المحكمة الدستورية في سوريا.. “بيت خبرة” برأي لا يقيّد البرلمان

رئيس المحكمة الدستورية العليا الدكتور عصام الخليف يؤدي اليمين الدستورية أمام الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق - 11 تموز 2026 (الرئاسة السورية)

camera iconرئيس المحكمة الدستورية العليا الدكتور عصام الخليف يؤدي اليمين الدستورية أمام الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب بدمشق - 11 تموز 2026 (الرئاسة السورية)

tag icon ع ع ع

تبرز المحكمة الدستورية العليا في سوريا كحجر زاوية لا غنى عنه في صياغة ملامح المرحلة الانتقالية، حيث مُنحت دورًا استشاريًا متوازنًا، يتمثل في “إبداء الرأي” بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، وهو ما يجعلها “بيت خبرة دستوري” يستأنس به المشرّع لضمان جودة النصوص قبل ولادتها، دون أن تسلب البرلمان حقّه الأصيل في التشريع وصياغة القرارات.

وبينما كانت هذه المحكمة في عهد النظام السابق أداة سياسية بامتياز، وظيفتها الأساسية إضفاء شرعية “شكلية” على ديكتاتورية الرئاسة وتمرير القوانين وتثبيت نتائج الانتخابات، تولد المحكمة الحالية برؤية مختلفة تمامًا تبتعد في مرحلتها الانتقالية عن وحل التوازنات السياسية والإشراف الانتخابي، لتركز جهودها بالكامل على هندسة البناء التشريعي، حماية الحقوق، والانتقال من مرحلة “قضاء السلطة” إلى مرحلة “سلطة القضاء الدستوري المستقل”.

وتقف المحاكم الدستورية العليا في جميع دول العالم كحصن يحمي أثمن ما تملكه الشعوب، وثيقتها الدستورية، وصونها من أن تتحول إلى حبر على ورق تحت وطأة المصالح السياسية العابرة.

هذه المحاكم تعد الحارس الذي يراقب خطوط التماس بين السلطات الثلاث، فتمنع البرلمان من التغوّل بالتشريع، وتكبح جماح السلطة التنفيذية عن الاستبداد بالقرار، وفي كل نظام ديمقراطي راسخ، تمثل صمام الأمان الذي يضمن بقاء الدولة ومؤسساتها خاضعة للقانون، محولة الدستور من مجرد نصوص جامدة إلى درع حي يحمي الحقوق والحريات العامة.

تفكيك تشابك الصلاحيات الدستورية

جاء النص على تأسيس المحكمة الدستورية العليا تحت الباب الخاص بالسلطات والدولة، في المادة “47” من وثيقة “الإعلان الدستوري“.

1- “تُحل المحكمةُ الدستوريةُ العليا القائمة وتنشأ محكمة دستورية عليا جديدة.
2- تتكون المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء يسميهم رئيس الجمهورية من ذوي النزاهة والكفاءة والخبرة، وتنظم آلية عملها واختصاصاتها بقانون”.

بينما أصدر الرئيس السوري المرسوم التشريعي “149” العام الحالي القاضي بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، الذين أدوا اليمين الدستورية، التي تربط المحكمة بالإعلان الدستوري من خلال النص على وجوب احترام رئيس وأعضاء المحكمة للإعلان الدستوري.

المحكمة الدستورية العليا الوليدة، محور هذا الملف الذي أعدته عنب بلدي، للاطلاع على حدود اختصاصاتها ومهامها وعلاقتها بالسلطتين التشريعية (رئاسة الجمهورية ومجلس الشعب) والتنفيذية، وشرح التداخلات في عملها، وسلطتها التقديرية على النصوص والتشريعات سواء التي هي في طور التشريع، أو الصادرة عن الرئيس السوري، منذ سقوط النظام السابق وحتى تاريخه.

وفي حديثه لعنب بلدي يطمئن عضو لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري الدكتور أحمد القربي، بأن المحكمة الدستورية العليا لن تحل بأي حال من الأحوال محل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب السوري الجديد.

رأي لا وصاية: حدود الدور الاستشاري للمحكمة الدستورية

نفى الدكتور القربي بشكل قاطع، أن يكون هناك توجه لدى مجلس الشعب السوري الجديد لإلغاء لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، لأن المحكمة الدستورية العليا لن تحل محل هذه اللجنة بمهامها واختصاصاتها.

وقال إن المحكمة الدستورية العليا بموجب المادة الرابعة (الفقرتين الثانية والثالثة) من مرسوم تحديد مهام المحكمة، يمثل “سلطة اختيارية تقديرية” لرئيس الجمهورية فيما يتعلق بمشاريع القوانين، ولرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب معًا فيما يتعلق بمقترحات القوانين. 

وبناءً على ذلك، فإن هذا الاختصاص لا يحل بأي حال من الأحوال محل عمل اللجنة الدستورية والتشريعية القائمة داخل البرلمان، وهذا هو الوجه الأول للمسألة.

أما الوجه الثاني، حسب القربي، فيتجلى في أن اللجنة التشريعية تعتبر جزءًا لا يتجزأ من السلطة التشريعية، في حين أن المحكمة الدستورية العليا تمثل جزءًا من السلطة القضائية (وتحديدًا القضاء الدستوري)، وهو ما يكرس اختلافًا جوهريًا بين طبيعة عملهما.

وعلاوة على ذلك، يؤكد أستاذ القانون العام أن رأي اللجنة التشريعية يخضع في الغالب لتقدير مجلس الشعب وقراره النهائي، وهو وجه الشبه الوحيد بينها وبين المحكمة في هذا السياق، إذ إن إبداء الرأي من قبل المحكمة الدستورية يُفهم قانوناً على أنه رأي استشاري غير ملزم، حتى وإن كان صادرًا عن أعلى هيئة قضائية دستورية.

ما طريق الصكوك التشريعية

ردًا على سؤال حول ما إذا كان سيتم عرض كافة مشاريع القوانين والمراسيم على المحكمة الدستورية العليا قبل إحالتها إلى مجلس الشعب، أوضح القربي أن إحالة مشاريع القوانين إلى المحكمة الدستورية العليا تخضع للسلطة التقديرية المطلقة لرئيس الجمهورية.

والتسلسل الإجرائي يتمثل في أن مشروع القانون يُعد أولًا من قِبل الحكومة (السلطة التنفيذية)، ثم يُحال إلى رئاسة الجمهورية، ومن ثم تقوم رئاسة الجمهورية بإحالته إلى مجلس الشعب.

وعند هذه المرحلة، يمتلك رئيس الجمهورية خيارين:

  • إما إحالة المشروع مباشرة إلى البرلمان دون عرضه على المحكمة الدستورية العليا، وهو أمر وارد جدًا وممكن قانونًا.
  • أو إحالته إلى المحكمة الدستورية العليا لإبداء الرأي فيه، وهنا يكون الرأي استشاريًا وغير ملزم، فمن الممكن أن تخلص المحكمة الدستورية إلى أن مشروع القانون يتوافق مع الدستور، في حين يرى رئيس الجمهورية أو مجلس الشعب غير ذلك، طالما أننا نتحدث عن “رأي استشاري” وليس حكمًا قضائيًا ملزمًا يصدر بموجب المادة الأولى التي تخص القوانين النافذة لا مشاريع القوانين.

إذن، فالتراتبية المقررة تبدأ بوصول مقترح القانون من الحكومة إلى رئيس الجمهورية، والذي يحيله إما مباشرة إلى البرلمان، أو إلى المحكمة الدستورية للاستئناس برأيها أولًا ثم إحالته إلى البرلمان. 

وللبرلمان بعد ذلك مطلق الحرية في الأخذ برأي المحكمة الدستورية أو عدم الأخذ به، يقول الدكتور القربي، مما يعني أن إحالة مشاريع القوانين إلى المحكمة ليست مرحلة إلزامية أو ممرّاً إجبارياً يسبق العرض على البرلمان.

ماذا عن المراسيم والقوانين الصادرة منذ التحرير

“لا يوجد أي نص قانوني واضح يلزم بعرض المراسيم الصادرة على المحكمة الدستورية العليا”، يؤكد الدكتور القربي، ويقول: “إذا أمعنا النظر في الفقرة الأولى من المادة الرابعة، نجد أنها تنص على “الفصل في دستورية القوانين والأنظمة”، دون أن تذكر المراسيم صراحةً.

وبناءً عليه، لا يمكن الاستنتاج بأن المراسيم التي صدرت منذ تاريخ صدور الإعلان الدستوري وحتى الآن ستُعرض على المحكمة الدستورية العليا، إلا في حال إقرار آلية محددة للفصل في دستورية القوانين والمراسيم، ويتم بموجبها الاتفاق على عرضها.

أما في الوقت الراهن، وموجب المرسوم الحالي، فلا يوجد أي نص يُلزم بعرض هذه المراسيم على المحكمة.

ويشدد الخبير القانوني على أن هذا الأمر يخضع في حقيقته للسلطة التقديرية لمجلس الشعب، فنظرًا لكون نص الإعلان الدستوري قد سكت عن هذه المسألة ولم يورد حكمًا صريحًا بشأنها، فإنها تندرج تحت القضايا المتروكة للسلطة التقديرية للمجلس.

ومع ذلك، وتفعيلًا لمبدأ تعزيز الشرعية الدستورية وسيادة القانون، وبما أن جزءًا كبيرًا من هذه المراسيم الصادرة يقع في أصله ضمن الاختصاص التشريعي الأصيل للبرلمان (مجلس الشعب)، فإن الأفضل والأقوم هو إحالتها إلى البرلمان لإقرارها. 

غير أنه يظل من حق البرلمان عدم المطالبة بإحالتها، بحسب القربي، تجنبًا للدخول في تعقيدات قانونية قد تفرزها إعادة النظر في تلك القوانين، وما قد يترتب على ذلك من إقرارها أو تعديلها أو حتى إلغائها”.

رأي المحكمة غير ملزم ومجلس الشعب لا يحاسب الرئيس

حول عبارة “إبداء الرأي” التي وردت في مرسوم مهام الدستورية العليا، وما إذا كان رأي المحكمة ملزماً للسلطتين التشريعية والتنفيذية، يؤكد الدكتور القربي أن عبارة “إبداء الرأي” تعني من الناحية القانونية والعملية تقديم رأي استشاري بحت وليس رأيًا ملزمًا، أي أنه رأي لا يقيد مجلس الشعب ولا رئاسة الجمهورية. 

ولو كان المشرع السوري يهدف إلى الإلزام، لورد النص في المرسوم بعبارة “الفصل في دستورية مشروعات القوانين” عوضًا عن عبارة “إبداء الرأي”، ويوضح الدكتور أحمد القربي أن النظام الداخلي لمجلس الشعب هو الأداة القانونية المعنية بتنظيم العلاقة التفصيلية بين البرلمان ورئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية.

غير أن العلاقة مع المحكمة الدستورية العليا تختلف، لكون المحكمة سلطة قضائية مستقلة، تتمثل مهمتها الأساسية بموجب الإعلان الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين والتأكد من مواءمة التشريعات الصادرة عن مجلس الشعب مع أحكام الإعلان الدستوري. 

وبالتالي، يقول القربي، لا يوجد أي تداخل أو اعتداء من قبل المحكمة الدستورية على اختصاصات البرلمان أو على نظامه الداخلي الذي يقتصر دوره على تنظيم العمل الداخلي للمجلس وعلاقته بالسلطة التنفيذية.

