عام على مجازر السويداء.. حين يبدأ العنف باللغة

tag icon ع ع ع

أحمد عسيلي

مر عام على مجازر السويداء، إحدى أكثر المحطات دموية منذ سقوط نظام الأسد، فخلال أيام قليلة، قُتل مدنيون، ونُهبت منازل، وتعرّض سكان للإذلال والتهجير، فقد وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية انتهاكات جسيمة ارتُكبت بحق مدنيين من أبناء السويداء، كما وثقت جرائم وفظائع تعرض لها مدنيون من البدو، دون أن نستطيع أن نتغاضى عن حقيقة أن السلطة في دمشق تتحمل العبء الأكبر هنا، لأنها تمثل الدولة، والجهة التي يُفترض أن تحمي جميع المواطنين دون تمييز.

لكن ما يشغلني اليوم، إلى جانب فداحة ما حدث، هو الطريقة التي نفكر بها حياله.

خلال الأشهر الماضية، بدا أن جزءًا كبيرًا من النقاش السوري لا يدور حول الضحايا بقدر ما يدور حول انتماءاتهم، أصبح السؤال: إلى أي جماعة ينتمي القتيل؟ بدلًا من السؤال: من كان هذا الإنسان؟ وكيف انتهت حياته؟

يتعمد كثيرون تجاهل مآسي الطرف الآخر، وحتى حين تُذكر، يأتي الاعتراف خجولًا، أشبه برفع العتب، لم نجد حتى الآن محاولات جدية تسرد الوقائع كاملة، من دون أن تنتقي منها ما يخدم رواية سياسية أو جماعية جاهزة، وهذا ما نطلق عليه في علم النفس مفهوم نزع الإنسانية، فالإنسان يجد صعوبة في قتل شخص يراه شبيهًا به، له اسم وعائلة وحياة وأحلام، لذلك تسبق القتل عملية نفسية خطيرة: يختفي الفرد وتبقى هويته، لا يعود القتيل “رامي أو محمد أو عصام”، وإنما يصبح “درزيًا أو بدويًا”، وحين يختفي الاسم، يصبح العنف أسهل، ويقل إزعاج الضمير.

بدأت قصتي مع تأمل هذه الآلية النفسية الخطيرة مع الأيام الأولى للثورة السورية، حين كنت أتابع نشرات الأخبار مثل بقية السوريين، كنت أسمع كل مساء عدد الشهداء الذين قتلتهم قوات الأسد في المظاهرات: ثلاثة، ستة، عشرون… وكنت أكرر هذه الأعداد أحيانًا بصورة شبه يومية.

ذات مرة، مررت مصادفة قرب منزل شاب من دوما قتلته قوات الأسد في مظاهرات اليوم السابق، لم أكن أعرفه، رأيت النعش، وسمعت تلاوة القرآن وأصوات البكاء، وشاهدت الحزن مخيمًا على بيته ووجوه أهله، عندها أدركت أن من سمعت خبر مقتله بالأمس لم يكن “شهيدًا جديدًا” فقط، كان شابًا له إخوة وعائلة، وله غرفة ستبقى فارغة وأصدقاء لن يروه مرة أخرى، كان موته فعلًا قاسيًا استلزم نعشًا وجنازة وقرآنًا وحزنًا سيبقى طويلًا بعد انتهاء الخبر، منذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى أعداد القتلى بالطريقة نفسها. نحتاج اليوم إلى الدرس نفسه في السويداء.

لا أريد أن أقول: قُتل درزي، أريد أن أعرف اسمه، وأين درس، وماذا كان يعمل، ومن ينتظره في البيت، ربما كان رامي، خريج كلية الزراعة، وأبًا لطفلين، ويحلم بالسفر للعمل في الخليج.

ولا أريد أن أقول: قُتل ثلاثة من البدو، كانوا محمد وأحمد وعصام، ثلاثة أشخاص لكل واحد منهم وجه وعائلة وحياة انقطعت في لحظة.

هذه ليست إضافات عاطفية إلى الخبر، إنها مقاومة لنزع الإنسانية، تستطيع اللغة أن تخفف ثقل الجريمة، كما تستطيع أن تعيده، كلما استبدلنا الإنسان بهويته، اقترب موته من أن يصبح فكرة مجردة يسهل تبريرها.

المجازر لا تبدأ بالسكين، بل تبدأ باللغة التي تمهد لها، تبدأ حين يصبح طبيعيًا اختزال جماعة كاملة في صفة واحدة، وحين يتحول ملايين البشر في المخيلة إلى كلمة، بهذه الطريقة يصبح “الدرزي” أو “البدوي” أو “السني” أو “العلوي” كتلة واحدة، ويُحمّل أفرادها مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

في نفس المنطق، تبدو كلمة “لكن” من أخطر الكلمات في نقاشاتنا (ألسنا نتحدث عن اللغة وعنفها؟).

قُتل مدنيون من أبناء السويداء على خلفية طائفية، وارتُكبت بحقهم جرائم موثقة، هذه حقيقة، من دون “لكن”.

وارتكبت مجموعات درزية جرائم وانتهاكات بحق مدنيين من البدو، وهذه حقيقة، من دون “لكن”.

وتتحمل الدولة المسؤولية الأكبر، لأنها الدولة، وهذه أيضًا حقيقة، من دون “لكن”.

عندما نضيف “لكن”، نغادر الوقائع ونبدأ بالدفاع عن هويتنا، يبدو الاعتراف بجريمة ارتكبها من ينتمي إلى جماعتنا وكأنه انتقاص شخصي منا، تتحول الحقيقة عندها إلى مزاد أخلاقي، ويصبح الضحايا أدوات في الخصومة.

وصف الطبيب النفسي روبرت جاي ليفتون، الذي توفي منذ عدة أشهر عن 99 عامًا، قدرة الإنسان على العيش بذاتين متوازيتين: ذات أخلاقية في الحياة اليومية، وذات أخرى تبرر العنف حين يدخل الفرد في عالم الجماعة والصراع، لهذا يستطيع كثيرون إدانة الجريمة حين تقع عليهم، ثم العثور على تفسير لها حين يرتكبها من يشبههم، يبقى الفعل واحدًا، ويتغير موقع النظر إليه.

لن تُبنى الثقة بين السوريين ما دام كل طرف يحفظ أسماء ضحاياه وينسى أسماء ضحايا الآخرين، تبدأ المصالحة عندما نستطيع التبرؤ بوضوح من أي جريمة، حتى لو ارتكبها الأقربون إلينا، عندها يعود القانون أقوى من القبيلة، ويعود الإنسان أهم من الهوية، ولن نستطيع القيام بهذا دون إعادة التفاصيل الإنسانية للجميع، والوعي بأساليب اللغة في جعلنا نتقبل أكثر الجرائم دموية، فكل ما يلزم هو بعض اللعب على الكلمات.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة