأدلة الرقمية بشرط إخضاعها للتحقق القضائي.

وأضاف أن استخدام هذا النوع من الأدلة يفرض تحديات تتعلق بإثبات أصالتها وسلامة حفظها وإمكانية مناقشتها أمام المحكمة، ما قد يؤثر في وزنها القانوني دون أن يعني بالضرورة عدم قبولها.

وأكد أن قوة ملف الاتهام ستتحدد بمدى تكامل الأدلة وتوافقها، مع الاستماع إلى الشهود وإجراء الخبرات الفنية اللازمة، بما ينسجم مع المعايير الدولية للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

العدالة لا تقتصر على المحاسبة الجنائية

أشار الكيلاني إلى أن التجارب المقارنة في العدالة الانتقالية تؤكد أن المحاسبة الجنائية تمثل أحد أركان العدالة، لكنها ليست الركن الوحيد.

وأوضح أن إنصاف الضحايا يتطلب منظومة متكاملة تشمل كشف الحقيقة بصورة كاملة، وإجراء محاكمات مستقلة وعادلة، وجبر الضرر من خلال التعويض ورد الحقوق وإعادة التأهيل، إلى جانب ضمان عدم تكرار الانتهاكات عبر إصلاح المؤسسات وتعزيز الرقابة والمساءلة وإشراك الضحايا في الإجراءات القضائية.

مقالات متعلقة