أما بخصوص القضايا المتعلقة بمساءلة رئيس الجمهورية أو حجب الثقة عن الحكومة، فإن هذه الأدوات والآليات غير قائمة أصلًا في ظل الإعلان الدستوري الحالي الذي يتبنى “النظام الرئاسي”، إذ لا توجد في مثل هذه الأنظمة آليات برلمانية للاستجواب أو حجب الثقة عن الوزراء، فضلًا عن رئيس الجمهورية. 

وبالمقابل، يبين الدكتور القربي، أن رئيس الجمهورية بدوره لا يملك الصلاحية الدستورية لحل البرلمان، مما يكرس فصلًا صارمًا بين السلطتين.

من رئيس وأعضاء الدستورية العليا

حسب نص المرسوم الرئاسي الذي نشرته الوكالة السورية للأنباء (سانا)، في 7 من تموز، يترأس المحكمة الدستورية العليا الدكتور عصام خالد الخليف، وتتألف أيضًا من ستة أعضاء، إلى جانب الخليف.

ويشغل الخليف منصب نائب رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش في سوريا، وهي معنية بمراقبة وتفتيش المؤسسات الحكومية لضمان الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز الثقة في المؤسسات الحكومية.

وحدد المرسوم أعضاء المحكمة الدستورية كالآتي:

  • القاضي المستشار خير الله نديم غنوم.
  • القاضي المستشار محمد مصطفى سبيع.
  • القاضي المستشار إيمان أنطوان نوري.
  • الدكتور إسماعيل حمادي الخلفان.
  • الدكتورة ريعان حسن كحيلان.
  • المحامي الأستاذ عارف أحمد الشعال.

ما مهام المحكمة الدستورية العليا

توضح المادة الرابعة من المرسوم المذكور، المهام الأساسية التي تضطلع المحكمة الدستورية العليا، بالقيام بها (ريثما يصدر القانون الذي ينظم آلية عملها واختصاصاتها)، وهي:

  • الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة.
  • إبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين، بناء على طلب رئيس الجمهورية.
  • إبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين، بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب.
  • تفسير نصوص الإعلان الدستوري، بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب.

ويؤدي رئيس المحكمة الدستورية العليا وأعضاؤها، قبل مباشرة مهامهم، اليمين الدستورية التالية أمام رئيس الجمهورية: “أقسم بالله العظيم أن أحترم الإعلان الدستوري، وأن أقوم بواجبي بأمانة وإخلاص”.

ويأتي تشكيل المحكمة الدستورية العليا بالتوازي مع بدء مجلس الشعب أولى جلساته بعد سقوط الأسد، وذلك في 12 من تموز.

وكانت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب زمن النظام السابق تختص بعدة مهام، منها النظر في دستورية التشريعات ومشروعات القوانين المحالة من رئاسة الجمهورية والسلطة التنفيذية إلى المجلس، وإبداء الرأي وتقديم تقريرها حول هذا الأمر إلى المجلس لتلاوته تحت القبة، وإذا قررت عدم جواز النظر في مشروع قانون ما، نظرًا لعدم دستوريته، يمتنع المجلس عن مناقشته، ويعاد إلى الجهة التي أرسلته أصولًا.

وكان آخر رئيس للمحكمة الدستورية العليا زمن النظام السابق هو محمد جهاد اللحام، الذي شغل قبلها منصب رئيس مجلس الشعب السوري.

وتعتبر المحكمة الدستورية العليا أعلى سلطة قضائية في سوريا، وكانت تتألف من خمسة أعضاء يكون أحدهم رئيسًا للمحكمة، وكان يسميهم رئيس الجمهورية (آنذاك) بمرسوم.

ولا يجوز الجمع بين عضوية المحكمة الدستورية، وأي منصب حكومي أو عضوية مجلس الشعب.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة